باب الأذان
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 83] وقد ردَّ الصحابة رؤياهم في الأذان إلى الرسول ﷺ فاستنبط منها أنها رؤيا حق فدخلت صفة الأذان في البيان النبوي الذي قال الله عنه: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44].
وأقرَّهم الله على الأذان فقال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [المائدة: 58].
186- عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: طَافَ بِي -وَأَنَا نَائِمٌ- رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: «الله أَكْبَرَ الله أَكْبَرُ»، فَذَكَرَ الأذَانَ بِتَرْبِيع التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالْإِقَامَةَ فُرَادَى، إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ...»، الحديث. أخرجه أحمد وأبو داود، وصحَّحه الترمذي وابن خزيمة. [وصحَّحه البخاري فيما نقله ابن الملقن في البدر المنير (3/341) وغيره]. وزاد أحمد في آخره قصة قول بلال في أذان الفجر: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ». [في إسناده انقطاع].
187- ولابن خزيمة عن أنس رضي الله عنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا قَالَ الْـمُؤَذِّنُ فِي الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ». [صحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (386)، والبيهقي في الكبير (3/186)].
188- وعن أبي محذورة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذَانَ، فَذَكَرَ فِيهِ التَّرْجِيعَ»، أخرجه مسلم، ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين فقط، ورواه الخمسة فذكروه مربعًا.
189- وعن أنس رضي الله عنه قال: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ، إِلَّا الإِقَامَةَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ»، متفق عليه، ولم يذكر مسلم الاستثناء، وللنسائي: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا».
190- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لبلال: «إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ»، الحديث. رواه الترمذي وضعَّفه.
عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، أبو محمد المدني، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد بعدها مع رسول الله، وهو الذي أُرِيَ الأذان، توفي بالمدينة سنة (32).
- طاف بي رجل: ألمَّ بي وقَرُب حولي حال كوني نائمًا.
- تربيع التكبير: تكريره أربع مرات.
- التَّرجيع: هو أن يقول الشهادتين بصوت منخفض يُسمع به نفسه، ثم يقولها بصوت مرتفع يُسمع به الناس.
- والإقامة فرادى: أي: لا تكرير في ألفاظها إلا (التكبير)، فإنه يقال مرتين، و(قد قامت الصلاة) تقال مرتين.
- إذا أذنت فترسَّل: الترسُّل: التمهُّل والتأني.
- فاحْدُر؛ بسكون الحاء وضم الدال: أي: أسرع وعجِّل في التلفظ بكلمات الإقامة.
- أُمِرَ بلال: أي: أمره رسول الله ﷺ.
- يَشْفَع الأذَانَ: يكرر جمله تكرارًا زوجيًا.
- وَيُوتِر الإِقَامَةَ: يجعلها وترًا بأن لا يكرر جملها.
كان المسلمون يصلون أولًا دون وسيلة إعلام تجمعهم للصلاة؛ فاجتمعوا وتشاوروا ليروا وسيلة مناسبة يعلمون بها دخول الوقت، فقال بعضهم: نتخذ ناقوسًا، فقال ﷺ: «الناقوس للنصارى»، وقال بعضهم: ننفخ بوقًا، فقال ﷺ: «البوق لليهود»، وقال بعضهم: نوقد نارًا، فقال ﷺ: «النار للمجوس»، وكلها علامات أعرض عنها رسول الله ﷺ، فانصـرفوا ولم يتفقوا على شيء، فجاء عبد الله بن زيد إلى النبي ﷺ فأخبره بأنه رأى في منامه رجلًا يحمل ناقوسًا، فقال: أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به، قال: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير منه؟! قال: بلى، قال: تقول: الله أكبر الله أكبر... إلى آخر الأذان. فأخبر عبد الله بن زيد النبي بذلك، فلما سمع ذلك رسول الله ﷺ قال: «إنها لرؤيا حق، قم فألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك».
1- اتفق المسلمون على مشـروعية الأذان والإقامة للصلوات الخمس[1]، والراجح أن الأذان والإقامة فرضا كفاية، وهو مذهب المالكية في الأذان، والحنابلة فيهما، واختيار شيخ الإسلام[2].
2- دل حديث عبد الله بن زيد وحديث أبي محذورة على أنه يسن تربيع التكبير في أول الأذان، والعمل على هذا عند الجمهور[3].
3- ودلَّ حديث عبد الله بن زيد أيضًا على أن الإقامة تفرد ألفاظها، فلا تكرر، ما عدا (التكبير)، و(قد قامت الصلاة) فإنها تكرر مرتين، وإنما لم تكرر الإقامة؛ لأنها للحاضرين في الأصل، فلا تحتاج إلى تكرار كالأذان.
4- وفيه استحباب أن يكون المؤذن حسن الصوت جميل الأداء لقوله: «إنه أندى صوتًا منك».
5- وفي حديث أبي محذورة استحباب (الترجيع)، وقد تقدم معناه، وسمي ترجيعًا لأنه يرجع إلى لفظ الشهادة بعد مجيئه بها.
6- ودلَّ حديث أنس على استحباب أن يقول المؤذن في أذان الفجر بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين، وهو سنة عند جميع الفقهاء. ودلَّ حديث أنس الثاني على أن الأذان يشفع بأن يكرر الجمل تكرارًا زوجيًا، وأن الإقامة تؤدى وترًا، إلا آخر جملة في الأذان (لا إله إلا الله) فإنها تقال مرة واحدة، إلا التكبير و (قد قامت الصلاة) في الإقامة فإنهما يشفعان.
7- وفي حديث جابر دليل على أنه ينبغي في الأذان التمهل والتأني، وفي الإقامة الإسراع والحدر، وهو أمر متفق عليه بين الفقهاء[4]، وفيه دليل على أنه ينبغي التراخي بين الأذان والإقامة وعدم العجلة، بل يعطى الناس وقتًا ليفرغوا مما هم فيه، ويتمكنوا من حضور الجماعة، وإدراك الصلاة من أولها.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- الحكمة من مشـروعية الأذان إظهار شعائر الإسلام، وإعلام الناس بدخول وقت الصلاة، والدعاء إلى الجماعة ومكان صلاتها[5].
2- الأذان من شعائر الإسلام العظام، وقد تضمن إعلان أصول الإسلام؛ ففيه تكبير الله وتعظيمه، والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، وفيه الدعوة إلى عمود الإسلام وهو الصلاة، والترغيب فيها بتسميتها بالفلاح، وهو الفوز والبقاء؛ لأن الصلاة من أعظم أسباب دخول الجنة، وخُتم بـ(لا إله إلا الله)؛ ليختم بالتوحيد، وباسم الله تعالى كما ابتدأ به، وتقال مرة واحدة إشارة إلى وحدانيته تعالى [6].
3- ويؤخذ من حديث أنس الثاني استحباب تكرير الأشياء الهامة على الناس؛ في الخطب والدروس وغير ذلك من مواطن الإرشاد والتعليم؛ ليعوها ويستوعبوها.
4- في الأذان إكرام من الله تعالى لرسوله ﷺ، حيث جعلت الشهادة برسالته قرينة بشهادة لا إله إلا الله، وفي هذا تعظيم أي تعظيم وتكريم أي تكريم للرسول ﷺ بذكر اسمه مع اسم رب العالمين.
5- رؤيا عبد الله بن زيد تدل على فضله.
6 - في اختيار المؤذن حسنِ الصوت ترغيب في الصلاة، وتنشيط للسامع ليبادر إليها.
7 - الحكمة من مشروعية التثويب في أذان الفجر أن صلاة الفجر في وقت ينام فيه عامة الناس، ويقومون إلى الصلاة من نوم، فيحتاجون لهذا التذكير.
8- من الحكم في قصة الأذان: مخالفة أهل الضلال مقصد من المقاصد الشـرعية التي ينبغي مراعاتها وتحرِّيها، امتيازًا لأهل الإيمان عن أهل الشرك والأوثان.
1- الدلالات المستنبطة من بعض الألفاظ في الأحاديث، إذا لم تذكر عند بعض الرواة، فإنها تؤخذ ممن أتم سياق الحديث، فمسلم لم يذكر الاستثناء الوارد في حديث أنس، وهي قوله: «إلا الإقامة»، وذكرها غيره، فعدم ذكر مسلم للاستثناء لا ينفيه إذا ذكره غيره بسند صحيح، وهنا جاء الاستثناء عند البخاري فهو صحيح يجب الأخذ به.
2- الأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، فالاستثناء الوارد في الحديث في قوله: «إلا الإقامة» ذهب بعض العلماء إلى أنه مدرج من قول أحد الرواة، وليس من الحديث، وتعقبهم الحافظ ابن حجر قائلا -بعد ذكر من أخرج الرواية بلفظ الاستثناء متصلًا بالخبر مفسرًا-: (والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه)[7]، وهو أصل يرجع إليه عند الاختلاف في بعض ألفاظ الحديث هل هو من الحديث أو مدرج فيه.
3- قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا من نوع المرفوع والمسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم[8].
4- اختلفت الأحاديث الواردة في صيغة الأذان، ففي بعضها تربيع التكبير، وفي بعضها تثنيته، وذكر في بعضها الترجيع، ولم يذكر في أخرى، وما دامت السنة قد وردت بذلك كله، فلا حرج في فعل أي صيغة من الصيغ الثابتة؛ لأن كلَّ ذلك يرجع إلى اختلاف التنوع، قال ابن عبد البر: (ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّعَ التكبير الأول في الأذان، أو ثناه، أو رجَّع في التشهد أو لم يرجع، أو ثَنَّى الإقامة أو أفردها كلها، أو إلا (قد قامت الصلاة)، فالجميع جائز)[9].
من سنن الأذان وحكمه في العيدين:
قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].
191- عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ، هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ»، رواه أحمد والترمذي وصحَّحه. [أعلَّه أحمد فيما نقله ابن رجب في فتح الباري (3/560)، وأصله في الصحيح؛ وعلَّقه البخاري في الصحيح (1/129) بصيغة التمريض معلا له]. ولابن ماجه: «وجعل إصبعيه في أذنيه». ولأبي داود: لَوَى عُنُقَهُ، لَمَّا بَلَغَ: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ، وأصله في الصحيحين. [وصحَّحه ابن الملقن في البدر المنير (3/373)].
192- وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ»، رواه مسلم.
أبو جحيفة: هو وهب بن عبد الله السوائي، توفي رسول الله ﷺ وهو لم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه وروى عنه. ثم صحب عليًا بعده وولاه شرطة الكوفة وكان يسميه وهب الخير، ما ملأ بطنه من طعام بعد أن سمع حديث: «أكثر الناس شبعًا في الدنيا، أطولهم جوعًا يوم القيامة» حتى فارق الدنيا. توفي سنة (64).
- ههنا وههنا: ظرفا مكان، والمراد بهما جهتا اليمين والشمال كما بينته رواية أبي داود.
- ولم يستدر: أي: ولم يدر بجملة بدنه.
- غير مرة ولا مرتين: التحديد غير مقصود، والمعنى أن ذلك حصل كثيرًا.
1- دل حديث أبي جحيفة على مشروعية التفات المؤذن في الحيعلتين يمينًا وشمالًا، ووضع أصبعيه في أذنيه عند الأذان، ولم يرد تعيين الإصبع التي يستحب وضعها، وجزم النووي أنها المسبحة، والمراد: الأنملة[10].
2- بينت رواية أبي داود أن موضع الالتفات يكون عندما يبلغ المؤذن (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح)، وأفادت أيضًا أن الالتفات كان بالرأس فقط؛ لقوله فيه: «لوى عنقه» وليس بالبدن كما أكده بقوله: «ولم يستدر» أي: ببدنه.
3- دل حديث جابر على أنه لا يشرع لصلاتي العيدين -الفطر والأضحى- الأذان والإقامة، وقد أجمع العلماء على أنه لا أذان ولا إقامة للعيد، وأنه بدعة محدثة(([11].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- التفات المؤذن في الحيعلتين: فيه إشارة إلى المبالغة في الإعلام والإعلان وإبلاغ الناس في كل ناحية بدخول وقت الصلاة، وحثِّهم على المبادرة للصلاة جماعةً في المسجد.
2- في وضع الإصبعين في الأذنين فائدتان:
إحداهما: أنه قد يكون أرفع لصوته.
الثانية: أنه علامة للمؤذن؛ ليعرفه من رآه على بُعد، أو كان به صمم، وأكثر العلماء على استحبابه، قال الترمذي: (وعليه العمل عند أهل العلم: يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان)[12].
3- لعل الحكمة في عدم مشروعية الأذان لغير الفرائض إنما هي لأحد أمرين:
الأول: تخصيص الفرائض بالأذان تمييزًا لها بذلك عن النوافل، وإظهارًا لشـرفها. قاله ابن دقيق العيد[13].
الثاني: أن الأذان والإقامة للإعلام بالصلاة، والعيد إنما يقام في الصحراء لا عند البيوت، فالذين يقصدونها قد خرجوا، والمتأخرون لا يسمعون الأذان في أغلب المواضع، فلم يكن فيه فائدة[14].
1- الإصبع التي في الحديث المراد بها الأنملة، وهذا من باب اللفظ العام وإرادة الخاص، وهو من المجاز، مثل قوله تعالى: ﴿ ﭐ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ﴾ [البقرة:19] أي: أناملهم[15].
2- من كان يؤذن في مكبر الصوت، هل تبقى له سنية الالتفات أم لا؟ هذا مبني على حكم الالتفات هل هو سنة مطلقًا ولو كان منفردًا، أو أنه شرع لعلة إسماع مَنْ على اليمين والشمال؟ فعلى أنه معلَّل بالإسماع، فالظاهر أنه لا يلتفت؛ لأن ذلك يضعف صوته، فتفوت حكمة الالتفات، وهي رفع الصوت وتوزيعه[16]. ولكن لو أن المؤذن يحمل المكبِّر بيده، ويستطيع أن يحركه فإن الأولى به أن يلتفت عند الحيعلتين؛ لما فيه من فعل السنة، وتحقيق العلة في آن واحد.
3- إذا ترك النبي ﷺ الفعل مع وجود المقتضي له، وانتفاء الموانع، يكون الترك في هذه الحالة هو السنة، وعكسه هو البدعة؛ وذلك كترك النبي ﷺ الأذان لصلاة العيدين[17].
الأذان للصلوات المقضية والمجموعة والأذان الأول للفجر:
قال الله تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62]. قال القرطبي: (قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: مَعْنَاهُ من فاته شيء مِنَ الْخَيْرِ بِاللَّيْلِ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ، وَمَنْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ).
193- عن أبي قتادة رضي الله عنه في الحديث الطويل في نومهم عن الصلاة: «ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ»، رواه مسلم.
194- وله عن جابر رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْـمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الـمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ».
195- وله عن ابن عمر رضي الله عنهما: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الـمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ»، وزاد أبوداود: «لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وفي رواية له: «وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا».
196- وعن ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي، حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ. متفق عليه، وفي آخره إدراج.
197- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: «ألا إِنَّ العَبْدَ نَامَ»، رواه أبو دواد وضعَّفه. [اتفق أئمة الحديث على أن رفعه خطأ، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب]( ([18].
- أصبحت أصبحت: أي: دخلت في الصباح، والمقصود: قاربت الصباح.
1- دل حديث أبي قتادة على مشروعية الأذان والإقامة للصلاة الفائتة بنوم، وألحق بها العلماء الصلاة المنسية؛ لأنه ﷺ جمعهما في الحكم في قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها...» الحديث[19].
2- ودلَّ حديث جابر رضي الله عنه على أن الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لهما أذان واحد، وإقامتان، لكل صلاة إقامة، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة [20].
3- ودلَّ حديث ابن عمر وعائشة على أن الأذان إذا حصل قبل دخول الوقت فلا عبرة به، إنما العبرة بدخول الوقت، وقد جُعِلَ أذان ابن أم مكتوم رضي الله عنه علامة لتحريم الأكل والشرب؛ لأنه كان له من يراعي الوقت، بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر.
4- وفيه دليل على جواز الأذان للصبح قبل دخول وقتها؛ إذ هو مشعر بتكرر حصول ذلك من بلال رضي الله عنه فدل على مشروعية الأذان قبل الفجر مطلقًا، وهو قول الجمهور[21].
5- واتفق العلماء على أنه لا يجوز الأذان للصلاة إعلامًا بدخول الوقت قبل أن يدخل الوقت[22].
6- في الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد.
7- جواز أن يكون المؤذن أعمى إن كان تابعًا لغيره في أذانه أو قلد ثقة في دخول الوقت[23]، فإن ابن أم مكتوم كان أعمى ويؤذن بعد أن يخبره من يرى بزوغ الفجر من المبصرين.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- في نوم النبي ﷺ عن صلاة الصبح تسلية للمسلم الحريص على صلاته إن فاته بعضها من غير قصد ولا اختيار، ولو أن النبي ﷺ لم يحصل له ذلك أبدًا؛ لشق ذلك على أهل الحرص والصلاة إن حصل لهم شيء منه.
2- الحكمة في مشـروعية الأذان الأول قبل طلوع الفجر: التأهب لإدراك الصبح في أول وقتها[24]، فهذا الأذان ليس لصلاة الصبح، وإنما هو كما قال ﷺ: «ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم» [رواه مسلم] أي: ليكمل ويستعجل بقية ورده، ويأتي بوتره قبل الفجر.
حديث جابر أثبت أذانًا واحدًا وإقامتين، وحديث ابن عمر الأول نفى الأذان؛ لأنه قال: «ولم يناد في واحدة منهما»، وأثبت الإقامتين، فيقدم المثبت على النافي[25]. ويجاب عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما بجوابين:
أحدهما: أنه إنما حفظ الإقامة، وقد حفظ جابر الأذان، فوجب تقديمه لأن معه زيادة علم.
الثاني: أن جابرًا استوفى أمور حجة النبي ﷺ، وأتقنها، فهو أولى بالاعتماد[26].