باب الغسل
وحكم الجُنُب
جواز تأخير الغسل من الجنابة وأنها ليست نجاسة:
قال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ﴾ [البقرة: 187]. قال أبو زرعة العراقي: (فإنه يعلم من دلالة الآية على جواز ذلك [أي الجماع] إلى طلوع الفجر جواز صوم الجنب؛ فإنه متى استمر إلى الفجر كان جنبًا في جزء من النهار، وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي من أئمة التابعين)[1].
118- عن أَبي هريرة رضي الله عنه رضي الله عنهأَنَّ النبي ﷺ لقيهُ في بعض طُرُق المدينة وهو جنبٌ، قال: فانخنَستُ منه، فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: «أَين كنت يا أبا هريرة؟» قال: كنت جُنبًا فكرهت أَن أُجالِسك على غير طهارة، فقال: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس» متفق عليه.
- انخنستُ: من الخنوس، وهو التأخر والاختفاء والتستر.
1 - هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيًّا وميتًا، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، والصحيح أنه طاهر لعموم الحديث[2].
2 - الكافر حكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم عند الجماهير من السلف والخلف، وأما قول الله عز وجل: ﴿ ﭐ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [التوبة: 28]، فالمراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار[3].
3- جواز تأخير غسل الجنابة عن أول وقت وجوبه، وأن له أن ينصرف في حوائجه وأموره قبل الاغتسال.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - احترام أهل العلم والفضل وتوقير مجالسهم، حتى يكون المسلم معهم على أكمل الهيئات وأحسن الصفات [4].
2 - من الآداب أن العالم اذا رأى مِن تابِعِه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب؛ سأله عنه، وقال له صوابه، وبين له حكمه[5].
3 - استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه؛ لقوله ﷺ لأبي هريرة: «أين كنت؟».
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ﴾ [النساء: 43].
الجُنب اسم يقع على الذي يجب عليه الغسل بمجاوزة ختان أو بنزول مني بشهوة.
119- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اَلْـمَاءُ مِنْ اَلْـمَاءِ» رواه مسلم، وأصله في البخاري.
120- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا اَلْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ اَلْغُسْلُ» متفق عليه، وزاد مسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».
121- وعن أنس بن مالك أن أم سليم سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منـامها ما يرى الرجل؟ فقال ﷺ: «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل»، فقالت: واستحييت من ذلك، قالت: وهل يكون هذا؟ قال: «نعم، فمن أين يكون الشَّبه، إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه» رواه مسلم[6].
- الماء من الماء: الماء الأول: ماء الاغتسال، والثاني: يراد به المني.
- شُعَبها الأربع: فيه أقوال: أحدها أن شعبها الأربع يداها ورجلاها، وهو كناية عن الجماع.
- جهدها: أي: بلغ منه الجهد في الإيلاج، أو بلغ مشقتها، ويتحقق بتغييب الحشفة في الفرج.
- رأت ذلك: أي: رأت أثر ذلك - وهو المني- بعد الاستيقاظ.
- الشبه: أي: شبه الولد بأحد والديه.
1 - دل حديث أبي سعيد على أن الاغتسال يجب بنزول الماء، ودلَّ بمفهومه أنه إن جامع ولم يُنزل فلا غسل عليه.
2 - دل حديث أبي هريرة على وجوب الغسل من الجماع على الرجل والمرأة، سواء حصل إنزالٌ أو لا.
3 - حكى النووي وغيره انعقاد الإجماع على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يكن معه إنزال، وأجاب عن حديث: «الماء من الماء» بجوابين: أحدهما: أنه ثبت عن ابن عباس بيان اختصاصه بالرؤية، وأن معناه: لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل. والجواب الثاني: أنه منسوخ، ودليل النسخ أن الصحابة اختلفوا في ذلك، فأرسلوا إلى عائشة رضي الله عنها ، فأخبرتهم أن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع وجهدها وجب الغسل»، فرجع إلى قولها من خالف[7].
4 - وفي حديث أنس دليل على أن إنزال الماء في حالة النوم موجب للغسل، كإنزاله في حالة اليقظة، وأن المرأة تحتلم في المنام كما يحتلم الرجل.
5 - جواز استفتاء النساء الرجال، حتى مما ييستحيى منه عادة.
6 - حديث أنس أصل عظيم في بيان صفة المني في حال الصحة.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
ينبغي للإنسان أن يسأل عما يحتاج إليه حتى في الأمور التي يستحيى منها، ولا ينبغي أن يمنعه الحياء عن السؤال عن الحق، لكن يقدم ما يمهد عذره أو يوكِّل غيره.
1- حديث أبي سعيد: «الماء من الماء» يدل بمفهومه على أن من جامع ولم ينزل فلا غسل عليه، ولكن حديث أبي هريرة دل بمنطوقه على وجوب الغسل على كل من جامع؛ سواء أنزل أم لم ينزل؛ فتقدم دلالة المنطوق على دلالة المفهوم.
2- في بعض روايات حديث أبي سعيد: «إنما الماء من الماء»، وهي تدل على أن الاغتسال مقصور على الإنزال، ولكن جاء ما يبين أن ذلك كان رخصة في أول الإسلام ثم نسخ، فقد روى أبو داود عن أبي بن كعب: «أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغُسْل ونهى عن ذلك» قال أبو داود: (يعني: الماء من الماء)، وفي رواية عنه: «أن الفتيا التي كانوا يفتون: إن الماء من الماء؛ كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعدُ»[8].
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ [المائدة: 6]، وقال الله تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ﴾ [الأنفال: 11]، وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31]، قال ابن كثير: (وَلِهَذِهِ الْآيَةِ، وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا مِنَ السُّنَّةِ، يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَلَا سِيَّمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْعِيدِ، وَالطِّيبُ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ، وَالسِّوَاكُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ، وَمِنْ أَفْضَلِ الثِّيَابِ الْبَيَاضُ). اهـ. وإذا شُرع الغسل لشعيرة من الإسلام كالعيد والجمعة فالغُسل للدخول في الإسلام قد يُستحسن من باب أولى؛ لإزالة رجز الشيطان. والله أعلم.
122- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رسول الله ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ اَلْـجنَابَةِ، وَيَوْمَ اَلْـجمُعَةِ، وَمِنْ اَلْحِجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ اَلْـمَيِّتِ» رواه أبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة. [وضعَّفه البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (ص:143)، وأبو زرعة في العلل (113)، وأبو داود فيما نقله المزي في تحفة الأشراف (16193)، والدارقطني في السنن (1/202)، وغيرهم].
123- وعن أبي هريرة رضي الله عنه فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَم: وَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. رواه عبد الرزاق، وأصله متفق عليه. [رواية معلولة وليس في الصحيحين الأمر بالاغتسال، وإنما فيهما أنه انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل][9].
124- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «غُسْلُ اَلْـجمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»، متفق عليه.
125- وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ اَلْـجمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اِغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ»، رواه الخمسة، وحسَّنه الترمذي. [أعلَّه بالإرسال البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (ص:87)، وقال ابن حجر في فتح الباري (2/362): (وله علتان إحداهما أنه من عنعنة الحسن، والأخرى أنه اختلف عليه فيه)].
سمرة: هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري؛ حليف الأنصار، سكن البصـرة، وكان عظيم الأمانة، صدوق الحديث، توفي سنة (58هـ).
- محتلم: المحتلم هو من بلغ سن الاحتلام، والمراد به البلوغ.
- فبها ونعمت: أي: فمن توضأ فبالرخصة أخذ، ونعمت الرخصة.
1 - في حديث عائشة دليل على مشروعية الاغتسال من هذه الأمور الأربعة: الأول: الجنابة، والاغتسال منها واجب بالإجماع[10]. والثاني: يوم الجمعة، والغسل فيه مشـروع بالإجماع[11]، واختلفوا في وجوبه. والثالث: الحجامة، و ليس سنة عند جمهور العلماء[12]. والرابع: من تغسيل الميت، وعامة الفقهاء يقولون باستحبابه[13]، وقد سبق الكلام عليه.
2 - حديث عائشة ضعيف، لكن دلَّت أدلة أخرى على جميع ما فيه عدا الغسل من الحجامة.
3 - في حديث ثمامة دليل على وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم، وهو مذهب المالكية، والحنابلة[14]، وذهب الحنفية والشافعية إلى استحبابه إذا أسلم وهو غير جنب، وإذا أسلم الكافر وهو جنب وجب عليه الغسل؛ لبقاء صفة الجنابة فيما قبل الإسلام إلى ما بعده[15]، جمعًا بين الأدلة.
4 - علة إيجاب الغسل على من أسلم عند القائلين بالوجوب: أن الكافر لا يَسلم غالبًا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة، كالنوم، بينما اعتبر الحنفية والشافعية حقيقة الجنابة، لا المظنة.
5 - ظاهر حديث أبي سعيد دليل على وجوب الغسل يوم الجمعة، وهو قول طائفة من السلف، وبه قال أهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد[16]، وأكثر العلماء على أنه مستحب، بل حكي إجماعًا، والوجوب الوارد في الحديث أي: وجوب السنن؛ لأن الوجوب نوعان: وجوب حتم، ووجوب سنة وفضل[17].
6 - وفيه: أن غسل الجمعة وإن كان مشروعًا للصلاة، فإنه لا تتأكد مشروعيته على الصغار غير البالغين، وإن أتوا إلى الجمعة.
7 - في حديث سمرة دليل على أن الغسل يوم الجمعة مستحب، وليس بواجب، وهو قول جماهير الفقهاء من السلف والخلف، بل حُكي إجماعًا[18].
8 - توسط شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم الاغتسال، فقال: هو واجب على من له عرق، أو ريح يتأذى به الناس، وهو رواية عن أحمد[19].
9 - الأحوط للمسلم ألا يدع الغسل يوم الجمعة متى تهيَّأت أسبابه، فإن الأحاديث اتفقت على فضله والترغيب فيه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - رقي الشريعة الإسلامية في الحث على الآداب، وحرصها على الطهارة والابتعاد عن كل ما يؤذي الناس، لا سيما في التجمعات العامة؛ كالجمعة ونحوها.
2 - سماحة الشريعة ويُسرها ومراعاتها لأحوال الناس، فمن لم يتمكن من الاغتسال أجزأه الوضوء.
3- قيل في الحكمة من الغسل من الحجامة: أنها تضعف البدن بخروج الدم الذي هو قوة الإنسان، فيكسل ويتعب وتضعف قوته، فإذا اغتسل عاد إليه نشاطه، وقيل: إنما هو لإماطة الأذى، ولما لا يُؤمَن أن يكون قد أصاب المحتجم من رشاش الدم[20].
1 - استدل المالكية، والحنابلة على وجوب اغتسال الكافر عند الإسلام بأمره ﷺ لثمامة بالغسل، والأمر محمول على الوجوب، كما أن النبي ﷺ لم يستفصل ثمامة عن حاله هل أجنب حال كفره أم لا، والقاعدة الأصولية: أن ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
2 - الراجح أن الغسل للإسلام ليس واجبًا، فقد أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، ولو أمرهم لكان هذا مما تتوفر الهمم على نقله، ولو كان واجبًا لما خُصَّ بالأمر به بعضٌ دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصـرف الأمر إلى الندب.
ولأن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن، فصَّل له كيف يدعوهم، وليس من ذلك الغسل، ولو كان الغسل واجبًا لأمرهم به؛ لأنه أول واجبات الإسلام[21].
3 - استدل الجمهور على أن الغسل يوم الجمعة مستحب، وليس بواجب بحديث سمرة، فظاهره عدم وجوب الغسل، كما استدلوا أيضًا بالعلة التي شرع من أجلها الغسل، وقد بيّنها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان الناس ينتابون إلى الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العِباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتـى رسول الله ﷺ إنسان، منهم ـ وهو عندي ـ فقال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا». وهذا الحديث يقوي ما ذهب إليه ابن تيمية.
4 - لفظ (الواجب) ليس نصًّا في الإلزام بالشيء والعقـاب على تركه، بل قد يـراد به ذلك -وهو الأكثر- وقد يراد به تأكد الاستحباب والطلب[22].