حجم الخط:

محتوى الدرس (15)

كيفية قضاء الحاجة والاستنجاء بعدها:

[تمهيد]

قال الله سبحانه: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: 4] فتطهير الثياب يلزم منه تطهير الجسد حتى يبقى الثوب الملبوس طاهرًا.

قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور: 30] ومن حفظ الفروج ستر العورات.

وقال تعالى: ﴿ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: 6].

ولا يكون التطهير بإزالة النجاسة بمثلها، ولا بما لا يطهِّر، ولا بمحترَم؛ لمنافاته الشكر الوارد في الآية.

وقال الله تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108] وقد جاء من غير وجه أن سبب نزول الآية أن الأنصار كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية[1].

[الأحاديث]

106- عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: «عَلَّمْنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي اَلْـخَلَاءِ: أَنَّ نَقْعُدَ عَلَى اَلْيُسْـرَى، وَنَنْصِبَ اَلْيُمْنَى»، رواه البيهقي بسند ضعيف.

107- وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ اَلْـخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي اَلْإِنَاءِ» متفق عليه، واللفظ لمسلم.

108- وعنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ اَلْـخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْـمَاءِ»، متفق عليه.

109- وعن سلمان رضي الله عنه قال: «لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ»، رواه مسلم.

110- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أَتَى اَلنَّبِيُّ ﷺ اَلْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا. فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ. فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى اَلرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» أخرجه البخاري. وزاد أحمد والدراقطني: «ائْتِنِي بِغَيْرِهَا». [قال ابن الملقن في البدر المنير (2/362): (هي منقطعة فيما بين أبي إسحاق وعلقمة؛ فإنه لم يسمع منه شيئا بإقراره على نفسه بذلك)].

111- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ»، رواه الدارقطني وصحَّحه. [ضعَّفه ابن عدي في الكامل (5/385)، وقال الذهبي في تنقيح التحقيق (1/42): (ابن كاسب ذو مناكير، وسلمة ضعَّفه النسائي، ومشَّاه غيره)].

112- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «من استجمر فليوتر» متفق عليه.

113- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين، فقال: «إنهما ليُعَذَّبان، وما يعذبانِ في كبيرٍ، أَمَّا أَحدهما فكان لا يستترُ من البول، وأَما الآخَرُ فكان يمشي بالنميمة»، فأَخذ جريدةً رطبةً، فشقها نصفين، فغرز في كل قبرٍ واحدةً، فقالوا: يا رسول الله، لِمَ فعلت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا»، متفق عليه.

114- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اِسْتَنْزِهُوا مِنْ اَلْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْهُ»، رواه الدارقطني. [وقال في السنن (1/232): الصواب مرسل، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (7257): منكر] وللحاكم: «أَكْثَرُ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْ اَلْبَوْلِ»، وهو صحيح الإسناد. [أعلَّ رفعه أبو حاتم في العلل (1081)، والدارقطني في العلل (4/164)، وغيرهم].

115- وعن عيسى بن يزداد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»، رواه ابن ماجه بسند ضعيف. [ونقل النووي في المجموع (2/92) الاتفاق على تضعيفه].

116- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ سأل أهل قباء فقال: «إن الله يثني عليكم»، فقالوا: إِنَّا نُتْبِعُ اَلْحِجَارَةَ اَلْـمَاءَ، رواه البزار بسند ضعيف، وأصله في أبي داود والترمذي، وصحَّحه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة بدون ذكر الحجارة. [وضعَّفه النووي في المجموع (2/99)، وابن حجر في التلخيص (1/123)].

ترجمة الرواة:

1 - سراقة بن مالك: هو أبو سفيان سراقة بن مالك بن جُعشم، كان شاعرًا مجوِّدًا، وفَّى بوعده لرسول الله ﷺ، فعمَّى عنه الطلب يوم الهجرة. أسلم يوم الفتح، وتوفي في خلافة عثمان سنة (24هـ).

2 - سلمان: هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، مولى رسول الله ، وهو الذي أشار بحفر الخندق، وكان خيِّرًا فاضلًا حبرًا عالمًا زاهدًا متقشفًا، وكان يأكل من عمل يده، فكان يعمل الخوص بيده، ويتصدق بعطائه، مات بالمدينة في آخر خلافة عثمان سنة (35هـ).

3 - عبد الله بن مسعود: هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهُذَلي، كان سادس رجل في الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وهو صاحب نعل رسول الله ، كان كثير الولوج على النبي وقال له رسول الله : «إذنك علىَّ أن ترفع الحجاب، وأن تسمع سوادى حتى أنهاك»، والسواد: السرار، كان من أقرب الناس سمتًا وهديًا ودلًّا بالنبي ، شديد الخوف والبكاء من خشية الله متواضعًا، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا، توفي سنة (32هـ).

4 - يزداد الفارسي اليماني: لا تصح له صحبة.

التوضيح:

1 - يتمسح: أي: يستنجي، أو يستجمر.

2 - نحوي: أي: مقارب لي في السن.

3 - إداوة: إناء صغير من جلد.

4- عنَزة؛ بفتح العين والنون: عصا أطول من الحربة وأقصر من الرمح في رأسها حديدة، يقال لها: زجٌّ.

5 - الرجيع: روث ذي الحافر.

6 - روثة: الروث مختص بما يخرج من الخيل والبغال والحمير.

7 - ركس: نجس، وسمي الخارج ركسًا؛ لأنه رجع من حالة الطعام إلى حالة الروث.

8- استجمر: استعمل الحجارة في مسح البول والغائط.

9 - فليوتر: أي: لِيُنْهِ استجماره على وتر، ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر.

10 - ما يعذبان في كبير: أي: بسبب ذنب كبيرٌ تَرْكُه عليهما، بل هو سهل عليهما.

11 - لا يستتر من البول: أي: لا يجعل لنفسه سترة تقيه من بوله.

12- النميمة: نقل كلام الغير على وجه الإفساد والإضرار.

13- عامَّة: أي: أكثر.

14- فلينتر: أي: لينفض ذكره؛ لاستخراج ما بقي في القصبة.

الدلالات الفقهية:

1- دل حديث سراقة بن مالك على استحباب نصب الرجل اليمنى، والتحامل على الرجل اليسـرى أثناء قضاء الحاجة، والحديث ضعيف، ولكن ذكر بعض الأطباء أن هذه الهيئة تسهل خروج الخارج، والقول باستحباب هذه الهيئة هو قول فقهاء المذاهب الأربعة[2].

2 - وفي حديث أبي قتادة النهي عن مس الذكر باليمين حال البول، وقد حمل جمهور العلماء هذا النهي على الكراهة وذهب الظاهرية إلى أن النهي للتحريم[3].

3 - النهي عن مس الذكر باليمين مقيد بحالة البول، فيكون ما عداه مباحًا[4].

4 - وفيه: النهي عن الاستنجاء باليمين، سواء بالماء أو بالأحجار، والجمهور على أن النهي للكراهة والتنزيه، وذهب الظاهرية إلى التحريم كالخلاف السابق[5].

5 - وفيه: النهي عن التنفس في الإناء، وإنما يتنفس خارجه؛ فإن ذلك سنة ثابتة، وأدب شرعي؛ لأن في التنفس في الإناء ثلاثة محاذير:

الأول: أن التنفس في الإناء يقذر الشراب على من بعده؛ لأنه ربما وقع فيه أثناء النفس شيء من الفم أو الأنف.

الثاني: أن النفَس ربما حمل أمراضًا يتلوث بها الإناء.

الثالث: أنه يخشى عليه من الشَّرَقِ؛ لأن الماء نازل، والنفس صاعد، فيكون التقاؤهما سببًا في شرق الإنسان وتساقط اللعاب في الإناء، وكل ذلك مُنافٍ للأدب.

والسنة للإنسان إذا شرب ألا يشرب في نَفَسٍ واحد، بل يشرب في نفسين أو ثلاثة مع فصل القدح عن فيه؛ لأن ذلك أخف على المعدة، وأنفع لريّه، وأحسن في الأدب، وأبعد من فعل أرباب الشَّرَه. وكذا ورد النهي عن النفخ في الإناء، وهو أشدُّ[6].

6 - وفي حديث أنس دليل على الاستتار عند قضاء الحاجة بالبعد عن أعين الناس، ويكون ذلك أيضًا بإغلاق باب الكنيف.

7 - وفيه: جواز الاقتصار على الاستنجاء بالماء، ولا يشترط الجمع بينه وبين الحجارة، وهو قول الأئمة الأربعة [7]، والجمع بينهما أفضل.

8 - وفيه: مشروعية خدمة أهل العلم والفضل.

9 - جواز استخدام الصغار، وإن كانوا أحرارًا.

10 - مشروعية السترة في الصلاة، قال النووي: (وإنما كان يستصحب النبي العنزة لأنه كان إذا توضأ صلى، فيحتاج إلى نصبها بين يديه لتكون حائلًا يصلي إليه)[8].

11- وفي حديث سلمان النهي عن استقبال القبلة أثناء الغائط أو البول، وظاهر الحديث أن النهي يشمل الفضاء والبنيان، وقد سبق بيان ذلك[9].

12- وفيه أيضًا النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار منقية، فإن لم تنقي المحل، زاد حتى ينقي، والسنة أن يقطع ذلك على وتر، فإذا أنقى بأربع زاد مسحة خامسة، من أجل أن ينتهي على وتر، وهكذا.

13- الجمهور على أنه لا تتعين الأحجار في الاستنجاء، بل يجزئ غيرها مما يقوم مقامها في الإنقاء، كالخِرَق، والمناديل، أو الأخشاب، ونحو ذلك[10].

14- نص الشافعية والحنابلة على أن المراد بالأحجار الثلاثة، ثلاث مسحات، فلا يلزم ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف فمسح بكل حرف مسحة أجزأه[11].

15- النهي عن الاستنجاء بالعظم والرجيع، لأن العظم إذا كان من حيوان مُذكَّى فهو طعام الجن، وإن كان عظم ميتة فهو نجس، فلا يكون مطهِّرًا، وكذلك الروث والرجيع؛ إن كان طاهرًا فهو علف لدواب الجن، وإن كان نجسًا لا يكون مطهِّرًا.

16- ودلَّ حديث ابن مسعود على جواز الاستجمار بكل ما قام مقام الحجر من كل طاهر جامد قالع للنجاسة غير محترم ولا مطعوم، وقد سبق.

17- وفيه جواز الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار إذا حصل الإنقاء[12]، وهو قول الحنفية والمالكية.

18- في حديث ابن عباس الأول إثبات عذاب القبر، وعليه اتفاق أهل السنة، بل أكثر الأمة[13]، والأحاديث فيه متواترة [14].

19- وفيه: تحريم النميمة بين الناس، وأنها من أسباب عذاب القبر، والنميمة كبيرة من الكبائر ومحرمة بالكتاب والسنة والإجماع.

20 - وفي حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة الذي يليه دليل على وجوب تنزُّه الإنسان من بوله، وأن التساهل في ذلك كبيرة متوعَّد عليها بالعذاب، وقد قال ﷺ: «وإنه لكبير»، ويتحقق التنزه منه بأمرين:

الأول: بالتخلص منه وإزالة أثره من بدنه أو ثوبه أو مكان صلاته إن وقع في شيء من ذلك.

والثاني: بتجنُّبه ابتداءً؛ فلا يبول في مكان صلب يرد عليه البول، ولا في اتجاه الريح، ونحوه.

21 - ودلَّ حديث يزداد الفارسي على استحباب النتر ثلاث مرات بعد البول لإخراج بقية البول من الذكر زيادة في الإنقاء، وبه قال الشافعية والحنابلة[15].

والصحيح أنه لا يستحب، قاله ابن تيمية[16]؛ لأن الحديث المروي في ذلك ضعيف، ولأن نتر الذكر يسبب درَّ البول وتتابعه، والإنسان بهذا الفعل يَجُرُّ على نفسه بلاءً بالسلس والوسوسة وطول بقائه على حاجته، قال ابن القيم: (قال شيخنا: والبول كاللبن في الضرع، إن تركته قَرَّ، وإن حلبته درَّ) [17].

22 - إن وجد من الناس من قد يخرج منه شيء بعد البول إذا لم يتحرك أو يمشي خطوات أو ينتر ذكره، فلا حرج عليه أن يفعل ذلك حتى يغلب على ظنه أنه لم يبق في مجرى البول شيء، بشرط أن يتيقن خروج شيء عن طريق التجربة، فإن كان مجرد وَهْمٍ أو وسواس فلا عبرة به، ولا ينبغي الالتفات إليه [18].

23 - ودلَّ حديث ابن عباس الثاني على أن السنة أن يُجمع بين الاستجمار بالأحجار ونحوها، وبين الاستنجاء بالماء، وهو قول جمهور العلماء[19]، وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالاستنجاء بالماء أفضل، عند المذاهب الأربعة [20]، لأنه أبلغ في إزالة الأثر، ثم يليه آخرًا: الاستجمار مجردًا، وهو أدنى المراتب.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - فضل أنس رضي الله عنه وأدبه وخدمته للنبي ﷺ.

2 - من كمال الدين الإسلامي: الإحسان إلى الجن بعدم استعمال طعامهم وطعام دوابهم في الاستجمار.

3- ينبغي على المسلم أن يكون نظيفًا طاهرًا يسعى في تنزيه نفسه من النجاسات والأوساخ الحسية والمعنوية.

4 - أفاد حديث ابن عباس في عذاب القبر لمن لا يتنزه من بوله وحديث أبي هريرة الذي يليه، أفادا: أهمية محاسبة النفس ومراقبة الله تعالى واجتناب ما يوجب سخطه وعذابه.

5 - الإيمان بعذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة قاطبة كما تقدم.

طريقة الاستدلال:

1 - في حديث أبي قتادة قوله: «لا يُمْسِكَنَّ»: لا ناهية، «أحدكم»: نكرة جاءت في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تدل على العموم.

2 - الأصل في النهي التحريم، والأرجح أن النهي الوارد في حديث أبي قتادة للكراهة، وهو قول الجمهور، والقرينة الصارفة للنهي من التحريم أنه نهي تأديب وإرشاد [21]؛ وذلك لوجهين:

الأول: لأنه من باب التوجيه والإرشاد والتأديب؛ لتنزيه اليمين وتكريمها، ومثل هذا لا يبلغ النهي فيه إلى التحريم.

والثاني: عموم حديث طلق من قوله ﷺ: «وهل هو إلا بضعة منك» أي: الذكر، فالأصل جواز مسه، وتُنزَّه اليمين عن ذلك كما تُنزَّه عن سائر المستقذرات.

3 - الغرض من استخدام الحجارة: التطهير؛ فهي عبادة معقولة المعنى، ولهذا جاز التطهر بغير الحجارة مما يقوم مقامها عند الجمهور، وإنما وقع النص على الأحجار لكونها الغالب في ذلك الزمان. كما أن في تخصيص النهي بالرجيع والعظم دليلا على أنه أراد غيرها مما يقوم مقامها، كالحجر، والخِرَق، والخشب، بشـرط ألا تكون مطعومًا ولا محترمًا، وأن تكون مزيلة للنجاسة، طاهرة، غير ملساء.

استحباب الاستغفار عقب الخروج من الخلاء:

[تمهيد]

ختم الله تعالى آية الطهارة في سورة النساء بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: 43] وفي ذلك إشارة إلى أن على المسلم أن يستغفر عند الفراغ من الغائط ونحوه.

[الأحاديث]

117- عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ اَلْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ»، أخرجه الخمسة، وصحَّحه أبو حاتم والحاكم. [قال أبو حاتم في العلل (93): أصح حديث في هذا الباب، وحسَّنه الترمذي في السنن (7)، وصحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (90) وابن حبان في الصحيح (1444) وغيرهم].

التوضيح:

- غفرانك: أي: أسألك غفرانك، والمغفرة هي: الستر والتجاوز مع الوقاية.

الدلالات الفقهية:

في حديث عائشة دليل على استحباب قول: «غفرانك» بعد خروجه من مكان قضاء الحاجة، ونص على استحبابه الجمهور[22].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- الحكمة من هذا الدعاء: أن القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله عليها من تسويغ الطعام والشراب وترتيب الغذاء على الوجه المناسب لمصلحة البدن إلى أوان الخروج، فكان الاستغفار اعترافًا بالقصور عن بلوغ حق تلك النعم[23].

2- أشار ابن القيم إلى فائدة أخرى، فقال: (وفي هذا من السر -والله أعلم- أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأله أن يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه) [24].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة