حجم الخط:

محتوى الدرس (13)

حكم مس المصحف بغير طهارة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة: 77 - 80]

قال ابن كثير: (وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أَيْ: مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ. قَالُوا: وَلَفْظُ الْآيَةِ خَبَرٌ وَمَعْنَاهَا الطَّلَبُ...)اهـ.

[الأحاديث]

90- عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أَنْ لَا يَمَسَّ اَلْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»، رواه مالك مرسلًا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول. [كتاب عمرو بن حزم أعلَّه أبو داود في المراسيل (96) بالإرسال، وأصله صحَّحه الأئمة ابن معين في التاريخ (647)، والبيهقي في الكبير (8/34)، وغيرهم. قال الشافعي في الرسالة (1163): لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ، وقال أحمد فيما نقله البيهقي في الكبير (8/34) لما سئل عن حديث الصدقات: (أرجو أن يكون صحيحًا)، وقال ابن عبد البر في التمهيد (11/189): إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول].

ترجمة الراوي:

1 - عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، تابعي، ثقة عابد، روى له الجماعة، روى عن أبيه أبي بكر بن محمد وغيره، وروى عنه الزهري ومالك وهشام بن عروة وغيرهم، مات في سنة (135هـ).

2 - عمرو بن حزم: هو عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، صحابي خرج مع وفد نجران يفقههم يعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له رسول الله كتابًا مشهورًا عند أهل العلم؛ عهد إليه فيه، وأمره بأمره، مات سنة اثنتين أو إحدى وخمسين.

الدلالات الفقهية:

1- تحريم مس المصحف إلا على طهارة، وهذا قول الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن تيمية[1]، قال ابن قدامة: (ولا نعلم لهم مخالفًا إلا داود)[2].

2 - قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: 77 -79]، الراجح أن المراد به: الكتاب الذي بأيدي الملائكة، ولكن قرر ابن تيمية أن الآية دليل على أن المصحف لا يمسه المحدِث من باب التنبيه والإشارة؛ أي: إنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر[3].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

تعظيم المصحف وإكرامه، وصيانته عن كلِّ ما لا يليق نابع من التقوى؛ قال الله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ ۖ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

طريقة الاستدلال:

قال العلماء: يحرم من مس المصحف نفس الكتابة وجوانبه وجلده؛ وذلك للقاعدة: (يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا)، فلما كان ذلك الجلد، وتلك الجوانب والبياض تابعة للمصحف أخذت حكمه.

هل يجب الوضوء على من أراد ذكر الله؟

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78].

وقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191].

قال ابن كثير: (أَيْ: لَا يَقْطَعُونَ ذِكْره فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ بِسَرَائِرِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ).

[الأحاديث]

91- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»، رواه مسلم، وعلَّقه البخاري (وصحَّحه).

التوضيح:

- أحيانه: جمع حين، وهو الزمان؛ قلَّ أو كثر، أي: يذكر الله في كل أوقاته.

الدلالات الفقهية:

1 - ذكر الله تعالى بالتسبيح ونحوه لا تُشترط له الطهارة، ولو كان الإنسان جُنبًا، فظاهر الحديث أنه كان يذكر الله تعالى على كل حال من الأحوال، ومن تلك الأحوال: كونه محدثًا حدثًا أصغر أو أكبر.

2 - استحباب كثرة ذكر الله في كل وقت.

3 - ليس في الحديث دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن[4].

4 - يستثنى من عموم هذا الحديث أيضًا الذكر حال البول والغائط والجماع.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - ما كان عليه النبي ﷺ من تألُّه وكثرة ذكر لله تعالى واتصال به في كل وقت وحين.

2- فضيلة الذكر عند الله تعالى، ويُسره على المؤمن في كل وقت وعلى كل حال غالبًا بلا مشقة ولا مؤونة.

3- من مقاصد الشريعة: أن يكون قلب المؤمن حيًّا ولسانه رطبًا بذكر الله تعالى، لئلَّا تستبد به الغفلة؛ ولهذا جاء الأمر به وبالإكثار منه كثيرًا في القرآن والسنَّة.

طريقة الاستدلال:

- صيغة: «كان رسول الله..»: تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل.

يقين الطهارة لا يزول بالشك:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: 94].

أمر الله في الآية بالتبيُّن، والتبيُّن يَطْرَح الشك، فيُستدل بذلك على أن اليقين لا يزول بالشك.

[الأحاديث]

92- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أخَرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» أخرجه مسلم.

93- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» أخرجه البزار، وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد. ولمسلم عن أبي هريرة نحوه. [وهو الحديث المذكور قبله].

94- وللحاكم عن أبي سعيد مرفوعًا: «إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ» وأخرجه ابن حبان بلفظ: «فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ». [وفيه عياض بن هلال: مجهول].

التوضيح:

- إذا وجد: أي: أحس شيئًا كقرقرة في جوفه.

- أشكل عليه: أي: التبس عليه، هل خرج منه ما يوجب الوضوء أم لا.

- مقعدته: المقعدة: مؤخرة الإنسان.

الدلالات الفقهية:

1 - دل حديث الباب على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث، وأخذ به جمهور العلماء، وروي عن مالك النقض مطلقًا، وروي عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها [5].

2 - قوله: «فليقل كذبت» أي: في نفسه لا بلسانه، كما في رواية ابن حبان، لا ينطق بلسانه؛ إذ المصلي غير جائز له أن يقول كذبت نطقًا[6].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

من مقاصد الشريعة: إغلاق باب الوسوسة الذي يدخل منه الشيطان على العبد لإفساد طهارته وصلاته وعبادته، فلا ينبغي للمسلم أن يستسلم للوسواس، فإنه داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا يكاد ينفك عنه، فيقع في الحرج والمشقة، ويواجه عناء في أداء الواجبات؛ لأن الوسواس أكثر ما ينشأ من الشك، ومتى استسلم الإنسان للوساوس وانقاد لها تمادت به وأتعبته، ومتى غَفَلَ عنها ولم يلتفت لها، فإنها تزول وتنتهي بإذن الله تعالى، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى عدم الاستسلام لها بقوله: «فليقل: كذبت»[7].

طريقة الاستدلال:

قاعدة: الحديث دل على قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك)، أو (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وهي من القواعد الشرعية الكبرى.

وجه دلالة الحديث على القاعدة: نصه ﷺ على أن من تيقَّن الوضوء ثم شك في الحدث لا يخرج من الوضوء بهذا الشك حتى يستيقن. قال القرافي: (هذه قاعدة مجمع عليها، وهي أن كل مشكوك فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزم بعدمه) [8].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة