حجم الخط:

محتوى الدرس (21)

كتاب الصلاة

Adobe Systemsباب المواقيت

أوقات الصلوات الخمس:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103].

وقال الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ [هود: 114].

قال ابن كثير: (قوله: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ َقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الصُّبْحُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مِنْ آخِرِهِ). وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، والضحاك في رواية عنه. وَقَوْلُهُ: ﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ -فِي رِوَايَةِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالة، عَنْهُ-: ﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ يَعْنِي: الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: إِنَّهَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ).

وقال الله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78].

قال ابن كثير: (يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ آمِرًا لَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا -ثم ذكر الآية السالفة وتفسيرها وختمه بقوله- فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ دَخَلَ فِيهَا أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ الْخَمْسَةِ فَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَهُوَ: ظَلَامُهُ، وَقِيلَ: غُرُوبُ الشَّمْسِ، أُخِذَ مِنْهُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ يَعْنِي: صَلَاةَ الْفَجْرِ.

وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ الله تَوَاتُرًا مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ بتفاصيلِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، عَلَى مَا عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ، مِمَّا تَلَقَّوْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوَاضِعِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ). اهـ

وقال الله تعالى في تحديد أول وقت الفجر: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: 187].

وقال سبحانه عن آخر وقت الفجر والعصـر: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ [طه: 130].

قال ابن كثير: ( ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَعْنِي: صَلَاةَ الْفَجْرِ، ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يَعْنِي: صَلَاةَ الْعَصْرِ).

[الأحاديث]

162- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ العَصْرُ، وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الـمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ»، رواه مسلم.

163- وله من حديث بريدة في العصـر: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ». ومن حديث أبي موسى: «والشمس مرتفعة».

164- وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّيَ العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الـمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ العِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْـحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الـمِائَةِ»، متفق عليه.

165- وعن عليٍّ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»، متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر»، ثم صلاها بين المغرب والعشاء.

166- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصـر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا» -أو قال-: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا»، رواه مسلم.

167- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ -أَيْ: صَلَاةُ الصُّبْحِ- وَيَحِلَّ فِيهِ الطَّعَامُ»، رواه ابن خزيمة والحاكم وصحَّحاه. [أعلَّه بالوقف: الدارقطني في السنن (2185)، والبيهقي في الكبير (3/63)، وغيرهما، وقال ابن خزيمة في الصحيح (356): لم يرفعه في الدنيا أحد غير أبي أحمد الزبيري].

168- وللحاكم من حديث جابر نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي الذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: «إِنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الأُفُقِ»، وَفِي الآخَرِ: «إِنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَان». [أعلَّه بالإرسال البيهقي في الكبير (3/62)].

169- وعن جابر رضي الله عنه قال: «وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا، وأَحْيَانًا يُؤْخِّرُهَا: إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ»، متفق عليه.

170- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد كان رسول الله ﷺ يصلي الفجرَ، فيشهد معه نساءٌ من المؤمنات متلفّعاتٌ بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن، ما يعرفهن أحدٌ من الغَلَس»، متفق عليه.

171- ولمسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه: «فَأَقَامَ الفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا».

172- وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان. [قال العقيلي في الضعفاء (1/437): إسناده جيد، وصحَّحه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/334) والزيلعي في نصب الراية (1/235)].

173- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا اشْتَدَّ الْـحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْـحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، متفق عليه.

174- وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُصَلِّي الـمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَـرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ»، متفق عليه.

175- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الشَّفَقُ الْـحُمْرَةُ»، رواه الدارقطني، وصحَّح ابن خزيمة وغيره وقفه على ابن عمر. [رجَّح وقفه: الدارقطني في السنن (1057)، والحاكم في المدخل إلى الإكليل (ص:53)، والبيهقي في الكبير (3/48)].

176- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أَعْتَمَ النَّبِيّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي»، رواه مسلم.

ترجمة الرواة:

1 - بريدة: هو أبو عبد الله بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد خيبر وفتح مكة، وبايع بيعة الرضوان، استعمله النبي ﷺ على صدقات قومه، وكان نعم الرجل لقومه عظيم البركة عليهم، أسلم فأسلم معه قومه، نزل مرو ونشر العلم بها ثم خرج غازيًا إلى خراسان ومات بها سنة (62هـ).

2 - أبو برزة الأسلمي: هو نضلة بن عبيد بن الحارث، أسلم قديمًا، وشهد خيبر وفتح مكة، وكان يقوم إلى صلاة الليل فيتوضأ ويوقظ أهله، ويقرأ بالستين إلى المائة، أتى خراسان غازيًا ومات بمرو سنة (65هـ)، وقيل غير ذلك.

3 - رافع بن خديج: هو أبو عبد الله رافع بن خديج بن رافع الخزرجي الأنصاري، استصغر يوم بدر، وشهد أحدًا والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ، أصابه يوم أحد سهم في ثندوته إلى علابيه فقال له رسول الله : «إن شئت نزعت السهم وتركت القطبة وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد»، فتركها رافع لقول رسول الله . مات بالمدينة سنة (74هـ) عن ست وثمانين سنة.

التوضيح:

- المواقيت: جمع ميقات، وهو مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، وكل شيء قدَّرت له حينًا فقد وقَّته توقيتًا، وكذلك ما قدَّرت له غاية.

- زالت الشمس: أي: مالت الشمس عن وسط السماء إلى جهة الغروب.

- الشَّفَق: بفتح الشين والفاء: بقية ضوء الشمس بعد غروبها.

- والشمس بيضاء نقية: أي: صافية لم يدخلها شيء من الصفرة.

- رَحْـلَه: الرَّحْل بفتح الراء وسكون الحاء: هو مسكن الإنسان، وما يستصحبه من الأثاث عند رحيله أو سفره.

- والشمس حيَّة: أي: بيضاء نقية.

- ينفتل: أي: ينصرف.

- حين يعرف الرجل جليسه: أي: بضوء الفجر؛ لأن مسجده ﷺ لم يكن فيه مصابيح. ويقرأ بالستين إلى المائة: أي: من آيات القرآن الكريم.

- كذَنَب السِّرحان: كذيل الذئب، والسِّرْحان: -بكسر السين وسكون الراء- هو الذئب، والمعنى أن الفجر الأول -وهو الفجر الكاذب- يرتفع في السماء كالعمود ولا يمتد مستطيلًا، فهو كذنب السرحان؛ لأن ذنبه يمتد مرتفعًا.

- المروط: أكسية واسعة معلَّمة تكون من صوف أو خزٍّ.

- متلفِّعات: أي: متلففات بأكسيتهن.

- الغَلَس؛ بفتح الغين واللام: ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح.

- أصبِحوا بالصبح: المعنى: أدخلوا الصلاة في وقت الصبح يقينًا، ولا تكتفوا بمجرد ظن الصبح.

- أبرِدوا: الإبراد تأخير صلاة الظهر إلى أن يبرد الوقت.

- من فيح جهنم: أي: من شدة غليانها.

- ليبصر مواقع نبله: أي: المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها.

- الشفق الحمرة: المراد بـ (الحمرة): هي الحمرة التي ترى في المغرب عند غروب الشمس، وتتمادى إلى أول وقت العشاء الآخرة.

- أعتم: أخَّرها حتى اشتدت عتمة الليل، وهي ظلمته.

الدلالات الفقهية:

1 - لا تصح الصلوات المكتوبة في الأصل إلا في أوقاتها المحددة في الشـرع؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103].

2 - حديث عبد الله بن عمرو يتناول تفصيل الأوقات على النحو الآتي:

أ - وقت صلاة الظهر: يبدأ من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مساويًا طوله مضافًا إليه فيء الزوال. وفَيْء الزوال: هو ظلُّ الشيء عندما تكون الشمس على نصف النهار.

ب - وقت صلاة العصر: يبدأ وقتها المختار من انتهاء وقت الظهر -وهو عند الجمهور: حين يصير ظل كل شيء مثله- إلى اصفرار الشمس، فإذا اصفرت انتهى وقتها المختار عند الجمهور؛ لقوله ﷺ: «ما لم تصفر الشمس». وما بين اصفرار الشمس إلى غروبها وقت ضرورة، والدليل على أنه من وقت العصر حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»، لكن لا يحل تأخير الصلاة إليه إلا لضرورة.

ج - وقت صلاة المغرب: يبدأ من مغيب الشمس ويمتد إلى مغيب الشفق، وهو -عند الجمهور- الحمرة التي في الأفق.

د - وقت صلاة العشاء: يبدأ وقتها الاختياري من مغيب الشفق إلى نصف الليل - عند المالكية في غير المشهور والشافعية في القديم ورواية عند الحنابلة[1]- فإذا انتصف الليل خرج وقت العشاء الاختياري، ويعرف ذلك بحساب الساعات من الغروب إلى طلوع الفجر.

هـ - وقت صلاة الصبح: يبدأ من طلوع الفجر الصادق، وينتهي بطلوع الشمس.

3 - في حديث أبي برزة الأسلمي استحباب تعجيل صلاة العصـر في أول وقتها؛ فقد كان الصحابة يصلون العصر مع النبي ، وينصرفون والشمس ما زالت حية قوية الأثر، حرارةً ولونًا وإنارة.

4 - وفيه استحباب تأخير صلاة العشاء، ولكن ينبغي على الإمام أن يعجل صلاتها إذا كان الناس قد اجتمعوا لها.

5 - وفيه أنه يكره النوم قبل صلاة العشاء؛ لأنه قد يكون سببا لنسيانها، أو لتأخيرها إلى خروج وقتها المختار، والحديث بعدها؛ لأنه قد يفضي إلى النوم عن الصبح، إلا أنه يجوز السهر في العلم، وفي أمور المسلمين، فقد ثبت أنه ﷺ كان يسمر مع أبي بكر في أمر المسلمين.

6 - وفي حديثي عليٍّ وابن مسعود بيان وقت صلاة العصر، وأهميتها، وأنها هي الصلاة الوسطى.

7 - وفيهما كذلك أن آخر وقت الصلاة هو وقت اضطرار.

8 - ويستفاد من حديث عليٍّ أيضًا: جواز الدعاء على الكفار بمثل ما دعا به النبي [2].

9- دل حديثا ابن عباس وجابر: أن الفجر فجران: فجر كاذب، وفجر صادق، وأن أحكام الصلاة والصيام تُعلَّق بالفجر الصادق وحده.

10- الفجر الأول (الكاذب) لا يحرِّم ظهوره الأكل لمن يريد الصيام؛ لأن الليل لا يزال باقيًا، وكذلك لا تصح فيه صلاة الصبح؛ لأن وقتها لم يدخل بعد، وأما الفجر الثاني (الصادق) فإنه يحرم بدخوله الطعام والشراب والجماع لمن يريد الصيام، ويدخل به وقت صلاة الصبح.

11- وفي حديث جابر بيان صفة الفجر الأول (الكاذب)، وهو: أنه يذهب مستطيلًا في الأفق، وشكله كذنب الذئب من حيث امتداده، فهو ممتدٌّ طولًا من الشَّـرق إلى المغرب، ولونه أبيض ضارب للزرقة، ويستمر لمدَّة قصيرة ثم يظلم. بينما الفجر الثاني معترض من الشَّمال إلى الجنوب، ولونه أبيض ناصع البياض، ولا يُظلم، بل يزداد نورًا وإضاءة.

12 - في حديث جابر الثاني دليل على جواز تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها.

13 - وفيه استحباب تعجيل صلاة الصبح بعد دخول وقتها، فقد كان النبي ﷺ يصليها بغلس، وبقية ظلام الليل لا يزال قائمًا.

14 - وفي حديث عائشة جواز إتيان النساء إلى المساجد لشهود الصلاة مع الرجال، وذلك مشروط بأمن الفتنة، وبتحفظهن من إظهار الزينة.

15 - حديث رافع بن خديج دليل على استحباب الإسفار بصلاة الفجر، وهو مذهب الحنفية[3]، والذي عليه الجمهور استحباب التغليس بصلاة الفجر، وأجابوا عن الحديث بعدة أجوبة: منها تضعيف الحديث، ومنها: أن المراد أن يتبين الفجر ويُتحقَّق طلوعه، فلا يصلي مع غلبة الظن أو أن المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتى يخرج من الصلاة مسفرًا. وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وخالف الحنفية، فرأوا مشروعية تأخير الفجر حتى يذهب الظلام، وتسفر[4].

16 - دل حديث أبي هريرة على أنه يستحب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وذلك بأن تؤخر عن أول وقتها إلى أن تخف شدة الحرارة، وهذا هو قول الأئمة الأربعة[5].

17 - في حديث رافع بن خديج (الثاني) دليل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب في أول وقتها بحيث ينصرف منها والضوء باق، كما يدل على تخفيف القراءة فيها، بخلاف صلاة الفجر التي يستحب تطويل القراءة فيها.

18- في حديث ابن عمر تفسير للشفق الذي يحدد نهاية وقت صلاة المغرب، وبداية وقت صلاة العشاء، وأنه هو الشفق الأحمر، لا الأبيض، وهو قول الجمهور[6].

19- في حديث عائشة الأخير دليل على أن تأخير العشاء أفضل، وذلك ما لم يخرج به عن وقت الاختيار، وهو نصف الليل.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - أفاد حديث أبي برزة الأسلمي أن انتظار الصلاة له فضل عظيم، فالمرء ما زال في صلاة ما دام منتظرًا الصلاة.

2- لما كان من المحتمل اشتباه الفجرين - الكاذب والصادق- على المكلف؛ ذكر الشـرع علامة ظاهرة لكل منهما، بل واستعمل لذلك وسائل الأيضًاح، وبين الأحكام المترتبة عليهما، وفيه دلالة على أهمية التعليم بالتمثيل فهو أحد أسباب التوضيح والتبيين.

3 - في حديث جابر الثاني دلالة مقاصدية لمن يتولى أمرًا من أمور المسلمين، فإنه يدل على عظم مراعاة ولي الأمر لشأن من يتولى أمرهم من الناس؛ سواء كان إمامهم في الصلاة أو غيرها، فعليه معرفة ما يتناسب معهم والعمل به، فهذا النبي ﷺ كان إذا رأى الصحابة اجتمعوا في أول وقتها عجل رفقًا بهم، وإذا رآهم أبطأوا عن أوله أخر مراعاة لما هو الأرفق بهم.

4 - الحكمة من الإبراد بصلاة الظهر: تأديتها في جو مريح بعيدًا عما يشغل قلب المصلي عن الصلاة، ويذهب عنه الخشوع الذي هو روح الصلاة.

5- بيان رحمة النبي ﷺ وطلبه لأيسر الأمرين؛ رفقًا بالأمة، وتسهيلًا عليهم في أعمالهم.

6 - على الإنسان الاعتبار من أحاديث المواقيت عمومًا بواقع الحال، والاتعاظ بدوران الزمن وفواته، فكما يأتي لليوم المشرق البهي نهاية تأفل فيه الشمس وتغيب، فسيأتي يوم للإنسان تغرب فيه حياته، ويأفل فيه عمره ولات حين مناص عندها، فعليه بالعمل الصالح قبل غروب العمر وانقضائه.

7 - ودلَّ أيضًا على أنه قد تترجَّح بعض العبادة الخفيفة على ما هو أشق منها بحسب المصالح المتعلة بها.

طريقة الاستدلال:

1 - يجب التوقف على ما حدده الشرع؛ فأوقات الصلوات توقيفية، وذلك أنه إذا حدد الشارع وقتًا أو حدًّا لأمر من الأمور وجب التوقف عنده وعدم تجاوزه إلا بدليل آخر من الشارع أيضًا.

2 - للعلماء عند تعارض حديثين أو أكثر طرق ومسالك لدفع ذلك التعارض، منها الجمع بين الحديثين وحمل مدلول أحدهما على معنى مغاير لمدلول الحديث الآخر المعارض؛ ومثال ذلك:

الحديث الأول: حديث الباب المروي عن عبد الله بن عمرو جاء فيه: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس» فهو يدل على أن آخر وقت العصر هو الاصفرار.

وظاهره يعارض ما رواه أبو هريرة: «.. ومن أدرك ركعة من العصـر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»؛ فإن فيه أن وقت أداء صلاة العصر ممتد إلى حين الغروب.

فحمل العلماء الحديث الأول على أن الاصفرار آخر وقت الاختيار لأداء صلاة العصـر، وحملوا الحديث الثاني على أن غروب الشمس آخر وقت الضرورة، وأن الإنسان في حال الضرورة له أن يصلي قبيل المغرب دون حرج.

3 - العموم أنواع: عموم باقٍ على عمومه، وعموم مخصوص، وعموم أريد به الخصوص، وبين هذين الأخيرين تشابه وفيهما دقة، فمن العموم الذي يراد به الخصوص قوله ﷺ في حديث ابن عباس: «وفجر تحرم فيه الصلاة» أي: صلاة الصبح، فمع أن لفظ (الصلاة) لفظ عام دخلت عليه (ال) يشمل جميع أفراد الصلاة وأنواعها، لكن النبي ﷺ أطلق الكلمة وهو لا يريد حينها إلا المنع من (صلاة الصبح) خاصة، لا عموم الصلوات كلها، فيجوز لمن أراد صلاة نافلة أو فائتة أن يصليها في ذلك الوقت.

4 - المطلق الوارد في النصوص يأتي تقييده من دليل آخر، كما في حديث أبي برزة: «وكان يستحب أن يؤخر من العشاء» لم يبين إلى متى كان التأخير، كأنه يريد مطلق التأخير، ولكن قد ورد في أحاديث أخرى أنه كان لا يجاوز وقت الاختيار، وهو نصف الليل.

5 - في قوله: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة» تطبيق لمفهوم المخالفة، حيث يفهم منه أنه إذا لم يشتد الحر، وكان الجو باردًا أو معتدل الحرارة، فبكروا بالصلاة وبادروا بها، وهذا هو مفهوم المخالفة.

6 - الأصل في أوامر النبي ﷺ أن تكون للوجوب إلا بقرينة، والأمر في قوله ﷺ: «أبردوا» ليس للوجوب، والصارف له إما حديث خباب قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء، فلم يشكنا» رواه مسلم، وإما غير ذلك.

7 - قواعد وضوابط مستخرجة من هذه الأحاديث:

أ - تصرف الراعي في الرعية منوط بالمصلحة.

ب- درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: ومن ذلك أن النبي ﷺ دفع مشقتهم على مصلحة فضيلة الوقت المختار لصلاة العشاء.

ج - المشقة تجلب التيسير.

د - جواز عمل العمل المفضول أحيانًا؛ لبيان حكمه للناس.

بمَ تُدرك الصلاة؟

[الأحاديث]

177- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصـر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»، متفق عليه، ولمسـلم عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وقال: «سجدة»، بدل «ركعة»، ثم قال: «والسجدة إنما هي الركعة».

الدلالات الفقهية:

1 - نص الحديث على أن كلًا من صلاة الصبح، وصلاة العصـر تدرك بإدراك ركعة من وقتها، وتكون الصلاة أداء لا قضاء، وهكذا بقية الصلوات، وهذا من فضل الله تعالى وتيسيره لخلقه.

2 - المراد بإدراك الركعة: إدراك الركوع؛ أي يدرك الركوع ويرفع منه قبل خروج الوقت.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- يُسر الشريعة الإسلامية وسماحتها واضحٌ في كثير من أحكام الطهارة والصلاة؛ ففي إدراك الوقت بإدراك ركعة قبل خروجه تخفيف على العباد ودليل على رحمة الله بهم ومراعاته لضعَّفهم.

2- ينبغي على المسلم أن يبادر بالصلاة أول وقتها؛ وألا يجعل تيسير الله له وسيلةً إلى تساهله وتفريطه في أوامره، وإهماله لشعائره.

طريقة الاستدلال:

1- مفهوم المخالفة من الحديث: أن من أدرك أقل من ركعة ثم طلعت عليه الشمس أو غربت أنه لا يكون مدركًا للوقت، فإذا ارتفعت الأسباب المانعة لوجوب الصلاة كالحيض والنفاس وقد بقي من الوقت ما يسع أقل من ركعة لم تجب الصلاة، وهذا مذهب المالكية وقول عند الشافعية، واختاره شيخ الإسلام[7].

2- الجمع بين هذا الحديث، وحديث ابن عمرو المتقدم: «ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»: أن المراد بحديث ابن عمرو: وقت الاختيار، والمراد بحديث أبي هريرة: وقت الضرورة، كما تقدم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة