حجم الخط:

محتوى الدرس (17)

أحوال يشرع فيها الوضوء بعد الجنابة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا [النساء: 43]، يُفهم من النهي عن الصلاة لمن كان جنبًا أنه في غير الصلاة مسكوت عنه، وقد ثبت في السنة مشروعية الوضوء للجنب إذا أراد النوم، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44].

[الأحاديث]

126- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا»، رواه مسلم، وزاد الحاكم: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ». [زيادة شاذة].

127- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً» أخرجه الأربعة، وهو معلول. [أعلَّه شعبة فيما نقله ابن أبي حاتم في العلل (115)، وأحمد فيما نقله ابن دقيق في الإمام (3/90)، ومسلم في التمييز (40)، وغيرهم].

128- وعن ابن عمر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب»، متفق عليه.

التوضيح:

- يعود: أي: يرجع إلى الجماع مرةً ثانية.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي سعيد دليل على استحباب الوضوء لمن جامع أهله ثم أراد أن يعود إلى الجماع مرةً ثانية، وهو قول الجمهور، خلافًا لبعض الظاهرية، وبعض المالكية الذين ذهبوا إلى وجوب ذلك.

2 - وفيه: أن الحكمة من الوضوء بين الجماعين كونه أنشط للعود؛ لأن الـمُجامع يحصل له كسل وانحلال، والماء يعيد إليه نشاطه وحيويته.

3 - في حديث عائشة دليل على أنه يجوز للجنب أن ينام دون أن يتوضأ، بينما دل حديث ابن عمر على أن السنة أن يتوضأ الجنب قبل أن ينام.

4- ذهب الجمهور إلى كراهة ترك الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام، بينما ذهب بعض الظاهرية، وبعض المالكية إلى أنه يجب على الجنب أن يتوضأ قبل أن ينام.

5 - استحباب التنظف عند النوم، والحكمة فيه: أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين؛ فإنها تقرب من ذلك والله أعلم [1].

طريقة الاستدلال:

1- ظاهر رواية مسلم لحديث أبي سعيد يفيد الوجوب للأمر: «فليتوضأ بينهما وضوءًا»، ولكن صرفه الجمهور إلى الاستحباب بأدلة، منها: حديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يجامع ثم يعود ولا يتوضأ»[2]، ومنها تعليل الأمر بالغسل بكونه أنشط للعود؛ كما في رواية الحاكم؛ فإنه يدل على أن الأمر للإرشاد أو للندب[3].

2 - استدل على عدم وجوب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام بحديث عائشة في نومه وهو جُنب من دون أن يمس الماء.

كيفية الغسل من الجنابة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا [النساء: 43] والغسل الواجب هو تعميم الجسد بالماء، وقد بيَّن صفته الكاملة النبي ؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44].

وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31]، والاقتصاد في الماء عند الاغتسال يدخل في عموم هذه الآية.

وقال الله تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: 6]، ومن الحرج المرفوع نقض المرأة شعرها لغسل الجنابة.

وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6] لفظ التطهر هنا يدل على العناية بوصول الماء إلى البشرة؛ لأن صيغة التفعُّل تدل على المبالغة في حصول معنى الفعل.

[الأحاديث]

129- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا اِغْتَسَلَ مِنْ اَلْـجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ اَلْـمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ اَلشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»، متفق عليه، واللفظ لمسلم.

130- ولهما من حديث ميمونة: «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ، فَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا اَلْأَرْضَ»، وفي رواية: «فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ»، وفي آخره: «ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْـمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ»، وفيه: «وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْـمَاءَ بِيَدِهِ».

131- وعن أَبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالب أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قومٌ، فسألوه عن الغسل، فقال: «يكفيك صاعٌ» فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: «كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا وخيرٌ منك» ثم أَمَّنَا في ثوب. متفق عليه، واللفظ للبخاري.

132- وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يَا رَسُولَ الله إِنِّي اِمْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ اَلْـجنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْـحَيْضَةِ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ»، رواه مسلم. [قال ابن القيم في تهذيب السنن (1/429): الصحيح في حديث أم سلمة الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض، وليست لفظة الحيض بمحفوظة. وقال الألباني في الإرواء (1/168): (ذكر الحيضة في الحديث، شاذ، لا يثبت، لتفرد عبد الرزاق بها عن الثوري)].

133- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ الله ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ اَلْـجنَابَةِ»، متفق عليه، وزاد ابن حبان: «وتلتقي أيدينا». [كأنها مدرجة تفرَّد بها أفلح بن حميد].

134- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا اَلشَّعْرَ، وَأَنْقُوا اَلْبَشَرَ»، رواه أبو داود والترمذي وضعَّفاه. [ضعَّفه البخاري فيما نقله البيهقي في معرفة السنن (1/483)، وأبو حاتم في العلل (53)، والدارقطني في العلل (4/78)، وغيرهم]. ولأحمد عن عائشة نحوه، وفيه راو مجهول.

التوضيح:

1 - فيغسل يديه: أي: كفيه قبل إدخالهما في الإناء.

2 - فرجه: أصل الفرج: الشق بين الشيئين، ويطلق على القُبُل والدُبُر.

3 - أصول الشعر: أصل الشيء أساسه، والمراد هنا أسافله مما يلي بشرة الرأس.

4 - حَفَنَ: أفرغ.

5- حَفَنَات: جمع حفنة، وهي الغَرفة من الماء ملء الكفين.

6 - سائر جسده: باقي جسده.

7 - ضرب بها الأرض: أي: مسحها بالتراب؛ وذلك ليزيل ما علق بعد غسل الفرج.

8 - الصَّاع: مكيال يسع أربعة أمداد.

9- أشدُّ شعر رأسي: أي: أربطه وأوثقه وأحكم فتله.

10- أفأنقُضه: أي: أحله وأفكه.

11- حَثَيَات: جمع حثْية، وهي الحفنة ملء الكف.

12- تُفيضين: أي: تصبِّين الماء على جسدك حتى يسيل.

13- تختلف أيدينا: أي: تتناوب وتتردد في الإناء من غير موافقة من كثرة إدخال الأيدي وإخراجها.

14- وتلتقي: أي: تتوافق مجتمعة أثناء الأخذ والغرف من الإناء.

15 - تحت كل شعرة جنابة: كناية عن شمول الجنابة كل البدن.

الدلالات الفقهية:

1 - في مجموع حديثي عائشة وميمونة رضي الله عنهما دليل على مشروعية الغسل من الجنابة على هذه الكيفية، اقتداءً بالنبي ﷺ، فيبدأ بغسل كفيه ثلاثًا -كما في بعض الروايات- لئلا يدخلهما في الماء وفيهما ما لعله يستقذر، ثم يغسل فرجه فينظفه؛ لأنه محل التلوث في الجنابة، ثم يدْلُك يده اليسرى على الأرض؛ لإزالة ما علق بها من غسل الفرج، ثم يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يخلل بيده شعر رأسه بالماء إن كان شعره كثيفًا، فإذا ظن أنه أرواه صب عليه الماء ثلاث مرات، ثم يغسل باقي جسده بعد ذلك، ثم يغسل رجليه؛ لأن كل ما تحدَّر من جسده من أوساخ وفضلات أصابت رجليه، فكان حقهما أن يُطهرا بعد ذلك، وقد جاء في بعض الروايات من حديث ميمونة رضي الله عنها: «ثم تنحَّى عن مقامه ذلك فغسل رجليه» وهذا أبلغ في تطهيرهما[4]، ويستحب دَلْك البدن؛ للتيقن من وصول الماء إلى المغابن، وخروجًا من الخلاف.

2 - إذا عمَّ الجنب بدنه بالماء أجزأه ذلك، وصار متطهرًا، وما جاء في الحديثين من صفة الغسل إنما هو سنة.

3 - نص الجمهور على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب، وقد ذهب إلى وجوبه أبو ثور، وداود[5]، والراجح ما ذهب إليه الجمهور.

4 - في حديث عائشة رضي الله عنها دليل على أنه يكفي غسل الجسد مرة واحدة، ومذاهب الأئمة الأربعة على أنه يستحب أن يغسل جسده ثلاث مرات؛ قياسًا على أعضاء الوضوء التي يشرع فيها التثليث[6].

5 - ظاهر حديث ميمونة دليل على استحباب ترك التنشيف بالمنديل بعد الغسل، وهو مذهب الشافعية، وذهب الجمهور إلى أن التنشيف مباح، لا يستحب ولا يكره[7].

6- في حديث جابر أن الصاع يكفى للغسل من الجنابة، وليس ذلك على سبيل التحديد بالإجماع[8]، فإن أسبغ بأقل أو أكثر قليلًا من الصاع في الغسل أجزأ؛ ولكن يشترط ألا يمسح به مسحًا، بل لا بد من الإسالة بحيث تسيل عليه قطرات الماء، فإن كان مسحًا، لم يجزئ[9].

7 - وفيه: استحباب التقليل من ماء الطهارة.

8- وفيه بيان ما كان السلف عليه من الاحتجاج بفعل النبي والانقياد إلى ذلك.

9 - وفيه جواز الرد على من يماري بغير علم إذِ القصدُ من ذلك أيضًاح الحق والإرشاد إلى من لا يعلم.

10- فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد.

11 - في حديث أم سلمة دليل على أنه لا يجب على المرأة نقض شعرها للغسل من الجنابة، إذا كان الماء يصل إلى أصول الشعر، ولا خلاف فيه.

12 - استدل الجمهور بالقياس وبالرواية التي فيها ذكر (الحيضة) على أنه لا يجب على المرأة نقض شعرها للغسل من الحيض ما دام الماء يصل إلى البشرة من غير نقض للضفائر[10].

13 - وفي حديث أم سلمة الثاني دليل على جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وأن ذلك لا يؤثر في طهارة الماء، وجواز رؤية كل واحد منهما عورة الآخر، وأن وضع الجنب يده في الإناء الذي فيه ماءُ غُسْلِهِ لا يسلبه الطهورية.

14- حديث أبي هريرة الأخير دليل على وجوب الغسل من الجنابة، وتعميم الجسم كله بالماء، وإزالة كل ما يمنع وصول الماء إلى البشرة وأن الطهارة لا تكمل بترك الشيء من الجسد ولو كان قليلًا، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا في سنده ـ كما تقدم ـ فهو صحيح في معناه، دل القرآن على مقتضاه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من مقاصد الشريعة الاقتصاد وتجنب الإسراف عامة، وفي ماء الطهارة خاصة.

2 - فضل أصحاب النبي ﷺ وتعظيمهم له وحرصهم على الاقتداء به واقتفاء آثاره.

3 - سماحة خُلق النبي ﷺ وسهولته وابتعاده عن التكلف، وحُسن معشره لنسائه.

4- في حديث جابر دلالة على أن سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي كما كان يطلبه غيرهم، فدل ذلك على كذب ما تزعمه الشيعة، أنهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم، وأنهم مختصون بعلم، يحتاج الناس كلهم إليه، ولا يحتاجون هم إلى أحد، وقد كذبهم في ذلك جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت رضي الله عنهم [11].

طريقة الاستدلال:

استدل الحنابلة على وجوب نقض المرأة شعرها لغسل الحيض خاصة بما جاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي قال لها لما شكت له الحيض: «انقضي رأسك وامتشطي».

ما يمتنع منه الجُنب والحائض:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191] قال ابن كثير: (أَيْ: لَا يَقْطَعُونَ ذِكْره فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ بِسَرَائِرِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ).

وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا [النساء: 43] قال ابن كثير: (وَقَوْلُهُ: ﴿ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا دَلِيلٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ -أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالُكٌ وَالشَّافِعِيُّ-: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ المُكْثُ فِي المسجدِ حَتَّى يَغْتَسِلَ، أَوْ يَتَيَمَّمَ، إِن عَدِمَ المَاءَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِطَرِيقَةٍ.

وقال ابن كثير عن مرور الجنب من المسجد في تفسير سورة المائدة: إِلَّا أَنَّ يَكُونَ مُجْتَازًا مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ). اهـ، وحكم الحائض هو حكم الجنب في المسجد.

[الأحاديث]

135- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقْرِئُنَا اَلْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» رواه الخمسة، وهذا لفظ الترمذي وحسَّنه، وصحَّحه ابن حبان. [ضعَّفه الشافعي فيما نقله البيهقي في معرفة السنن (1/322)، وأحمد فيما نقله الخطابي في معالم السنن (1/76) وغيرهما، ورجح الدارقطني في العلل (1/405) وقفه على عليّ].

136- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي لَا أُحِلُّ اَلْـمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٌ»، رواه أبو داود وصحَّحه ابن خزيمة. [ضعَّفه البيهقي في الخلافيات (3/279) وغيره].

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عليٍّ دليل على أنه لا يجوز للجنب أن يقرأ شيئًا من القرآن حتى يغتسل، وهو مذهب الأئمة الأربعة على تفصيل بينهم في اليسير منه، وما كان لنحو تحصُّن[12]. و ذهب جماعة من العلماء إلى جواز قراءة الجنب للقرآن، وهو مذهب ابن عباس، وقول البخاري وابن المنذر والطبري، وهو مذهب الظاهرية[13].

2 - فيه جواز قراءة القرآن على غير وضوء.

3 - يجوز للحائض على الراجح قراءة القرآن خلافًا للجمهور؛ لعدم الدليل الصحيح المانع، ولا يصح قياسها على الجنب؛ قال ابن القيم: (فلو مُنعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها، وربما نسيت ما حفظته زمن طُهرها، وهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي[14]. والنبي لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث: «لا تقرأ الحائض والجنب شيئًا من القرآن» حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث)[15].

4 - حديث عائشة دليل على أنه لا يجوز للحائض ولا للجنب أن يمكثا في المسجد، أما الجنب ففيه أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا [النساء: 43]، وألحقت الحائض بالجنب قياسًا؛ لأن حدثها أغلظ، والقول بالمنع هو قول جماهير أهل العلم، خلافًا للمزني وداود وابن المنذر، الذين ذهبوا إلى جواز ذلك، إلا أن أحمد أجاز للجنب أن يمكث في المسجد إن كان متوضئًا[16].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

القصد من منع الحائض والجنب من المسجد: تعظيم المسجد؛ فلا يقربه إنسان إلا بطهارة، وفي منع الـمُحدِث حدثا أصغر حرج عظيم فأبيح له الدخول، ولا حرج في منع الجنب والحائض؛ لأنهما أبعد الناس عن الصلاة، والمسجد إنما بُنى للصلاة، فلذلك منعا منه.

طريقة الاستدلال:

1 - استدل من قال من العلماء بجواز قراءة الجنب للقرآن: بأن الأصل جواز ذلك ما لم يدل دليل صحيح على المنع، وضعفوا الأحاديث الواردة بالمنع، وقد كان النبي ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه.

ومنع قراءة القرآن إن كان لكونه ذكرًا لله: فلا فرق بينه وبين ما ذُكر في الحديث من أن النبي ﷺ كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه، وإن كان تعبدًا: فيحتاج إلى دليل خاص يمنع منه، ولم يصح شيء من الأحاديث الواردة في ذلك[17].

أما من ذهب إلى تحريم قراءة القرآن للجنب فقد استدلوا بحديث عليٍّ السابق، وبما ورد عن الصحابة في ذلك؛ مثل ما روى عبد الرزاق وغيره عنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ»، وروى الدارقطني عن أَبي الْغَرِيفِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فِي الرَّحَبَةِ، فَخَرَجَ إِلَى أَقْصَى الرَّحَبَةِ، فَوَالله مَا أَدْرِي أَبَوْلًا أَحْدَثَ أَوْ غَائِطًا، ثُمَّ جَاءَ فَدَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ قَبَضَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ صَدْرًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يُصِبْ أَحَدَكُمْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَلَا، وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا»

2 - قاعدة: يذكر العلماء في هذا الباب قاعدة: (الأصل براءة الذمة)، أو (استصحاب البراءة الأصلية)، أو (استصحاب العدم الأصلي)، وهذا النوع لا خلاف في اعتباره بشروطه، بل جعله البعض من الأدلة المتفق عليها[18]. وهو هنا متعلق بحكم قراءة القرآن، فالأصل استصحاب مشروعيته على كل حال، إلا بدليل ناقل عن هذا الأصل.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة