باب آداب قضاء الحاجة
الاستعاذة عند دخول الخلاء وعدم اصطحاب ما فيه ذكر الله تعالى:
قال الله سبحانه: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ [المؤمنون: 97، 98] قال ابن كثير: (أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، لِأَنَّهُمْ لَا تَنْفَعُ مَعَهُمُ الْحِيَلُ، وَلَا يَنْقَادُونَ بِالمَعْرُوفِ...وَقَوْلُهُ: ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ أَيْ: فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي؛ وَلِهَذَا أَمَرَ بِذِكْرِ الله فِي ابْتِدَاءِ الْأُمُورِ -وَذَلِكَ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيَاطِينِ - عِنْدَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَالذَّبْحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ). اهـ
وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، ومن تعظيم شعائر الله عدم اصطحاب ما فيه ذكر الله في مواضع النجاسات.
95- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْـخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» أخرجه الأربعة، وهو معلول. [أعلَّه أبو داود في السنن (19)، والنسائي في الكبرى (9667)، والدارقطني في العلل (6/175)].
96- وعنه قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ اَلْـخَلَاءَ قَالَ: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ اَلخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» أخرجه السبعة.
- إذا دخل الخلاء: أي: إذا أراد دخول الخلاء، والخلاء؛ بفتح الخاء المعجمة والمد: يراد به المكان الـمُعَدُّ لقضاء الحاجة، وسمي خلاء لكون الإنسان يخلو فيه بنفسه عادة.
- أعوذ: أي: أعتصم وألجأ وأستجير.
- الخبُثُ: بضم الخاء والباء، جمع خبيث، وهم ذكور الشياطين، وقيل: الخُبْث: بإسكان الباء: الشَّر.
- الخبائث: جمع خبيثة، وهم إناث الشياطين، وقيل: هم الشياطين مطلقًا، وقيل: هي الذوات الشريرة.
1 - في الحديث الأول دليل على كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله تعالى، واستحباب تنحيته قبل دخول الخلاء، وإنما كان النبي ﷺ يضع خاتمه لأن فيه: (محمد رسول الله) ثلاثة أسطر. وهذا الحكم متفق عليه بين المذاهب الأربعة من حيث الجملة، إلا قولًا في مذهب أحمد[1].
2 - يرى المالكية والحنابلة في المصحف خاصة: أن الدخول به إلى الخلاء حرام في غير حال الضرورة والحاجة[2]، وذلك كأن يخاف عليه أن يُسرق، أو يهان، ولم يجد من يحفظه له حتى يخرج.
3 - في الحديث الثاني دليل على أنه تُسَنُّ الاستعاذة قبل دخول الخلاء بالذكر الوارد، وأما في الصحراء فيقوله في أول تشميره لثيابه، واستحباب هذا الذكر أمر مجمع عليه[3].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - ذكر الله تعالى حصن حصين من الشياطين، وأمان من كل ما يُخاف.
2- في الحديث الثاني دليل على أن الأمكنة النجسة كالحمامات والحشوش والمزابل هي مأوى الشياطين، ولذا شرعت الاستعاذة بالله تعالى منهم؛ من ذكرانهم وإناثهم، أو من الشر كله وأهله؛ فإن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في دفع ما يؤذيهم أو يضرهم[4].
3- مجيء الإسلام بهذه الآداب دليل بيَّن على كمال هذه الشريعة، ورعايتها لمصالح العباد، واستيعابها لجميع الآداب النافعة، سواء في أمور العبادات أو المعاملات أو الآداب أو الأخلاق؛ فما من شيء ينفع الناس ويقربهم إلى الله تعالى إلا بيَّنته ورغَّبَت فيه، وما من شيء يضرُّهم أو يعرِّضهم لسخط الله إلا بينته وحذرت منه[5].
4- في الحديث ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من ضبط أموره عليه أفضل الصلاة والسلام، وأحواله، وأقواله، وأفعاله، وأذكاره، وغير ذلك، رضي الله عنهم أجمعين.
في الحديثين دلالة فعل، وقد سبق أن الفعل المجرد لا يدل إلا على الاستحباب؛ ولهذا قال العلماء باستحباب ما سبق، ولم يقولوا بالوجوب.
استحباب البُعد والاستتار حال قضاء الحاجة:
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [النور: 30]، ومن حفظ الفروج ستر العورات.
97- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قَالَ لِي رسول الله ﷺ: «خُذِ اَلْإِدَاوَةَ». فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. متفق عليه.
98- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَغَوَّطَ اَلرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَحَدَّثَا، فَإِنَّ الله يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ»، رواه ابن السكن وصحَّحه ابن القطان، وهو معلول. [وضعَّفه الألباني في تمام المنة (1/58)].
99- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى اَلْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ»، رواه أبوداود. [وضعَّفه البيهقي في الخلافيات (1/240) وابن حجر في التلخيص الحبير (1/268) وابن عبد البر في التمهيد (7/184)].
- الإداوة؛ بكسر الهمزة: المطهرة.
- توارى: أي: غاب عن عيني، واحتجب بشيء ما.
- فليتوارَ: أي: ليستتر كل واحد عن صاحبه.
- يمقت: المقت: أشد البغض، ويكون عن أمر قبيح.
في الصحيحين عن مغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: «يا مغيرة خذ الإداوة»، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضـى حاجته، وعليه جبة شامية، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه، فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه، ثم صلى.
1 - في حديث المغيرة دليل على استحباب البعد والتواري عن الناس عند قضاء الحاجة لئلا تُرى عورته، أو يُسمع صوته، أو تُشم رائحته؛ قال النووي: (وهذان الأَدَبَان ـ البعد والاستتارـ متفق على استحبابهما)[6].
2 - إذا كان في بنيان يكفيه الدخول في الخلاء الـمُعَدِّ، مع الحرص على الاستتار.
3 - فيه دليل على وجوب ستر العورة.
4 - في حديث جابر -إن صح- النهي عن التحدث حال قضاء الحاجة والأصل فيه التحريم، وتعليله بمقت الله عليه، أي شدة بغضه لفاعل ذلك زيادة في بيان التحريم. لكن جمهور أهل العلم على أنه مكروه [7].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
كمال الدين الإسلامي في شمول آدابه لجميع مناحي الحياة لدى الفرد والمجتمع.
حمل الجمهور حديث جابر على الكراهة، وصرفوا النهي عن التحريم لأن المقت ترتب على أكثر من عمل فلا يلزم أن يكون الكلام وحده حرامًا، وقد وقع الإجماع على عدم تحريم الكلام أثناء قضاء الحاجة فدل على أن حكمه الكراهة[8].
وقيل: لعل الصارف له عن التحريم ما تقدم عن ابن مفلح رحمه الله من أن النهي إذا ورد في حديث متكلَّم فيه، فإنه يحمل على الكراهة[9].
تحريم قضاء الحاجة في منافع الناس:
قال الله تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ٢٢ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد: 22، 23]، وقضاء الحاجة في منافع الناس من الفساد في الأرض.
100- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اِتَّقُوا اَللاَّعِنَينِ: اَلَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ اَلنَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ»، رواه مسلم.
101- وعن معاذ مرفوعًا: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل»، رواه أبو داود. [أعلَّه بالانقطاع: أبو داود في السنن (26)، والمزي في تحفة الاشراف (11370)، وضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والايهام (3/41)].
102- ولأحمد عن ابن عباس: «أَوْ نَقْعِ مَاءٍ»، وفيهما ضعف.
103- وأخرج الطبراني اَلنَّهْيَ عَن قَضَاء الحَاجةِ تَحْتِ اَلْأَشْجَارِ الْـمُثْمِرَةِ، وَضَفَّةِ اَلنَّهْرِ الْـجَارِي، من حديث ابن عمر بسند ضعيف.
معاذ ابن جبل: هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري، شهد العقبة الثانية، وغزوة بدر وما بعدها، بعثه النبي ﷺ إلى اليمن داعيًا ومعلمًا وقاضيًا، وودَّعه ودعا له، وولاه عمر على الشام بعد أبي عبيدة، ومات من عامه في طاعون عمواس، سنة (18هـ).
- اتقوا اللاعنَيْن - بالتثنية-: الأمرين الجالبين للَّعن، أو الملعون فاعلَّهما.
- يتخلَّى: يقضي حاجته.
- ظلهم: الأماكن التي يجلس فيها الناس ويستظلونها.
- الموارد: جمع مورد، وهو موضع الماء الذي يَرِدُهُ الناس.
- نقع ماء: أي: مجتمع الماء.
- ضَفَّة نهر: أي: جانب النهر.
1- الذي تحصَّل من هذه الأحاديث النهي عن التخلّي في ستة مواضع[10]،وهي:
طريق الناس، والظل، والموارد، ونقع الماء، والأشجار المثمرة، وجانب النهر.
2 - يُنهى عن التخلي في طريق الناس، وقارعة الطريق، والمراد ما يطرقه الناس ويمشون فيه، أما الطريق المهجورة فيجوز التخلي فيها عند الحاجة.
3 - وينهى عن التخلي فيما يستظل به الناس من شجرة أو جدار أو جبل ونحوها مما ينتفع به، ويلحق بالظل متشمَّس الناس في الشتاء، وكذا الأماكن التي يتردد إليها الناس، كالمنتزهات والحدائق، وأماكن الاستراحة التي قد توجد على بعض الطرق الطويلة، أما ما لا ينتفع به ولا يجلس فيه فيجوز التخلي فيه.
4 - وينهى عن التخلي في موارد المياه التي يردها الناس للشرب؛ كالساقية والآبار، ويلحق بذلك محلات الوضوء التي لم تعدَّ لقضاء الحاجة.
5 - وينهى عن التخلي في نقع الماء، ويشمل ذلك ما إذا تخلَّى فيه أو حوله؛ لأنه إن تخلى فيه أفسده على غيره، وإن تخلى حوله قريبًا منه تأذى بذلك من يَرِدُ عليه.
6 - وينهى عن التخلي تحت الأشجار المثمرة، لئلا تسقط الثمرة على ما خرج منه فتتنجس به، أو يتنجس من أراد أخذ ما فيها، فإن كانت غير مثمرة، أو مثمرة ولا يؤخذ ثمرها جاز التخلي تحتها إذا لم تكن ظلًا لمن يستظل بها.
7 - وينهى عن التخلي على جوانب الأنهار وشواطئ البحار[11].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من مقاصد الشريعة: الحث على كل ما يزيد أُلفة الناس ويقوي أواصرهم.
2 - غرس فضيلة الإحسان لدى المسلم والأمر بالكف عما يؤذي الناس؛ وقد دخل رجل الجنة بغصن شجرة أزاحه عن طريق الناس.
3 - النهي عن التخلي في الأماكن العامة؛ لما في ذلك من أذية الناس بالتنجيس والاستقذار والنتن، والتسبب في نشر الأمراض، وهو مظهر سيئ مُنافٍ لتعاليم الإسلام الداعية إلى النظافة.
حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة:
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ ذَٰلِكَ ۖ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]
104- عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، أخرجه السبعة.
105- وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: «رقيتُ يومًا على بيت حفصة، فرأَيتُ النبي ﷺ يقضـي حاجته مُستقبل الشَّام، مُستدبِرَ الكعبة» متفق عليه.
أبو أيوب: هو خالد بن زيد الأنصاري النجاري، عليه نَزَلَ رَسُول الله ﷺ لما قدم المدينة، فبقي في داره شهرًا حَتَّى بنيت حُجَرُه ومسجده، شهد العقبة وبدر والمشاهد كلها، ولازم الغزو فلم يتخلف عن غزوة إلا وهو في أخرى، حتى توفي في غزوة القسطنطينية من بلاد الروم، سنة (52هـ).
- رقيت: صعدت.
- شرقوا أو غربوا: ليس عاما لجميع أهل الأرض، بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سمتها.
1 - حديث أبي أيوب فيه دليل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها حال البول والغائط في البنيان وفي الفضاء، وبه قال الحنفية، وابن حزم، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن تيمية وابن القيم، والشوكاني[12].
2 - في حديث ابن عمر دليل على جواز استدبار الكعبة عند قضاء الحاجة في البنيان، ويقاس عليه الاستقبال؛ ففيه تخصيص لعموم حديث أبي أيوب السابق، وبه استدل الجمهور على التفريق بين الفضاء والبنيان.
3 - اختلفوا في الحكمة من هذا النهي من حيث المعنى، والظاهر: أنه لإظهار الاحترام والتعظيم للقبلة؛ لأنه معنى مناسب ورد الحكم على وفقه[13].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - تعظيم شعائر الله، ومنها الكعبة المشـرفة -بيت الله وقبلة المسلمين- بتجنب كل ما قد ينقص من قدرها، أو يمس مقامها.
2- حسن تعليم النبي ﷺ؛ فإنه لما بين الجهة المحرَّمة في الاستقبال والاستدبار، علَّمهم مخرجًا مباحًا، فلم يسد عليهم الباب ويتركهم، ولكنه أرشدهم إلى الطريق المباحة، وله ﷺ مثل هذا في قضايا كثيرة، مثل إرشاده جابي التمر من خيبر بقوله: «بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا»، وهذا المنهج الحكيم في الفتوى هو الذي يتعين على المفتين أن يسلكوه؛ لئلا يقع الناس في الحرج والضيق في شريعة وسَّعها الله عليهم، ولئلا يكون إيصاد الباب عليهم سببا لإقدامهم على الحرام[14].
إذا تعارض دليلان وكان أحدهما خاصًّا، خُصِّص به عموم النص؛ دفعًا للتعارض وجمعًا بين الأدلة؛ ومنه تخصيص النهي الوارد في حديث أبي أيوب عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط، بحديث ابن عمر الدال على جواز استدبار القبلة عند قضاء الحاجة داخل البنيان.