باب المسح على الخفين
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ [المائدة: 6] حمل جماعة من العلماء القراءة المتواترة بخفض اللام في كلمة (أرجلكم) على أنه أراد المسح على الخفين.
67- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كُنْتُ مَعَ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. متفق عليه.
68- وعن حذيفة رضي الله عنه قال: «كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سُبَاطَة قوم، فبالَ قائمًا، فتنحيتُ فقال: ادْنُه، فدنوتُ حتى قمتُ عند عقبيهِ، فتوضأ، فمسحَ على خُفَّيه». متفق عليه واللفظ لمسلم.
69- وللأربعة عن المغيرة إلا النسائي: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» وفي إسناده ضعف. [وضعَّفه البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (ص:56)، وأبو حاتم وأبو زرعة في العلل (78)، والترمذي في السنن (97)، والدارقطني في العلل (3/298)، وغيرهم].
70- وعن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: «لَوْ كَانَ اَلدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ اَلخُفِّ أَوْلَى بِالْـمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» أخرجه أبو داود بإسناد حسن.
71- وعن ثوبان رضي الله عنه قال: «بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى اَلْعَصَائِبِ - يَعْنِي: اَلْعَمَائِمَ- وَالتَّسَاخِينِ -يَعْنِي: اَلْخِفَافَ-»، رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الحاكم. [أعلَّه أحمد في العلل (642) بالانقطاع، وقال ابن حجر في الدراية (1/72): (إسناده منقطع وضعَّفه البيهقي وقال البخاري: حديث لا يصح)].
ثوبان: هو أبو عبد الله ثوبان بن بُجْدُد، مولى رسول الله ﷺ الذي كان ملازمًا له حضـرًا وسفرًا، وكان لا يسأل أحدًا شيئًا من أجل أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَنْ لاَ يَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ؟» فقال ثوبان: أنا، حتى إن سوطه ليسقط فيذهب الرجل يناوله إياه، فما يأخذه منه حتى يُنيخ بعيره، ثم ينزل فيأخذه، مات في حمص سنة (54هـ).
1 - أهوَيتُ: أي: انحنيت مادًّا يدي.
2 - لأنزع: لأخلع وأقلع.
3 - خُفَّيه: تثنية خُفٍّ، وهو ما يُلبس في الرجل من جلد.
4 - أدخلتهما طاهرتين: لبستهما بعد وضوءٍ كامل، فالضمير في قوله: «أدخلتهما» يعود على القدمين، بدليل رواية أبي داود: «دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان».
5 - سُباطة: السُّباطة -بضم السين-: هي ملقى القمامة والتراب ونحوهما، وتكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها.
6- الرأي: العقل المجرَّد دون النقل، أي: ما يراه الإنسان صالحًا من غير نظر إلى الشرع.
7 - سرية: السرية: هي القطعة من الجيش من خمسة إلى ثلاثمائة، وسميت بذلك لأن الغالب عليها أن تسير بالليل وتختفي بالنهار، وقد اصطلح علماء السيرة على تسمية كل جيش لم يكن فيه النبي ﷺ: سرية، وما كان فيه النبي ﷺ: غزوة.
8 - العصائب: ما يُعصب به الرأس من عمامة أو غترة، أو نحو ذلك.
9 - التساخين: هي كلُّ ما يسخِّن القدم من خف وجورب ونحوهما.
1 - في الأحاديث عمومًا دليل على مشـروعية المسح على الخفين، وهو رخصة في الحضـر والسفر، للحاجة ولغير الحاجة بالاتفاق[1]، والأحاديث في المسح على الخفين متواترة.
2 - استدل بعض أهل العلم بقوله: «فإني أدخلتهما طاهرتين» على أنه يشترط كمال الطهارة لجواز المسح على الخفين، وذلك بأن يُلبَسا بعد وضوء كامل، وهو مذهب الجمهور وذهب الحنفية وبعض الشافعية ورواية عن الحنابلة إلى جواز المسح لمن غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى ولبس الخف وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم[2].
3 - قوله: «دعهما» دليل على أن المسح على الخفين لمن كان لابسًا لهما أفضل من خلعهما وغسل الرجلين.
4 - استدلَّ بعضهم بقوله: «فمسح عليهما» على أن المشروع مسح الأعلى وهو الظاهر؛ لأن لفظة «على» ظاهرة في ذلك[3].
5 - في حديثي المغيرة وحذيفة دليل على مشروعية خدمة أهل العلم والفضل إذا كان الحامل على ذلك دينه، أو علمه، أو حقه كالأب، أو ولاية عامة.
6-جواز استعانة المرء بغيره في الوضوء.
7- في حديث حذيفة تصريح بجواز المسح على الخفين عن حدث البول.
8 - وفيه دليل على جواز البول قائمًا، وجواز البول بالقرب من الديار، وأن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر[4].
9 - وفيه دليل على جواز المسح على الخفين في الحضر[5].
10 - في حديث علي: الاقتصار على مسح أعلى الخف، وهو قول الحنفية والحنابلة[6]، وأما حديث المغيرة في مسح أعلاه وأسفله، فهو حديث ضعيف، والأئمة الأربعة متفقون على إجزاء المسح على أعلى الخف فقط.
11 - في حديث ثوبان دليل على جواز المسح على العمامة، وهو مذهب الحنابلة والظاهرية خلافًا للجمهور[7].
12 - فيه دليل على جواز المسح على الخفين وعلى العمامة في السفر، ويقاس عليه الحضـر لأن الرخصة عامة[8].
13 - وفيه: جواز المسح على الجوربين، لقوله: «والتساخين»، وهي أعمُّ من الخف، لأنها تطلق على كل ما يسخِّن الرجل، وهو مذهب الحنابلة، ولكن يشترط أن تكون كثيفة (أي: صفيقة) لا خفيفة[9]، وأجازه الحنفية والشافعية بشرط أن يكونا منعلين صفيقين[10].
14 - المسح على الخفين رخصة، والأصل في الرخص التسهيل، واشتراط شروط في الخف ينافي ذلك، فيجوز المسح عليه سواءً كان مخرقًا أم لا، والصحابة كانوا فقراء، فلا تسلم خفافهم من وجود الشقوق والخروق، وما كانوا يمتنعون من المسح عليها؛ لا في حضـر ولا في سفر وجهاد، وهو قول الثوري، وداود، ورجَّحه ابن تيمية[11].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - المسح على الخفين من الرُّخَص الدالة على كمال الدين الإسلامي ويُسـر تشـريعاته، وبُعدها عن الحرج؛ فإن الإنسان يحتاج للمسح على الخفين، لا سيما في فصل الشتاء، وفي البلاد الباردة[12].
2 - حُسن خلق النبي ﷺ وتعليمه؛ حيث منع المغيرة من خلعهما وبيَّن له السبب، وهو أنه أدخلهما طاهرتين.
3- توقير أهل العلم والفضل ومعرفة حقهم، وإنزال الناس منازلهم.
4 - في حديث علي بيان أن الدين إنما يؤخذ من النقل، فإن وجد ما ظاهره التعارض بين النقل والعقل قُدِّم النقل.
1- في قوله: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ...»: تعليل لجواز المسح على الخفين، والمراد بيان الحال التي يجوز عندها المسح على الخفين.
2- لفظ الطهارة في حديث المغيرة يحمل على الطهارة الشـرعية التي هي الوضوء، لا على الطهارة اللغوية؛ لأن الحقيقة الشرعية في لفظ الشارع مقدَّمة على الحقيقة اللغوية.