حجم الخط:

محتوى الدرس (19)

Adobe Systemsباب الحيض

أحكام الاستحاضة وتمييزها عن الحيض:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222].

ذكر الله تعالى أن المرأة يأتيها حيض وأن له نهاية، أمرت المرأة عند انقطاعه بالتطهر، ففهم من ذلك أن دم الحيض معروف مميز، وأن المرأة لا تطهر قبل انقطاعه.

[الأحاديث]

148- عن عائشة رضي الله عنها أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ دَمَ الْـحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنَ اَلصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ اَلْآخَرُ فَتَوَضَّئِي، وَصَلِّي»، رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان والحاكم، واستنكره أبو حاتم. [واستنكره أيضًا النسائي في الكبرى (271)؛ ينظر: فتح الباري لابن رجب (2/ 57)].

149- وفي حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها عند أبي داود: «ولتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ اَلْـمَاءِ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْـمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ». [معلول، أعلَّه البيهقي في الكبير (2/457)].

150- وعن حمنة بنت جحش رضي الله عنها قالت: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ اَلشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اِغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْر كَمَا تَحِيضُ اَلنِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي اَلظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي اَلْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّي اَلظُّهْرَ وَالْعَصْـرِ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ اَلْـمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ اَلْعِشَاءِ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ اَلصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ اَلصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ». قَالَ: «وَهُوَ أَعْجَبُ اَلْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ»، رواه الخمسة إلا النسائي، وصحَّحه الترمذي، وحسَّنه البخاري. [ضعَّفه أحمد في السؤالات (رواية ابن هانئ 164)، وأبو حاتم في العلل (123)، والدارقطني في العلل (9/363)، وابن منده فيما نقله ابن الملقن في البدر المنير (3/61)، وغيرهم].

151- وعن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ اَلدَّمَ، فَقَالَ: «اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اِغْتَسِلِي»، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ كُلَّ صَلَاةٍ. رواه مسلم، وفي رواية للبخاري في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وهي لأبي داود وغيره من وجه آخر. [وأشار مسلم في الصحيح (680) إلى أنه حذفها عمدًا، وقال البيهقي في الكبير (2/498) وغيره إنها غير محفوظة].

152- وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: «كُنَّا لَا نَعُدُّ اَلْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ اَلطُّهْرِ شَيْئًا» رواه البخاري وأبو داود واللفظ له.

ترجمة الرواة:

1 - أسماء بنت عُميس: هي أسماء بنت عميس بن معد الخثعمية، من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، ثم هاجرت إلى المدينة، ولما قتل جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة؛ تزوجها أبو بكر الصديق، ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب.

2 - حمنة بنت جحش: هي حمنة بنت جحش بن رياب، تكنى أم حبيبة، أخت أم المؤمنين زينب، من المهاجرات، كانت يوم أُحد تداوي الجرحى، وتسقي العطشى، كانت تحت مصعب بن عمير ثم طلحة بن عبيد الله.

3 - أم عطية: هي نُسيبة بنت الحارث الأنصارية، أسلمت وبايعت رسول الله ، وغزت معه سبع غزوات، تصنع الطعام، وتداوي الجرحى، وتقوم على المرضى، وكانت تغسل الموتى، عاشت إلى حدود سنة (70هـ).

التوضيح:

1 - دم أسود يعرف: يُعرِف -بضم الياء وكسر الراء- أي: له عَرْف ورائحة، وقيل بفتح الراء: أي تعرفه النساء.

2 - تستحاض: الاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه بسبب علة مرضية في رحمها.

3 - فإذا كان الآخر: أي: غير الأسود، بأن كان أصفر أو أشقر أو أكدر.

4- فإنما هو عرق: أي: غير الأسود إنما هو دم عرق، فلا يمنع ما يمنعه الحيض.

5 - مِرْكَن - بكسر الميم وسكون الراء-: وعاء تُغسل فيه الثياب.

6 - فإذا رأت صفرة فوق الماء: أي: بعد جلوسها في المركن الذي فيه ماء؛ ستعرف حال دمها، فإذا علا الماءَ صفرةٌ كان دمَ استحاضة، وإن علاه أحمر أو أسود فهو حيض.

7 - كثيرة شديدة: أي: كثيرة في المدة، شديدة في الكيفية.

8 - ركضة: أصل الركض: الضرب بالرجل، أي: أن الشيطان لبَّس على هذه المرأة في أمر طهرها، أو أن هذه الاستحاضة كانت بسبب ضرب الشيطان حقيقة.

9 - تحيَّضي: أي: اعتبري وعُدِّي نفسك حائضًا.

10- ستة أو سبعة أيام: أي: بحسب ما كانت عليها عادتها من قبلُ إن كانت معتادة، فإن لم تكن ذات عادة من قبل - أي: كانت مبتدأة - فيكون ذكر العددين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قومها.

11 - ثم اغتسلي: أي: بعد الستة أو السبعة المقدَّرة من الحيض.

12 - استنقأت: النقاء هو الطهر وانقطاع الدم.

13 - قوله: «فصلي أربعة وعشرين» أي: إن كانت مدة الحيض ستة أيام.

14 - وقوله: «أو ثلاثة وعشرين» أي: إن كانت مدة الحيض سبعًا.

15- قوله: «أعجب الأمرين إلي» أي: الجمع بين الصلاتين بغسل واحد أحب إلي، والأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة.

16 - امكثي: توقفي وانتظري.

17- تحبسك: تمنعكِ.

18 - الكُدرة؛ بضم الكاف وسكون الدال: اللون الأحمر المائل إلى السواد، والمراد أن الدم يظهر متكدرًا بين الصفرة والسواد.

19 - الصّفرة؛ بضم الصاد وسكون الفاء: اللون الأحمر المائل إلى بياض، والمراد: أن الدم يظهر أصفر كماء الجروح.

20 - «لا نعد... شيئًا»: معنى الجملة كاملة: كنا لا نعتبر الصفرة والكدرة بعد الطهر حيضًا تمتنع فيه المرأة عمَّا تمتنع منه الحائض.

21 - الطهر: انقطاع دم الحيض.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة الأول دليل على أن دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة بلونه؛ فدم الحيض أسود تعرفه النساء بلونه وثخانته ورائحته، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، فيجب على المستحاضة التي ليس لها عادة ترجع إليها أن ترجع إلى التمييز.

2 - وفيه: أنه يجب على الحائض أن تمتنع من الصلاة في وقت حيضها، وأن حكم المستحاضة المميِّزة مثل حكم الحائض؛ أي: تمتنع أيضًا عن الصلاة وقت حيضها الذي تميزه عن استحاضتها بلون دم الحيض ورائحته المميزتين.

3 - وفيه: أن المستحاضة تصوم وتصلي ويأتيها زوجها.

4 - ودلَّ حديث أسماء بنت عميس على أن المستحاضة تغتسل لكل صلاتين غسلًا واحدًا، فتغتسل للظهر والعصر غسلًا واحدًا، وللمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، والراجح أنه لا يجب الاغتسال عند إدبار الحيضة إلا غسلًا واحدًا؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها.

5 - وفي حديث حمنة بنت جحش دليل على أن المرأة المستحاضة التي لا تعرف عادة حيضتها الأصلية، ولا تميز دم الحيض عن غيره؛ تعمل بعادة غالب النساء، فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، يبتدئ من أول المدة التي رأته فيها وما عداه استحاضة.

6 - وفيه: أن غالب الحيض ستة أيام أو سبعة، وهو مجمع عليه[1].

7 - كما يستفاد أيضًا من حديث حمنة بنت جحش وحديث عائشة الثاني أنه: إن كان لها عادة تعرفها، ثم طرأت عليها الاستحاضة، فإنها ترجع إلى عادتها ولا تنظر إلى التمييز، وهو مذهب الحنفية والحنابلة[2]، فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز عملت بعادة غالب النساء ستة أيام أو سبعة أيام من كل شهر، وهو المذهب عند الحنابلة[3].

8 - وفي حديث عائشة رضي الله عنها الثاني أيضًا تأكيد لما سبق من أن المستحاضة المعتادة تعمل على عادتها، فتترك الصلاة قدر عادتها ثم تغتسل عند انتهاء عادتها وتصلي، ومذهب الجمهور أنه لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة عند انتهاء عادتها السابقة، ولا تغتسل لكل صلاة[4].

9 - وفيه: أن دم الاستحاضة ينقض الوضوء، وأنه يجب على المستحاضة الوضوء لوقت كل صلاة مفروضة، وتصلي بذلك الوضوء ما شاءت من فروض ونوافل ما لم يخرج الوقت، وبه قالت الحنفية والحنابلة، وذهب الشافعية إلى أنها تتوضأ لكل فرض، وقال مالك في أحد القولين: تتوضأ لكل صلاة استحبابًا[5].

10- حديث عائشة دليل على أنه ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حدٌّ بالأيام، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ علق أحكام الحيض على إقباله، وعلق أحكام الطهارة على إدباره -كما جاء في بعض الروايات- ولو كان له حد لا يزيد عليه لبيَّنه للسائلة وللأمة عمومًا لما يتعلق به من أحكام شرعية كثيرة أهمها الصلاة والصيام[6].

11 - وفي حديث أم عطية دليل على أن الماء الذي ينزل من فرج المرأة بعد الطهر مكدرًا أنه لا يعتبر من الحيض، وأن نزول الماء صفرة كان أو كدرة في زمن الحيض وقبل رؤية الطهر حيض، ولو لم يكن لونه أسود أو شديد الحمرة، وهو مذهب الجمهور[7].

12 - في قوله : «توضئي لكل صلاة» دليل على أن دم الاستحاضة ينقض الوضوء.

13 - للمستحاضة أحكام:

منها: جواز وطئها في حال جريان دم الاستحاضة عند جماهير العلماء؛ لأنها كالطاهر في الصلاة والصوم وغيرهما، وكذا في الجماع، ولأنه لا يحرم إلا عن دليل، ولم يأت دليل بتحريم جماعها.

ومنها: أنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث والنجس، فتغسل فرجها قبل الوضوء، وقبل التيمم، وتحشو فرجها بقطنة أو خرقة دفعًا للنجاسة وتقليلًا لها، فإن لم يندفع الدم بذلك شدت مع ذلك على فرجها وتلجَّمت واستثفرت، تقليلًا للنجاسة بحسب القدرة، ثم تتوضأ بعد ذلك.

ومنها: أنه ليس لها الوضوء قبل دخول وقت الصلاة عند الجمهور؛ إذ طهارتها ضرورية، فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة[8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- في بعض الأحاديث السابقة ما كانت عليه نساء الصحابة من الحرص على دينهن وأن الحياء لا يمنعهن من السؤال، وذلك من قوة إيمانهن، وهذا ليس من الحياء المحمود بل هو من المذموم.

2- وفيها وجوب سؤال أهل العلم عند الإشكال.

3 - وتدل على شمولية الشريعة وبيانها لكل ما يحتاجه الناس في سائر شؤون حياتهم.

4 - مبادرة النبي ﷺ إلى إرشاد النساء إلى ما شُرع في حقهنَّ، فكذا ينبغي لنساء المسلمين أن يسألن العلماء فيما يشتبه عليهن في أمر دينهن، حتى فيما يتعلق بمثل هذه المسائل[9].

طريقة الاستدلال:

1 - في قول أم عطية: «كُنَّا لَا نَعُدُّ اَلْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ اَلطُّهْرِ شَيْئًا» هذه الصيغة لها حكم الرفع، وذلك أنه إذا قال الصحابي: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي ﷺ؛ كان مرفوعًا حكمًا[10].

2 - استدل الجمهور على التفريق بين الصفرة والكدرة في فترة الحيض وما بعده بمفهوم المخالفة في حديثي أم عطية وعائشة؛ ففي حديث أم عطية أنهن كن لا يعددن الكدرة والصفرة بعد الطهر، ومفهومه الاعتداد بالصفرة والكدرة قبل الطهر، وأنها من الحيض، وقد دل على هذا المفهوم أيضًا حديث أم المؤمنين عائشة؛ حيث كان النساء يبعثن إليها بالدُرْجة[11] فيها الكُرْسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، فتقول لهن: «لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء» وهي: ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض، فدل حديثها أيضًا على أنها اعتبرت الصفرة في زمن العادة حيضًا.

3 - قاعدة أصولية: (ترك الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزَّل منزلة العموم في المقال): فقد كانت من عادته ﷺ أن يستفصل ويستقصي ليتوضح الحال ويحق الحق، بحيث لا يدع غاية في البيان، ولا إشكالًا في الأيضًاح؛ فدل ذلك على أن ترك الاستفصال إشارة إلى التعميم[12]؛ ففي حديث عائشة أن أم حبيبة بنت جحش شكت إلى رسول الله ﷺ الدم، فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك»، فقد ردها ﷺ للعادة، ولم يستفصل عن حالها هل هي مميزة أم لا، مع احتمال وجود التمييز، فعلم من ذلك أنها ترجع إلى العادة مطلقًا.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة