حجم الخط:

محتوى الدرس (25)

باب شروط Adobe Systemsالصلاة

الطهارة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: 6]

وقال الله تعالى: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ٤ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: 3 - 5]. نصت الآيات السالفة على تطهير الملابس، كما دلَّت على تطهير المكان. قال الجصاص: (وقوله تعالى: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات للصلاة، وأنه لا تجوز الصلاة في الثوب النجس؛ لأن تطهيرها لا يجب إلا للصلاة).

كما دل على وجوب طهارة مكان الصلاة قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: 26].

[الأحاديث]

209- عن علي بن طلق رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَـرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ»، رواه الخمسة، وصحَّحه ابن حبان. [وضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/191)، والألباني في ضعيف أبي داود (27)].

210- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي قال: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الـمَقْبَرَةَ وَالْـحَمَّامَ»، رواه الترمذي وله علة. [أعلَّه بالإرسال الترمذي في السنن (317)، والدارقطني في العلل (11/321)، والبيهقي في الكبير (5/142)].

211- وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ الله أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِةِ مَوَاطِنَ: الـمَزْبَلَةِ، وَالْـمَجْزَرَةِ، وَالْـمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْـحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ الله»، رواه الترمذي وضعَّفه. [وضعَّفه أبو حاتم في العلل (412)، وعبد الحق في الأحكام الوسطى (1/288)، وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/94)، وغيرهم].

212- وعن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: سَمِعْتَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا»، رواه مسلم.

213- وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الـمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا»، أخرجه أبوداود، وصحَّحه ابن خزيمة. [وصحَّحه ابن حجر في تخريج أحاديث المختصر 1/91].

214- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ»، أخرجه أبو داود، وصحَّحه ابن حبان. [فيه علة؛ ضعَّفه الشافعي فيما نقله ابن الملقن في البدر المنير (4/130)، والبزار في المسند (8435)، والبيهقي في الخلافيات (1/74)، وغيرهم].

215- وعن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: «سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم»، متفق عليه.

التوضيح:

- إذا فسا أحدكم: الفُسَاء -بضم الفاء-: خروج الريح بلا صوت من الدُّبر، وإذا حصل معها صوت فهو ضراط.

- فلينصرف: يعني: فليقطع صلاته؛ لأنه حصل منه الحدث.

- معاطن الإبل: المعاطن: هي مَبارِك الإبل عند الماء، وما تقيم فيه، وتأوي إليه.

ترجمة الرواة:

1 - علي بن طلق بن المنذر بن قيس الحنفي اليمامي، له صحبة، سكن المدينة، وروى عن النبي ﷺ هذا الحديث، وقيل: له ثلاثة أحاديث[1].

2 - أبو مرثد الغنوي هو كنَّاز بن الحصين بن يربوع الغنوي، صحابي جليل مشهور بكنيته، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وتوفي سنة (12) بالشام.

الدلالات الفقهية:

1- دل حديث علي بن طلق على اشتراط الطهارة من الحدث لصحة الصلاة، وأنَّ الفساء ناقض للوضوء، وكذلك الضراط مثله، وهذا مجمع عليه[2].

2- وفيه بيان حكم من يحدث في الصلاة، سواء بالفساء أو غيره، وأنه يجب عليه أن يقطع صلاته، وينصرف ليتوضأ، ويعيد الصلاة.

1- ودلَّ حديث أبي سعيد على جواز الصلاة في جميع بقاع الأرض إلا المقبرة والحمام، وهذا من خصائص هذه الأمَّة؛ لأنّ من قبلنا كانوا لا يصلون إلا في مواطن مخصوصة، وما تيقنوا طهارته، وعندنا تجوز لنا الصلاة في جميع الأرض، إلا ما تيقنَّا نجاسته[3].

2- ودلَّ حديث ابن عمر على النهي عن الصلاة في سبعة مواطن هي: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والـحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة، والحديث ضعيف، وعلى هذا فما ثبت فيه نص آخر أو دلَّ عليه عموم أدلة أخرى عُمل به، وإلا بقي على أصل الجواز.

3- ومما دلَّت أدلة أخرى على المنع من الصلاة فيها: المزبلة: فلا تصح الصلاة فيها؛ لأنها محل النجاسة وإلقاء القاذورات، والمجزرة: لا تصح الصلاة فيها؛ لأنها محل الدماء والأرواث، وهي نجسة. والمقبرة والحمام: تقدما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه [4].

4- اختلف الفقهاء في صحة الصلاة في الحمام والمزبلة والمجزرة ومعاطن الإبل وقارعة الطريق والمقبرة وفوق ظهر بيت الله والمغتسل، فقال جمهور الفقهاء، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة في رواية: إن الصلاة تصح مع الكراهة؛ لقول الرسول ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» وقوله: «أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد»، وقال الحنابلة في المعتمد: إن الصلاة لا تصح فيها بأي حال من الأحوال، قال البهوتي: المنع من الصلاة في هذه المواضع تعبد ليس معللا بوهم النجاسة ولا غيره لنهي الشارع عنها ولم يعقل معناه[5].

أما النهي فيه عن الصلاة في قارعة الطريق فهي الطرق العامة وأرصفتها، فالمشهور من مذهب الحنابلة منع الصلاة فيها لهذا الحديث، ولكثرة المرور فيها وانشغال القلب بالمارين، والرواية الأخرى صحة الصلاة فيها وهو مذهب جمهور العلماء؛ لعموم الأدلة، والأولى ألاَّ يصلى في الطريق لما تقدم، لكن إن دعت الحاجة إلى الصلاة في قارعة الطريق فلا بأس، كما لو ضاق المسجد جاز أن يصلى في الشوارع التي حوله إذا فرشت[6].

5- ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا تصح الفريضة على ظهر الكعبة، واستدلوا بأنه لم يستقبل شيئا من الكعبة، والهواء ليس هو الكعبة والمطلوب استقبالها. وذهب الحنفية والشافعية وهو رواية عن الحنابلة إلى أنه تصح الفريضة على ظهرها[7].

6- وأما الصلاة في أعطان الإبل، فالصلاة فيها باطلة عند الحنابلة[8]، وجائزة مع الكراهة عند الجمهور[9].

7- ودلَّ حديث أبي مرثد على المنع من الصلاة إلى القبور بأن تكون في جهة المصلي؛ لأن الصلاة إلى القبور تشبه عبادتها، وقال فقهاء الحنابلة: ولا يضـر قبر ولا قبران؛ لأنها لا تسمى مقبرة حتى يكون فيها ثلاثة قبور[10].

10- لا خلاف بين الفقهاء في أن الجلوس على القبور إذا كان لبول أو غائط فلا يجوز قولا واحدًا. واختلفوا فيما إذا كان لغير ذلك. فذهب الحنفية -وهو المذهب عندهم- والشافعية والحنابلة إلى أنه يكره الجلوس على القبور، لما روى أبو مرثد الغنوي، وذهب المالكية إلى جواز الجلوس على القبر، وحملوا حديث أبي مرثد على الجلوس لقضاء الحاجة[11] .

11- وفي حديثي أبي سعيد الثاني، وسعيد بن زيد دليل على جواز الصلاة في النعل ما دام طاهرًا، ولكن ينبغي عليه النظر فيهما قبل الشروع في الصلاة؛ كونها مظنة التعرض للقذارة والنجس، فإن رأى خبثًا دلكهما بالأرض، ثم صلى فيهما.

12- وفيهما: دليل على جواز دخول المسجد بالنعل إذا لم يكن مفروشًا بعد تنظيفهما من الأقذار والأنجاس.

13- اتفق العلماء على أنه إذا تنجست النعل وما في معناها بمائع، مثل البول والدم والخمر أنها لا تطهر إلا بالغسل، وأما إذا كانت النجاسة ذات جِرم، فإن كانت يابسة فالحنفية والمالكية والصحيح عند الحنابلة، أنها تطهر بالدلك، وأما إذا كانت النجاسة ذات جِرم ورطبة، فالمالكية وأبو يوسف من الحنفية، والمشهور عند الحنابلة، أنها تطهر أيضًا بالدلك، والأصل في هذه المسألة حديث أبي هريرة وغيره[12].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- في حديث أبي مرثد بيان للنهج الصحيح الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، فلا تعظيم لقبر يجر إلى فتنة ولا استخفاف يذهب بالحرمة، وخير الأمور الوسط[13].

2- من مقاصد الشريعة: احترام المساجد، وتنزيهها، وتطهيرها عن الأذى والقذر؛ لأنها موضع عبادة، فيجب أن تكون طاهرةً نظيفة، قال الله تعالى: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: 26][14].

3- من سماحة الشريعة وتيسيرها على الناس أن جعلت التراب طهورًا للخف، فالخف كثيرًا ما يصاب بالنجاسة والأذى لمباشرته الأرض، فلو لم يكن تطهيره إلا بالماء؛ لشق ذلك، ولأدى إلى إتلافه[15].

طريقة الاستدلال:

1 - ورد في حديث أبي سعيد استثناء الصلاة في المقبرة والحمام، فخصص الحديث العام الخالي من الاستثناء في قوله ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا».

2- في حديث (علي بن طلق) أن على من أحدث في صلاته أن يستأنف الصلاة. والحديث وإن كان ضعيفًا، إلا أنه موافق للأصل المتفق عليه أن من بطلت صلاته وجب عليه الإعادة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة