حجم الخط:

محتوى الدرس (28)

Adobe Systemsباب الحث على الخشوع في الصلاة

أفعال في الصلاة تنافي الخشوع:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238]

قال ابن كثير: (أَيْ: خَاشِعِينَ ذَلِيلِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مُسْتَلْزِمٌ تَرْكَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، لِمُنَافَاتِهِ إِيَّاهَا). اهـ ونقل أبو حيان في البحر المحيط أن معنى قانتين: (رَاكِدِينَ كَافِّي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ). اهـ

[الأحاديث]

242- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِـرًا»، متفق عليه، ومعناه: أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي صَلاَتِهمِ».

243- وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الْـحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ»، رواه الخمسة بإسناد صحـيح، وزاد أحمد: «وَاحِدَةً أَوْ دَعْ». [ضعَّف الألباني الزيادة في ضعيف أبي داود رقم (808)]. وفي (الصحيح) عن معيقيب نحوه بغير تعليل.

244- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اِخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ»، رواه البخاري.

245- وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «إِيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ»، رواه الترمذي وصحَّحه. [ضعَّفه ابن القيم في زاد المعاد (1/241)، وابن رجب في فتح الباري (4/405)، وغيرهما].

246- وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْصُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ»، متفق عليه، وفي رواية: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ».

247- وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أقَوْامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ»، رواه مسلم.

248- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»، رواه مسلم والترمذي، وزاد: «فِي الصَّلَاةِ».

التوضيح:

- مختصرًا: بأن يضع يده على (الخصر) وهو وسط الإنسان المستدق فوق الوركين وأسفل الأضلاع.

- فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى: أي: فلا يسوِّيه ليسجد عليه.

- فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ: أي: تنزل عليه، وتقبل إليه.

- هو اختلاس: الاختلاس: الاستلاب في خفية وسرعة، والمعنى: أن الالتفات انتقاص ينتقصه الشيطان من صلاة العبد على وجه السرعة والخفية.

- يناجي ربه: المناجاة: المسارَّة، والمراد: أن المصلي يناجي ربه، فاللائق به الخشوع، والإقبال على ربه.

- فلا يبزقن بين يديه: أي: فلا يبصق أمامه.

- فليكظم: أي: ليحبسه وليمسكه، بإطباق الشفتين.

ترجمة الراوي:

معيقيب: هو ابن أبي فاطمة الدوسي له صحبة، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر منها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وكان على خاتم النبي ، واستعمله أبو بكر، وعمر على بيت المال.

الدلالات الفقهية:

1- في حديثي أبي هريرة وعائشة دليل على كراهة أن يضع المصلي يديه أو إحداهما على خاصرتيه أثناء الصلاة، والكراهة مذهب الجمهور خلافًا للحنفية الذين يرون أن التخصـر مكروه تحريمًا[1].

2- في حديث أبي ذر دليل على أنه لا ينبغي للمصلي أن يمسح موضع سجوده من الأرض، بل عليه أن يقبل على صلاته ويخشع فيها، فيسجد على الأرض بدون مسح، وعامة الفقهاء على كراهة مسح الحصى في الصلاة وتقليبها؛ لأنه من العبث[2].

3- لكن إن كان هناك حاجة لتسوية موضع السجود من التراب أو الحصى فليكن ذلك مرة واحدة؛ لحديث معيقيب: أن النبي قال: في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: «إن كنت فاعلا فواحدة»، فإن سوَّى ذلك قبل دخوله في الصلاة فهو أفضل.

4- في حديث عائشة الثاني وحديث أنس دليل على أن المصلي منهي عن الالتفات في صلاته؛ وقد نقل الحافظ الإجماع على أن الالتفات في الصلاة مكروه، والجمهور على أنها كراهة تنزيه، وحُكي عن الظاهرية وبعض الشافعية التحريم، إلا للضرورة[3]، والحنفية على أن الالتفات بالوجه مكروه تحريمًا وبالبصر مكروه تنزيها[4].

5- المراد بالالتفات: التفاته بالوجه، فإن كان بجملة البدن بأن استدار إلى غير جهة القبلة حرم وبطلت الصلاة باتفاق العلماء[5].

6- وفي حديث جابر بن سمرة النهي عن رفع البصر إلى السماء، والجمهور على أنه مكروه[6] لا يُبطل الصلاة، وذهب ابن حزم إلى بطلان صلاة من رفع بصره إلى السماء[7]، بناء على أن النهي يقتضي الفساد والبطلان، واختلف العلماء في رفع البصر خارج الصلاة حال الدعاء فكرهه أناس، وأجازه الأكثرون[8].

7- ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده، سواء أكان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، وقال مالك: (ينظر أمامه؛ فإنه إذا حنى رأسه ذهب بعض القيام المفروض عليه في الرأس)[9].

8- في حديث أنس دليل على نهي المصلي عن البصاق بين يديه، وعن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى، وهذا إذا كان الإنسان خارج المسجد؛ كأن يصلي في بيته على أرض غير مفروشة، أو في الصحراء، وأما في المسجد فلا يبصق تحت قدمه، وإنما في ثوبه أو منديله.

9- يكره رفع البصر إلى السماء عبثًا، فأما للحاجة فيجوز، وقد أشارت عائشة لأختها أسماء إلى السماء في صلاة الكسوف.

10- دلَّ حديث أبي هريرة على كراهة التثاؤب، وخصوصًا في الصلاة؛ لما فيه من منافاة الخشوع، وينبغي للمتثائب أن يرد تثاؤبه ما استطاع، وذلك بإطباق فمه وضم شفتيه أو أن يضع يده على فيه؛ لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل»[10] .

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قيل: إنما كره الخصر في الصلاة؛ لأنه فعل المختالين والمتكبرين، وقيل: لأن في ذلك تشبهًا باليهود، وقيل: لأن فيه تشبهًا بالشيطان، وقيل: لأنه شكل من أشكال المصائب، يصفُّون أيديهم على الخواصر إذا قاموا في المآتم، وقيل: إنه راحة أهل النار[11].

2 - مناسبة الحديث للباب أن وضع اليد على الخاصرة دليل على عدم الخشوع، والصلاة مطلوب فيها التذلل والخضوع لله رب العالمين بعيدًا عن صفات المتكبرين.

3 - في حديث عائشة بيان الحكمة من النهي عن الاختصار، وهي الابتعاد عن مشابهة اليهود؛ فإنهم يضعون أيديهم على خواصرهم في الصلاة، وقد نهينا عن التشبه بهم في جميع أحوالهم[12].

4 - لا منافاة بين أن يكون النهي للتشبه باليهود، أو لكون التخصر فيه كبرٌ وخيلاء؛ فإن من طبيعة اليهود الكِبْر واحتقار الناس، أو لغير ذلك مما سبق ذكره.

5 - الحكمة من النهي عن تسوية الحصى في الصلاة هي: ما جاء في الحديث من أن الرحمة تكون تلقاء وجهه في هذه التربة التي علقت بوجهه من أثر السجود، وتكون في موضع سجوده الذي ذكر الله تعالى فيه، وسبَّحه عنده، وقيل: خشية العبث المنافي للخشوع والتواضع، والمفضي إلى الإخلال بالصلاة، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعًا.


6 - وحكمة النهي عن الالتفات:

أ - أنه نقص في الصلاة بحركة لا داعي لها، وذلك دليل على عدم الخشوع، ولهذا ذكره المصنف هنا.

ب - أنه إعراض عن الله تعالى، وإقبال على غيره، والله تعالى قِبَل عبده[13].

7 - سمَّى النبي ﷺ الالتفات اختلاسًا؛ تصويرًا لقبح تلك الفعلة؛ فالمصلي مقبل على ربه يناجيه، والشيطان مترصِّد له يريد قطع تلك المناجاة عليه، وسلب أجره، فإذا التفت المصلي، فإن الشيطان قد ظفر بمطلوبه، واختلس أغلى ما بين يدي المصلي تلك الساعة[14].

8 - في حديث جابر النهي الأكيد والوعيد الشديد عن رفع البصـر إلى السماء في الدعاء في الصلاة؛ لأنه ينافي الخشوع، والمعنى في كراهة رفع البصر: خشوع المصلي وخفض بصـره، ونظره إلى محل سجوده؛ فإنه واقف بين يدي الله عز وجل يناجيه، فينبغي أنكون خاشعًا منكسًا رأسه، مطرقًا إلى الأرض، قال ابن الجوزي: (لما كان المأخوذ على المتعبد في الصلاة أن يخشع، والخشوع التذلل والتواضع؛ ناسب هذا الوعيد سوء الأدب)[15].

9- جُعِل التثاؤب من الشيطان كراهية له؛ لأنه يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل والنوم، فأضيف إليه؛ لأن الشيطان هو الداعي إلى إعطاء النفس شهواتها وتوسعها في المآكل والمشارب[16]، والله تبارك وتعالى يريد من المسلم القوة والنشاط في العبادة؛ فإن الكسل والفتور من صفات المنافقين الذين يتثاقلون عند العبادة.

10- في أحاديث الباب مراعاة الأدب في الوقوف بين يدي الله تعالى، وتعظيم هذا الموقف لموقف يوم القيامة.

طريقة الاستدلال:

1 - التقييد بالحصى في حديث أبي ذر خرج مخرج الغالب؛ لكونه كان الغالب على فرش مساجدهم، وإلا فلا فرق بينه وبين غيره.

2 - جاء في حديث أنس جواز إيقاع البصاق في يسار المصلي مطلقًا، ولكنه محمول على ما إذا كانت جهة يساره خالية من المصلين، وقد قيد الإطلاق السابق ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، أو إذا صلى أحدكم فلا يبزقن أمامه، ولا عن يمينه، ولكن تلقاء يساره إن كان فارغًا أو تحت قدمه» أخرجه أبو داود وصحَّحه الألباني.

3- التعليل بأن الله تعالى قِبَل وجه المصلي، وأن عن يمينه مَلَكًا، يقتضـي نهي المصلي عن البصاق بين يديه وعن يمينه مطلقًا، سواء أكان ذلك في المسجد أم خارجه.

4 - في حديث جابر النهي الأكيد والوعيد الشديد وكان ذلك يقتضي أن يكون حرامًا كما جزم به ابن حزم حتى قال: (تفسد صلاته). ولكن الإجماع انعقد على كراهته في الصلاة[17].

5- جاء تقييد النهي عن التثاؤب في حديث أبي هريرة بالصلاة، فيحتمل أن يُحمل المطلق على المقيد، والمعنى: أنه يريد أن يشوِّش عليه في صلاته ويلهيه عنها، ويحتمل أن يكون النهي مطلقًا؛ لأنه ذكره في معرض الذم له والتنفير عنه، وقد صرح النووي بكراهة التثاؤب في غير الصلاة أيضًا؛ لكونه من الشيطان، قال ابن العربي: وكذلك فليكظمه في كل حال. قال: وخص الصلاة لأنها أولى الأحوال به[18].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة