حجم الخط:

محتوى الدرس (32)

صفة صلاة النبي ﷺ:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44].

[الأحاديث]

272- عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري.

273- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِـالْـحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِن السجدةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ اليُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ اِفْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ»، أخرجه مسلم، وله علَّة. [فيه انقطاع؛ أبو الجوزاء لم يسمع من عائشة رضي الله عنها].

274- وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اِسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ»، أخرجه البخاري.

ترجمة الراوي:

أبو حميد الساعدي: هو أبو حميد عبد الرحمن أو المنذر بن سعد بن المنذر الأنصاري الخزرجي الساعدي، من فقهاء أصحاب النبي ﷺ، توفي سنة (60هـ).

التوضيح:

- يفتتح الصلاة بالتكبير: المراد: تكبيرة الإحرام.

- والقراءة بالحمد لله: أي: بالسورة التي فيها ذلك، وهي سورة الفاتحة.

- لم يُشخِص: أي: لم يرفع.

- ولم يصوِّبه: أي: ولم ينزله.

- ولكن بين ذلك: أي: بين الرفع والتنزيل، فيكون وسطًا؛ ليكون مستويًا مع الظهر.

- في كل ركعتين التحية: أي: التشهد، عبر عنه بالتحية من باب إطلاق لفظ البعض على الكل.

- عُقبة الشيطان؛ بضم العين: قيل: هي أن يفرش قدميه، فيجعل ظهورهما نحو الأرض ويجلس على عقبيه، وقال النووي: (فسَّره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق ألييه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كما يفرش الكلب وغيره من السباع)، وأضيفت العُقْبة للشيطان إما تقبيحًا لها، أو لأنها من فعله أو أمره.

- أن يفترش الرجل ذراعيه: أي: يبسطهما على الأرض في السجود.

- افتراش السبع: أي: كافتراش السبع، وهو: كل حيوان مفترس.

- حذو منكبيه: أي: مقابلهما.

- وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه: أي: قبض على ركبتيه مفرجًا بين أصابعه.

- هصر ظهره: أي: ثناه في استواء من غير تقويس، فجعله مستقيمًا.

- كل فَقَارٍ: أي: كل مفصل من مفاصل عظام الصلب والعنق.

- ولا قابضهما: أي: إلى جسده، فلا يضم يديه إليه أثناء السجود.

سبب ورود حديث مالك بن الحويرث:

عن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النبي ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم -وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها- وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم». رواه البخاري

الدلالات الفقهية:

1- المراد بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» أي: في مراعاة الشروط والأركان والسنن والهيئات.

2- فيه دلالة على أنه لا يخل بصلاة المرء أن يلاحظ صلاة من يتعلم منه الصلاة، ويراقبه في ذلك.

3- أن المصلي إذا أراد أن يعلم بصلاته غيره، فإن هذه النية لا تنقص من صلاته، ولا تخل بها.

4- في حديث عائشة دليل على وجوب افتتاح الصلاة بلفظ (الله أكبر) فلا يجزئ غير هذه اللفظة، وهو قول جمهور أهل العلم[1].

5- وقولها: «والقراءة بالحمد لله رب العالمين» استدل به مالك وغيره ممن يقول إن البسملة ليست من الفاتحة.

6- وفيه أن من السنة في الركوع: الاعتدال واستواء الظهر والعنق، فلا يرفع رأسه ولا يطأطئه، بل يجعله مستقيمًا مع الظهر.

7- وقولها: «وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا» دليل على الرفع من الركوع والاعتدال فيه.

8- وفي حديث عائشة أيضًا دليل على قراءة التشهد في آخر كل ركعتين، وعلى مشـروعية افتراش القدم اليسرى ونصب اليمنى حال الجلوس، وهذا يشمل التشهد الأول والجلوس بين السجدتين.

9- قولها: «وكان يقول في كل ركعتين التحية» فيه حجة لأحمد بن حنبل ومن وافقه من فقهاء أصحاب الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان، وقال مالك وأبو حنيفة والأكثرون: هما سنتان ليسا واجبين، وقال الشافعي: الأول سنة والثاني واجب[2].

10- وفيه دليل على النهي عن عقبة الشيطان وقد فُسِّرت بتفسيرين: الأول: أن يفرش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه. وقد سمي ذلك أيضا الإقعاء، والثاني: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، والقول الثاني أولى؛ لأن الصفة الأولى ثبت أنها من السنة تُفعل أحيانا في الجلوس بين السجدتين، وفيه أيضًا دليل على النهي عن افتراش الذراعين في السجود، ووضعهما على الأرض[3].

11- قولها: «وكان يختم الصلاة بالتسليم» فيه دليل على وجوب التسليم، وهو مذهب الأكثرين، أنه لا تصح الصلاة إلا بعد أن تختم الصلاة بقول: السلام عليكم ورحمة الله[4].

12- وفي حديث أبي حميد الساعدي دليل على استحباب رفع اليدين حذو المنكبين عند تكبيرة الإحرام.

13- وفيه: أن السنة أن يقبض المصلي في ركوعه بيديه على ركبتيه، ويمد ظهره، ويجعل رأسه مستويًا مع ظهره.

14- وفيه دليل على الطمأنينة في الرفع من الركوع، وأن صفة الرفع من الركوع أن يعتدل قائمًا مطمئنًا حتى يرجع كل عضو إلى موضعه.

15- وفيه أن السنة في السجود: أن يبسط كفيه على الأرض حذو منكبيه مبسوطتين، ولا يفترش ذراعيه، بل يرفعهما ويجافي عضديه عن جنبيه، وأن يثني أصابع رجليه بحيث يجعلها في اتجاه القبلة.

16- من السنة في التشهد الأخير: أن يتورك؛ وذلك بأن يفرش رجله اليسـرى ويخرجها عن يمينه، وينصب اليمنى، جاعلًا مقعدته على الأرض، وذهب الحنفية إلى الافتراش مطلقًا، واختار المالكية التورك مطلقًا في جميع الجلسات، وقال الشافعي رحمه الله تعالى السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشًا إلا التي يعقبها السلام، ومذهب الحنابلة: أن لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان، فيتورك في الأخير منهما[5].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

ينبغي للمسلم أن يتحرَّى الاقتداء بالنبي ﷺ في عباداته ومعاملاته وسائر أحواله، فإن تمام الهداية وكمال الفلاح في الدنيا والآخرة إنما يكون بتمام الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، والعكس بالعكس.

طريقة الاستدلال:

1 - استدل على وجوب التكبير والتسليم والاعتدال من الركوع وغير ذلك مما ورد في السنة بقوله : «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي» فإنه أمر، والأصل أن الأمر يدل على الوجوب، كما أن صلاة النبي ﷺ بيان للمجمل في قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: 43]، وبيان المجمل الواجب: واجب، فكل هيئة في صلاة النبي ﷺ واجبة إلا إذا دلّ الدليل الخاص على خلاف ذلك.

2 - في صيغة: «كان يفتتح الصلاة بالتكبير»، سبق أن ذكرنا أنه إذا كان خبر (كان) فعلًا مضارعًا، فإنه يدل على الاستمرار ما لم تقم قرينة على خلافه.

استفتاح الصلاة والاستعاذة وموضع اليدين:

[تمهيد]

قال الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 79]، وأمر نبيه محمدًا بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٦١ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:161- 163].

وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98].

وقال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21].

[الأحاديث]

275- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض» إلى قوله: «من المسلمين»، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسَّنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» رواه مسلم. وفي الترمذي: «كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة». [قال ابن رجب في فتح الباري (4/347): وفي إسناده مقال].

276- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيهَةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَألتُهُ، فَقَالَ: «أَقُولُ: اللهمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَما بَاعَدْتَ بَيْنَ الـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ، اللهمَّ نقِّني مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللهمَّ اِغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْـمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»، متفق عليه.

277- وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: «سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ، وتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهُ غَيْرُكَ»، رواه مسلم بسند منقطع، والدارقطني موصولًا وهو موقوف. [وصحَّح وقفه ابن رجب في الفتح (4/350)].

278- ونحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا عند الخمسة، وفيه: وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ». [ضعَّفه أحمد فيما نقله الترمذي في السنن (242)، وأبو داود في السنن (767)، والترمذي في السنن (242)، وغيرهم].

279- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ»، متفق عليه.

280- وفي حديث أبي حميد عند أبي داود: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ». [صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (720)].

281- ولمسلم عن مالك بن الحويرث نحو حديث ابن عمر، لكن قال: «حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ».

282- وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى يَدِهِ اليُسْـرَى عَلَى صَدْرِهِ»، أخرجه ابن خزيمة. [وأصله في مسلم في الصحيح (826)، وزيادة «على صدره» شاذة].

ترجمة الراوي:

وائل بن حُجْر: هو وائل بن حجر بن سعد أبو هنيدة الحضرمي، أحد الأشراف، كان سيد قومه، من بقية أولاد الملوك بحضرموت، له وفادة وصحبة ورواية، أصعده النبيّ ﷺ على المنبر، وأقطعه، وكتب له عهدًا، وقال: «هذا وائل بن حجر سيد الأقيال»، نزل الكوفة وكان عقبه فيها، مات في أوائل خلافة معاوية.

التوضيح:

- فَطَرَ السماوات والأرض: أي: ابتدأ خلقهما على غير مثال سبق.

- حنيفًا: أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد ودين الإسلام.

- ونسكي: النُّسُك: الذبح، وقيل: هو العبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله، وعلى هذا فيكون عطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص.

- ومحياي ومماتي لله: أي: هو المالك لهما، والمختص بهما، فلا أصرفهما إلا له.

- العالمين: اسم لجميع المخلوقات، ويطلق على الجن والإنس.

- ظلمت نفسي: أي: بفعل الذنوب التي تؤدي إلى العذاب.

- لبيك: أي: أقيم على طاعتك وامتثال أمرك إقامة متكررة.

- سعديك: أي: أسعد بأمرك، وأتبعه إسعادًا متكررًا.

- والشر ليس إليك: أي: ليس مما يتقرب إليك به، وكذلك: الشر لا يضاف إليك، وكذلك: الشر لا يصعد إليك، فإنه إنما يصعد إليك الكلم الطيب.

- أنا بك وإليك: أي: التجائي وانتهائي إليك، وتوفيقي بك.

- تباركت: البركة: كثرة الخير، واستقراره.

- سكت هُنَيهَةً: أي: لم يجهر بشيء قليلًا من الزمن، وإنما كان يقول الدعاء سرًا.

- اللهم باعد بيني وبين خطاياي: أي: اجعل فعلها بعيدًا عني، وأبعد عني شرها، وشر ما فعلته من قبل.

- كما باعدت بين المشرق والمغرب: أي: باعد بيني وبين فعل الخطايا مثل مباعدتك بين المشرق والمغرب.

- اللهم نقني: أي: خلصني ونظفني.

- كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس: أي: كما يُغسل الثوب الأبيض إذا أصابه الوسخ، وخُصَّ الأبيض؛ لأن النقاء فيه أبلغ؛ فإن أقل دنس يتبين فيه بخلاف الأسود.

- اللهم اغسلني من خطاياي: أي: أزل عني آثارها.

- سبحانك: أي: تنزيهًا لك يا رب عن كل نقص.

- وبحمدك: الحمد: هو ذكر أوصاف المحمود على وجه المحبة والتعظيم.

- وتبارك اسمك: أي: ما صاحب اسمك شيء وإلا ونالته البركة.

- وتعالى جَدُّكَ: أي: تعالت وارتفعت عظمتك وسلطانك.

- ولا إله غيرك: أي: لا معبود بحق سواك.

- أعوذ بالله: أي: أتحرز، وألتجئ، وأتحصن بالله.

- الشيطان: مأخوذ من (شَطَنَ) إذا بَعُدَ، أو مِن شَاطَ، إذا هلك واحترق.

- الرجيم: أي: المرجوم باللعنة والمقت، أو الراجم للناس بالإغواء وتزيين الشر، فكأنه يرجمهم في النار.

- من هَمْزِهِ: الهمز هو: النخس والغمز والغيبة بين الناس، وسمي به الجنون لأنه سببه.

- وَنَفْخِهِ: النَّفْخ: الكِبْر، وسمي بذلك؛ لأن الشيطان ينفخ في الشخص بالوسوسة، فيعتقد عظمة نفسه وحقارة غيره.

- وَنَفْثِهِ: نفثه فُسر بالشِّعر، وفسر بالسِّحر، ويؤيد التفسير الثاني قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق: 4].

- حذو منكبيه: أي: مقابلهما، والمنكب: العضو الذي يجتمع فيه رأس الكتف والعضد.

- فروع أذنيه: أي: أعلى أذنيه، وفروع كل شيء أعلاه.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّت الأحاديث الثلاثة الأولى على مشروعية دعاء الاستفتاح، وهو قول الجمهور خلافًا للمالكية [6].

2 - في حديث أبي هريرة دليل على أنه يشرع للإمام أن يسكت سكتة خفيفة بعد تكبيرة الإحرام حتى يتمكن هو والمأموم من دعاء الاستفتاح.

3 - وفيه: أن السنة في دعاء الاستفتاح أن يقال سرًّا، وهو قول عامة أهل العلم[7].

4 - وفيه أن دعاء الاستفتاح يكون بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، وأنه يكون في الركعة الأولى فقط.

5- في حديث أبي سعيد دليل على استحباب التعوذ بعد تكبيرة الإحرام، والمراد بعد دعاء الاستفتاح؛ لأن الاستعاذة للقراءة[8].

6 - السنة الإسرار بالاستعاذة بلا خلاف، ويحصل التعوذ بأي صيغة اشتملت على الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم[9].

7 - في حديثي ابن عمر وأبي حميد دليل على مشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وهو أمر متفق عليه[10].

8 - وفي حديث ابن عمر دليل على استحباب رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه، وقد جاء ذلك عن نحو خمسين رجلًا من الصّحابة، منهم: العشـرة المبشـرون بالجنّة[11]، واستحبابها في هذين الموضعين هو مذهب الشافعية والحنابلة[12].

9 - في حديثي ابن عمر وأبي حميد دليل على مشروعية رفع اليدين حذو المنكبين، وفي حديث مالك بن الحويرث دليل على مشروعية رفع اليدين إلى فروع الأذنين، فكلا الأمرين سنة، والأكمل التنويع بينهما.

10 - وفي حديث أبي حميد: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ... ثُمَّ يُكَبِّرَ»: أن السنة أن يرفع يديه ثم يكبر، وقد جاءت السنة بغير ذلك أيضًا، فجاء أنه يكبر ثم يرفع كما في حديث مالك بن الحويرث، وجاء أيضًا أنه ﷺ كان يرفع حين يكبر قال ابن حجر: (وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء والمرجح عند أصحابنا المقارنة، ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع )، وهو المرجح عند المالكية والحنابلة، والأصح عند الأحناف تقديم الرفع على التكبير[13].

11- وفي حديث وائل بن حجر دليل على مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وهو مذهب الجمهور من الصحابة والتّابعين والأئمة [14].

12- في حديث وائل بن حجر: «على صدره»، وهذه اللفظة شاذة، ولا يوجد حديث صحيح في موضع اليدين عند الضم، ومذهب الشافعية أن يضعهما فوق السُّرة، أسفل الصدر، ونصَّ عليه الإمام أحمد[15]. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ، والتابعين، ومن بعدهم، يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة، ورأى بعضهم: أن يضعهما تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قوله: «إن صلاتي ونُسكي» خص هاتين العبادتين الشريفتين؛ لمزيد فضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، هذا في الصلاة، وببذل ما تحبه النفس من المال في طاعة الله تعالى، وهو الذبح والتقرب إليه بإراقة الدماء[16].

2 - أدب أهل العلم في حسن تلقين المتعلم، وحسن استفهام المتعلم، فالمتعلم يسأل عما يحتاج إليه مما ينتفع به من مسائل العلم دون الأغلوطات والمسائل الصورية التي ليس وراءها عمل، والمعلم يجيب في المسائل المحتاج إليها.

3 - قال ابن الملقن: (ترقّى ﷺ في هذا الدعاء، فطلب أولًا ما يليق بالعبودية، وهو المباعدة من الذنوب، ثم ترقى فطلب التنقية، ثم ترقى فطلب الغسل منها، فإنه أبلغ منهما)[17].

4 - قيل في الحكمة من رفع اليدين: إنه إشارة إلى رفع المصلي الحجاب بينه وبين الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل ينصب وجهه بوجه عبده ما لم ينصـرف كما جاء في الحديث، وقيل: إنه إشارة إلى رمي الدنيا وراءه، والإقبال على الله تعالى، وقيل غير ذلك[18].

5 - الحكمة من مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: أنها صفة السائل الذليل، وهي أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع، فهي صفة الخاشع المتواضع الذليل بين يدي ربه تعالى، فينبغي أن يلاحظ المصلي هذه المعاني في نفسه[19].

طريقة الاستدلال:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العبادات التي فعلها النبي على أنواع يشرع فعلها على جميع تلك الأنواع، لا يكره منها شيء، وذلك مثل أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتاح، ومثل الوتر أول الليل وآخره، ومثل الجهر بالقراءة في قيام الليل والمخافتة، وأنواع القراءات التي أنزل القرآن عليها، والتكبير في العيد، ومثل الترجيع في الأذان وتركه، ومثل إفراد الإقامة وتثنيتها)[20].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة