حكم الوضوء من خروج المذي ومن مسّ الذَّكَر:
85- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ اَلْـمِقْدَادَ بْنَ اَلْأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «توضأ واغسل ذَكَرك»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
86- وعن طلق بن علي قال: قال رجل: مَسَسْتُ ذَكَرِي أَوْ قَالَ: اَلرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي اَلصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ الوُضُوءٍ؟ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»، أخرجه الخمسة، وصحَّحه ابن حبان، وقال ابن المديني: (هو أحسن من حديث بسرة). [ضعَّفه الشافعي وأحمد وابن معين فيما نقله البيهقي في الكبير (1/396)، وأبو حاتم وأبو زرعة في العلل (111)، والدارقطني في السنن (1/271)، والبيهقي في الكبير (1/396)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/363)، وغيرهم].
87- وعن بُسْرة بنت صفوان رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أخرجه الخمسة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان، وقال البخاري: (هو أصح شيء في هذا الباب).
1 - المقداد بن الأسود: هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وتزوج بنت عم النبي ﷺ ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، توفي سنة (33هـ)، ودفن بالبقيع.
2 - طلق بن علي: هو أبو علي طلق بن علي بن المنذر السحيمي الحنفي اليمامي، أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ.
3 - بُسْرة بنت صفوان: بضم الباء وسكون السين: هي بسرة بنت صفوان بن نوفل القرشية، روَت عن رسول الله ﷺ، لها سابقة وهجرة قديمة، وكانت من المبايعات، عاشت إلى ولاية معاوية.
- مذَّاءً: أي: كثير المذي، وهو ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة، أو مع قوة الشباب، ويكون خروجه بدون تدفق ولا إحساس به.
- مسست ذكري: أي: أفضيت بيدي إليه من غير حائل.
- بضعة منك: البَضعة بفتح الباء: القطعة من اللحم.
1 - في حديث عليٍّ دليل على أن خروج المذي ناقض للوضوء، فهو يوجب الوضوء، ولا يوجب الغسل بالإجماع[1].
2 - جمهور الفقهاء على أنه يكفي غسل رأس الذكر، والموضع الذي أصابه المذي فقط، ويستحب غسل الذكر كاملًا مع الأُنثيين[2]، والحنابلة يوجبون ذلك[3].
3 - الحكمة من غسل الذكر مع الأنثيين أن المذي فيه لزوجة، فربما انتشر على الذكر والأنثيين ولم يشعر به الإنسان، وقيل: إن ذلك يخفف المذي أو يقطعه، ولا سيما إذا كان غسله بالماء البارد، فإنه من أسباب قطعه وعدم استمرار خروجه[4].
4 - دل حديث طلق على جواز أن يسأل المسلم عما يُستحيا منه لأجل دينه، فلا حياء في السؤال فيما يتعلق بأمر الدين.
5 - ودلَّ على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء؛ لأنه وصفه بأنه بضعة من الإنسان، كمسٍّ أذنه أو يده ونحوهما، وهو قول الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن المنذر [5].
6 - دل حديث بسرة بنت صفوان على أن مس الذكر والفرج ينقض الوضوء، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة [6].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - فضيلة أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه، وكمال حيائه وأدبه؛ حيث استحيى من سؤال النبي ﷺ لكونه زوج ابنته، والحياء من شعب الإيمان، ولا يأتي إلا بخير، وقد عد ابن القيم عشـرة أنواع للحياء، وذكر منها: (وحياء الحشمة: كحياء علي بن طالب رضي الله عنه أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي؛ لمكان ابنته منه)[7].
2 - من الأدب وحسن المعاشرة مع الأصهار ألا يذكر الزوج ما يتعلق بالشهوة عمومًا، من أسباب الجماع أو مقدماته أو الاستمتاع بالزوجة في حضرة أبيها أو أخيها أو ابنها أو غيرهم من أقاربها، مع كون السؤال في الحديث عن حكم شرعي، فكيف إذا ذكر ذلك لغير حاجة.
3- لا ينبغي ترك معرفة الأحكام الشرعية لأجل الحياء، بل يحتال المؤمن بوسيلة مناسبة لمعرفتها.
1- أجاب الجمهور عن حديث طلق بن علي بعدة أجوبة:
الأول: أنه حديث ضعيف، كما تقدم.
الثاني: أنه منسوخ؛ لأن طلق بن علي الحنفي كان قدومه وهم يؤسسون المسجد (رواه الدارقطني)، وتأسيس المسجد كان في السنة الأولى من الهجرة، وأخبار الإيجاب من رواتها بسرة بنت صفوان، وقد أسلمت عام الفتح في السنة الثامنة.
الثالث: أن حديث بسرة ناقل عن الأصل وحديث طلق مبقٍ على الأصل، والقاعدة المستقرة أن الناقل أولى من المبقي؛ لئلا يلزم تغير الحكم مرتين.
الرابع: أنه يمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء ما إذا لمسه من وراء حائل لأن في رواية النسائي عن طلق قال: «خرجنا وفدًا حتى قدمنا على النبي ﷺ فتابعناه وصلينا معه، فلما قضـى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله ما تقول في رجل مس ذكره في الصلاة قال: «وهل هو إلا مضغة منك» أو قال: «بضعة منك»، والمصلي في الغالب إنما يمسه من فوق ثيابه.
الخامس: إن قدرنا التعارض، فأحاديث الوضوء من مس الذكر أكثر رواة وأصح إسنادًا وأقرب إلى الاحتياط، وذلك يوجب ترجيحها[8].
2- ذهب الحنابلة في رواية والعراقيون من المالكية إلى الجمع بين الحديثين؛ فحملوا حديث طلق بن علي على من مس ذكره بغير شهوة، فلا ينتقض وضوؤه، وحديث بسرة على من مس ذكره بشهوة فينتقض وضوؤه[9].
3 - رجح شيخ الإسلام أن الوضوء من مس الذكر مستحب فقط؛ حملا لأحاديث الأمر به على ذلك؛ توفيقًا بين الأحاديث في ذلك والآثار، وهو رواية عن أحمد [10].
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11] جعل الله إنزال الماء عليهم تطهيرًا لهم وإذهابًا لرجز الشيطان، وقد أخبرنا النبي ﷺ فيما رواه أحمد في المسند أن الإبل خلقت من الشياطين. وقال الزركشي وغيره: هي من الشياطين، كما في الحديث الصحيح، فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها ليذهب سورة الشيطان[11]، والله أعلم.
88- وعن جابر بن سمرة: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ اَلْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ»، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ اَلْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، أخرجه مسلم.
هو أبو عبد الله جابر بن سمرة السوائي، له صحبة، نزل الكوفة، وابتنى بها دارًا في بني سواءة، وتوفي بها سنة 74هـ في ولاية بشر بن مروان على العراق.
1 - مشروعية الوضوء من لحوم الغنم، ووجوب الوضوء من لحم الإبل وهو من مفردات الحنابلة[12].
2 - قيل: الوضوء من لحوم الإبل تعبدي غير معلَّل، وقيل: بل هو معلل بأن فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «إنها جن خلقت من جن»، وقد قال ﷺ فيما رواه أبو داود: «الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان، فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول بما أمر به النبي ﷺ من الوضوء من لحمها، فمن توضأ من لحومها اندفع عنه ما يصيب المدمنين لأكلها من غير وضوء -كالأعراب- من الحقد وقسوة القلب [13]، وقيل غير ذلك.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حرص أصحاب النبي ﷺ على السؤال وتعلُّم أحكام دينهم.
2- الله تعالى أعلم بأسرار شرعه، وإنما علينا الإيمان والعمل بما ثبت عن الله ورسوله، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم[14].
حكم وضوء من غسل جنازة أو حملها:
89- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسَّنه، وقال أحمد: (لا يصح في هذا الباب شيء). [وضعَّفه ابن المديني فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (1/402) والدارقطني في العلل (3/94) وغيرهما، ورجَّح وقفه البخاري في التاريخ الكبير (1/397) وأبو حاتم في العلل (1035)].
1 - ظاهر الأمر في الحديث يفيد وجوب الغسل من غسل الميت، ووجوب الوضوء من حمله، وعامة الفقهاء يقولون بأنه مستحب فقط، وليس بواجب، وهو الراجح[15].
2 - ذهب الحنابلة إلى أن من نواقض الوضوء: غسل الميت، والراجح أنه لا ينقض الوضوء، وهو قول الجمهور ورجَّحه شيخ الإسلام[16].
3 - أجمع العلماء على أنه لا يجب الوضوء من حمل الميت[17].
1 - استدل الفقهاء على صرف الأمر في وجوب الغسل إلى الاستحباب: بقول ابن عمررضي الله عنهما: «كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل»[18].
2 - ذكر العلامة ابن مفلح الحنبلي قاعدة جيدة مفادها: أن الحديث إذا كان فيه ضعف، وكان دالًا على الوجوب بصيغته، أو دالًا على التحريم، فإنه يحمل على الاستحباب في الأمر، وعلى الكراهة في النهي احتياطًا، ولا يُلزَم المسلمون بحكمه وجوبًا أو تحريمًا[19].