قراءة الفاتحة في الصلاة:
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: 20] وقد بين هذا الإجمال قول النبي ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، أما من لا يستطيع قراءة الفاتحة فإن الله تعالى يقول: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ﴾ [التغابن: 16].
283- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ»، متفق عليه. وفي رواية لابن حبان والدارقطني: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». [أعلَّه ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/205) بأنه مروي بالمعنى، وأن الصحيح منه بلفظ: «لا صلاة لمن لم يقرأ»]، وفي أخرى لأحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟» قُلْنَا: نِعْمَ. قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». [قال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/656): صحَّحه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي].
284- وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنْ القُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ. فَقَالَ: «قل: سُبْحَانَ الله، وَالْـحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِالله العَلِيِّ العَظِيمِ»، الحديث. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصحَّحه ابن حبان والدارقطني والحاكم. [ضعَّفه النووي في خلاصة الأحكام (1198)، وابن حجر في التلخيص الحبير (2/670)].
1 - عبادة بن الصامت: هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة الأولى والثانية وبدرًا وأحدًا وبيعة الرضوان والمشاهد كلها، وهو أحد النقباء الاثني عشر، وهو من سادات الصحابة، كان يعلِّم أهل الصفة القرآن، ولا يخاف في الله لومة لائم، ومات بالرملة في فلسطين، سنة (34هـ ).
2 - عبد الله بن أبي أوفى: هو عبد الله بن أبي أوفى بن قيس بن الحارث الأسلمي، له ولأخيه ولأبيه صحبة، وهو آخر الصحابة موتًا بالكوفة، وآخر من مات ممن شهد بيعة الرضوان، ذهب بصره، وتوفي بالكوفة سنة (87هـ) أو (86 هـ).
1 - اتفق العلماء على وجوب قراءة القرآن مطلقًا في الصلاة، وأنه لا تصح صلاة إلا بقراءة قرآن [1].
2 - في حديث عبادة بن الصامت دليل على بطلان صلاة من لم يقرأ بالفاتحة في الصلاة، وهو قول الجمهور فيما يتعلق بالإمام والمنفرد[2]، خلافًا للحنفية؛ فإن مقدار الفرض عندهم آية طويلة أو ثلاث آيات قصار في كل ركعة [3]. ومذهب المالكية والحنابلة استحباب قراءة المأموم مع الإمام في الصلاة السرية دون الجهرية[4]، وذهب الشافعية إلى أن قراءة الفاتحة فرض على المأموم في الصلوات السرية والجهرية[5].
3 - وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى دليل على أن من لا يحسن قراءة الفاتحة أو غيرها مما تيسر من القرآن؛ لعجز في طبعه أو سوء حفظه أو عجمة لسان أو آفة تعرض له كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير[6].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الجمل الكريمة الواردة في حديث ابن أبي أوفى تشتمل على تنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب، وإثبات نقيضها من المحامد والكمال المطلق، ونفي الشـريك له في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وألوهيته، وربوبيته، وإثبات الكبرياء له، والجلال، والمجد، والعظمة، والاطّراح بين يديه بنفي الحول والقوة من العبد، وحصـرها فيه تبارك وتعالى، فهو صاحب الحول، والطَّول، والقوة، والعظمة، والجلال، والكمال المطلق سبحانه.
2 - يسر الشريعة وسماحتها، فالمسلم لا يكلف ما لا يقدر عليه، وإذا عجز عن باب خير فتح الله تعالى له بابًا آخر؛ ليكمل ثوابه، ويصل إلى ما قدر الله له من منزلة[7].
1 - في قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ..»: نفي للصلاة، والمراد به نفي الصحة، فيكون التقدير: (لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ..)؛ بدليل الرواية الأخرى: «لا تجزئ».
والقاعدة: (أن النَّفي يكون أولًا لنفي الوجود، ثم لنفي الصِّحة، ثم لنفي الكمال)، فإِذا جاء نص في الكتاب أو السنة فيه نفي لشيء؛ فالأصل أن هذا النفي لنفي وجود ذلك الشـيء، فإن كان موجودًا فهو لنفي الصِّحَّة؛ لأن نفي الصِّحَّة نفي للوجود الشـرعي، فإن دلَّت الأدلة على صحة العبادة مع وجود ذلك الشـيء المنفي، فالمقصود نفي الكمال لا نفي الصحة، هذه هي مراتب النفي على هذا الترتيب. مثال نفي الوجود: لا خالق للكون إلا الله. ومثال نفي الصحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ الكتاب». ومثال نفي الكمال: «لا يُؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه»[8].
2 - صيغة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» صيغة عموم، لأنها نكرة في سياق النفي، وبه استدل الشافعية على وجوب القراءة في الجهرية؛ فإن الحديث يدل بعمومه على وجوب قراءة الفاتحة على كل مصلٍّ، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، لا يخرج أي مصلِّ عن هذا الحكم.
الإسرار والجهر بالبسملة في الصلاة ومشروعية التأمين:
قال الله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]
قال القرطبي: (وَمَعْنَى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أَيِ: اقْرَأْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، وَهُوَ أَنْ تَذْكُرَ التَّسْمِيَةَ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ سُورَةٍ). اهـ
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110].
قال القرطبي: (رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَاهَا: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاةِ النَّهَارِ، وَلَا تُخَافِتْ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ وَالزَّهْرَاوِيُّ. فَتَضَمَّنَتْ أَحْكَامَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارَ بِالْقِرَاءَةِ فِي النَّوَافِلِ وَالْفَرَائِضِ، فَأَمَّا النَّوَافِلُ فَالْمُصَلِّي مُخَيَّرٌ فِي الْجَهْرِ وَالسِّرِّ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَحُكْمُهَا فِي الْقِرَاءَةِ مَعْلُومٌ لَيْلًا وَنَهَارًا). اهـ
وقال ابن كثير: (وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْـرِيُّ، وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ).
285- وعن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةِ بِـ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة:2]»، متفق عليه.
وزاد مسـلم: «لَا يَذْكُرُونَ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا».
وفي رواية لأحمد والنسائي وابن خزيمة: لَا يَجْهَرُونَ: بـ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ . [وصحَّحه الأرناؤوط في تحقيق المسند (3 /179)]. وفي أخرى لابن خزيمة: «كَانُوا يُسِرُّونَ». [وفيها ضعف]. وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم، خلافًا لمن أعلَّها.
286- وعن نعيم المجمر قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ ، قَالَ: «آمِينَ» وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنْ الـجلُوسِ: الله أَكْبَرُ، ثُمَّ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ الله ﷺ» رواه النسائي وابن خزيمة. [صحَّحه البيهقي في الكبير (2/276)، والحاكم في المستدرك (768)، والخطيب البغدادي في الجهر بالبسملة (ص:16)، وغيرهم].
287- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَرَأْتُمْ الفَاتِحَةَ فَاقْرَءُوا: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا»، رواه الدارقطني، وصوَّب وقفه.
288- وعنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: «آمين»،. رواه الدارقطني وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه. ولأبي داود والترمذي من حديث وائل بن حُجر نحوه. [صحَّحه الدارقطني في السنن (2/133)، وابن حجر في التلخيص الحبير (2/675)].
289- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أَمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»، متفق عليه.
- يفتتحون الصلاة: أي يبتدئون القراءة في الصلاة.
- أم القرآن: هي الفاتحة، وسميت بذلك لاشتمالها على مجموع المعاني التي في القرآن، من الثناء على الله تعالى، ومن التعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد.
- الفاتحة: سميت بالفاتحة لأن المصحف يُفتتح بها كتابةً، ولأن القراءة في الصلاة تُفتتح بها، فلا يُقرأ في الصلاة بشيء من القرآن قبل الفاتحة.
- أمَّن: أي: قال آمين. وآمين: معناها: اللهمَّ استجب لي، وفي ألفها لغتان: (أمين) بقصـر الألف، و(آمين) بالمد، والمدّ أكثر.
- إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا: أي: إذا بلغ الموضع الذي يقول فيه الإمام التأمين، فأمنوا معه.
- مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ: معناه وافقهم في وقت التأمين فأمن مع تأمينهم.
- غفر له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ: أي من الصغائر.
1 - في روايات حديث أنس دليل على أن السنة في البسملة الإسرار، وعدم الجهر بها، فتقرأ في الصلاة قبل الفاتحة، ولكن سرًّا، وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة[9].
2 - ظاهر حديث أبي هريرة أن السنة الجهر بالبسملة في الصلاة، وهو مذهب الشافعية[10]، وجمع بعض العلماء بين الأحاديث أن النبي ﷺ فعل الأمرين، والإسرار أكثر، فيسن للمصلي التنويع، يفعل هذا مرة وهذا مرة، قال ابن القيم: (ثم يقرأ الفاتحة يجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها)[11]، وقد قال ابن كثير: (هذه المسألة قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر، ولله الحمد والمنة)[12].
3 - في حديث أبي هريرة الثاني دليل على أن البسملة آية من الفاتحة، وهذا هو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد[13].
4 - في حديث أبي هريرة الثاني وما بعده دليل على أن التأمين سنة مشروعة في الصلاة، وأنها تقال بعد الفاتحة، ولا خلاف بين الفقهاء في هذا، وفيه أن السنة الجهر بالتأمين في الجهرية، يجهر الإمام والمنفرد والمأموم، وهو مذهب الحنابلة، ومذهب الشافعية أيضًا في الإمام والمنفرد، أما المأموم فيجهر عندهم بالتأمين إذا لم يؤمن الإمام [14].
5 - وفيها أيضًا دليل على مشروعية التأمين للمأموم خلف الإمام، وظاهر الأمر في الحديث الوجوب، وهو قول الظاهرية، والجمهور على أن التأمين في الصلاة غير واجب، وهو الراجح[15].
6- في حديث أبي هريرة الأخير دليل على أن الإمام يؤمن، وهو اختيار الشافعي وغيره، وذهب مالك إلى أن التأمين للمأموين.
استدل الشافعي والبخاري على مشروعية جهر الإمام بالتأمين بدلالة اللزوم؛ حيث علَّق تأمين المؤتمين بتأمينه ولا يعلمونه إلا بسماعه[16].
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: 20]
وقال الله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78].
وقال الله تعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].
قال القرطبي: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الصَّلَاةُ هُنَا الْقُرْآنُ، وَالمَعْنَى: الَّذِي يُتْلَى فِي الصَّلَاةِ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وعن الزنى وَالْمَعَاصِي).
290- وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْـرِ - فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ- بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، وَيَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ»، متفق عليه.
291- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ الله ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْـرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿ الم ١ تَنْزِيلُ ﴾ [السجدة]، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي الأُولَيَيْنِ مِنْ العَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ». رواه مسلم.
292- وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان: كَانَ يُطِيلُ الأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، ويُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الـمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْـمُفَصَّلِ، وَفِي العِشَاءِ بِوَسَطِهِ، وَفِي الصُّبْحِ بِطُوالِهِ»، أخرجه النسائي بإسنادٍ صحيح. [وصحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (520)، وابن حبان في الصحيح (1837)، وابن رجب في فتح الباري (4/433)].
293- وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي الـمَغْرِبِ بِالطُّورِ. متفق عليه.
294- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ كان في سفر، فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه» متفق عليه.
295- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الـجمْعَةِ: ﴿ الم ١ تَنْزِيلُ ﴾ [السجدة]، و ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ متفق عليه. وللطبراني من حديث ابن مسعود: (يُدِيمُ ذَلِكَ). [أعله بالإرسال أبو حاتم في العلل (586)، والدارقطني في العلل (2/519)].
296- وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿ ﭐ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «سلوه لأي شيء صنع ذلك؟» فسألوه. فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله ﷺ: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» متفق عليه.
297- وعن حذيفة قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة - فذكر الحديث وفيه- يقرأ مترسلًا إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تعوَّذ»، رواه مسلم.
البراء بن عازب بن الحارث الخزرجي الأنصاري، أبو عمارة، صاحب رسول الله ﷺ وابن صاحبه، استصغر يوم بدر، قيل: أول مشاهده أحد، وقيل: الخندق، شهد غزوة تستر مع أبي موسى، وشهد مع عليّ رضي الله عنه الجمل وصفّين وقتال الخوارج، ونزل الكوفة، ومات بها في إمارة مصعب بن الزبير، سنة (72).
- بفاتحة الكتاب وسورتين: أي: في الركعتين، في كل ركعة سورة.
- كنا نَحزِر - بضم الزاي وكسرها-: أي: نقدِّر.
- قدر ﴿ الم ١ تَنْزِيلُ ﴾ [السجدة]: قدرها ثلاثون آية، وذلك في كل ركعة من الأوليين في الظهر.
- وفي الأخريين قدر النصف من ذلك: أي: النصف مما يقرأ في الأولى، ونصفها خمس عشرة آية.
- كان فلان: أي: الأمير الذي كان على المدينة.
- المفصَّل: أي: سور المفصل، وهو يبدأ من سورة (ق) إلى نهاية سورة (الناس)، وقيل: من الحجرات إلى الناس، وسمي المفصل بذلك لكثرة الفواصل بين سوره، وهو على ثلاثة أقسام:
1 - طوال المفصل: من سورة (ق) إلى (عم).
2 - أواسط المفصل: من سورة (عم) إلى (الضحى).
3 - قصار المفصل: من سورة (الضحى) إلى آخر المصحف، وقيل غير ذلك.
- سرية: السَّرية: القطعة من الجيش لا تتجاوز الأربعمائة.
- فيختم بـ ﴿ ﭐ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ : أي: يختم قراءته في كل ركعة بقراءتها.
- صفة الرحمن: كانت كذلك؛ لأن فيها أسماء الله تعالى وصفاته، وأسماؤه مشتقة من صفاته.
- يقرأ مترسِّلًا: الترسُّل: هو التأني وعدم العجلة.
1 - في حديث أبي قتادة دليل على مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين في صلاتي الظهر والعصر، وهو كذلك في بقية الصلوات، قال ابن قدامة: (لا نعلم خلافًا أن قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة)، وكذلك الأمر في النوافل.
2 - وفيه: أنه يجوز الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصـر والعشاء، وكذلك في ثالثة المغرب.
3 - وفي حديث أبي قتادة: أن قراءة سورة كاملة أفضل من قراءة بعض سورة طويلة.
4 - وفيه دليل على جواز الجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية أحيانًا؛ ليعلم من خلفه أنه يقرأ، كما أن فيه دليلا على مشروعية تطويل الركعة الأولى على الثانية.
5 - واستدل بقوله: «وكان يسمعنا الآية أحيانًا» على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سنة.
6 - في حديث أبي سعيد دليل على مشـروعية تطويل القراءة في الأوليين من الظهر، وعلى استحباب التخفيف في العصر بحيث تكون القراءة فيها على النصف من الظهر.
7 - في حديث أبي هريرة بيان للسنة في القراءة في الصلوات الخمس، وأن السنة أن يقرأ في صلاة الفجر من طوال المفصل، وهذا هو الغالب، وأن السنة في صلاة المغرب أن يقرأ فيها من قصار المفصل، وهذا هو الغالب أيضًا، وأن السنة في الظهر والعصر والعشاء أن يقرأ فيها بأواسط المفصل.
8 - في حديث جبير بن مطعم دليل على جواز القراءة في المغرب بطوال المفصل، كسورة الطور، والمرسلات كما في الصحيحين، وهذا قليل من فعله ﷺ، والذي كان يداوم عليه أنه كان يقرأ في المغرب من قصار المفصل.
9 - في حديث أبي هريرة (الثاني) دليل على مشـروعية قراءة سورتي (السجدة) و(الإنسان) في صلاة الفجر يوم الجمعة بكمالهما، واستحباب قراءتهما هو قول الجمهور، قال أحمد: (ولا أحب أن يداوم عليها لئلا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة)[17].
10- قال العلماء: كانت صلاة رسول الله ﷺ تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل ولا شغل هناك له ولا لهم طوَّل، وإذا لم يكن كذلك خفف، وقد يريد الإطالة ثم يعرض ما يقتضي التخفيف كبكاء الصبي ونحوه.
11- في حديث البراء دليل على تخفيف القراءة في السفر، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تقصير القراءة في السفر.
12- في حديث عائشة دليل على جواز الجمع بين سورتين في ركعة واحدة.
13- في حديث حذيفة دليل على أن على المصلي أن يتدبر ما يقرأه في الصلاة، وأن السنة أنه يسبح الله تعالى إذا مر بآية فيها تنزيه له سبحانه، وأن يسأل إذا مرَّ بآية فيها سؤال، ويتعوذ إذا مرَّ بآية فيها تعوُّذ، وهذا وإن جاء في صلاة الليل فقد ذهب الشافعية -وهو المذهب عند الحنابلة- إلى أنه يشرع كذلك في الفرض من غير كراهة، سواء في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد[18].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الحكمة في تطويـل صلاة الصبح: أن ملائـكة الليل وملائـكة النـهار يحضرونـها، كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]، ولأنه يقع في وقت غفلة بالنوم، فاحتاج إلى التطويل ليدرك الناس الصلاة، وأما تقصير المغرب فلقصر وقتها، وبقيت الظهر والعصر والعشاء على الأصل، فلذلك كانت القراءة فيها وسطًا.
وهذا بالنسبة للإمام الذي يؤم الناس، ويرتبط المصلون بصلاته، وأما المنفرد فليصل ما شاء، وكيف شاء، ما دام لم يخرج عن العرف[19].
2 - في حديث البراء بن عازب استحباب تحسين الصوت في القراءة في الصلاة؛ لأنه يبعث على الخشوع وحضور القلب.
3 - إنما كان ﷺ يقرأ سورتي (السجدة) و(الإنسان) في فجر الجمعة؛ لأنهما تضمنتا ما كان وما سيكون في يومها؛ فإنهما اشتملتا على خلق آدم عليه الصلاة والسلام، وعلى ذكر المعاد والحشر للعباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكأن في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون؛ ليعتبروا بما كان، ويستعدوا لما يكون[20].
4 - فضل سورة الإخلاص واستحباب قراءتها، وتفضيل بعض القرآن على بعض عائد لما يحتوي عليه المفضَّل من تمجيد الله تعالى والثناء عليه.
5 - ينبغي للمصلي وقارئ القرآن أن يكون حاضر القلب عند تلاوة كتاب الله عز وجل، فإن انتفاعه به على قدر تدبره له بقلبه وفكره. قال ابن القيم -رحمه الله-: (إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع عند تلاوته وسماعه قلبك، وألق سمعك، وأحضر حضور من يخاطب به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق:37] ... فهذا هو المحل القابل، والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله... ﴿ أَلْقَى السَّمْعَ ﴾ أي: وجه سمعه، وأصغى بحاسة سمعه، ﴿ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ أي: شاهد القلب، ليس بغافل ولا ساه، فإذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل الحيّ، ووجد الشرط، وهو الإصغاء، وانتفى المانع: حصل الانتفاع)[21].
1- قاعدة: (أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض ما لم يرد مخصِّص)، استدل الشافعية والحنابلة بهذه القاعدة الفقهية على مشروعية الدعاء عند قراءة آية الرحمة، وإن كان الحديث واردًا في صلاة الليل.
2- دلَّت صيغة (كان) في حديث أبي هريرة على المداومة، والجمع بينه وبين ما جاء في حديث جبير: «سمعته يقرأ بالطور»، وحديث البراء في صلاة العشاء: أن الغالب من هدي النبي ﷺ أنه كان يقرأ في المغرب من قصار المفصل، وفي العشاء من الأواسط، وفي الفجر من الطوال، ولكنه قد يفعل غير ذلك أحيانًا.
3 - حين سمع جبير بن مطعم قراءة النبي ﷺ سورة (الطور) كان كافرًا، وبلَّغها وهو مسلم، وقد قال العلماء: العبرة بأداء الشهادة لا بتحملها، فمن تحمَّلها وهو كافر أو فاسق، ثم أداها مسلمًا أو عدلًا؛ قبلت شهادته، والرواية مثل الشهادة[22].
الذكر في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع:
قال تعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: 74] وقال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1]، وقال الله تعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 3]
298- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول ﷺ: «ألا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، رواه مسلم.
299- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللهمّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهمَّ اِغْفِرْ لِي»، متفق عليه.
300- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْـحَمْدُ» ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الـجلُوسِ». متفق عليه.
301- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الْـحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْـمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللهمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الـجدِّ مِنْكَ الـجدُّ»، رواه مسلم.
- قَمِنٌ - بفتح القاف وفتح الميم وكسرها -: أي: جدير وحقيق.
- وَإِنِّي نُهِيتُ: أي نهاني الله تعالى.
- فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ: أي بقول: سبحان ربي العظيم، وأمثاله مما ورد في الركوع.
- سُبْحَانَكَ اللهُمّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ: المراد: أسبح تسبيحًا مقترنا بالحمد.
- سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: أي: استجاب اللهُ لمن وصفه بصفات الكمال حبًا وتعظيمًا.
- الصُّلْبُ: عظام الظَّهر، ويطلق على الظَّهر ككل.
- مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ: أي: لو قُدِّر أن تكون تلك الكلمات أجسامًا تملأ الأماكن، فاجعلها تبلغ من كثرتها ما يملأ السماوات والأرض.
- أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْد: على نصب (أهلَ): يكون المعنى: يا أهل الثناء، وعلى الرفع (أهلُ)، يكون المعنى: أنت أهلُ الثناء. والمجد: العظمة، ونهاية الشرف.
- أَحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ: أي: أحق كلام قاله هو ما يلي.
- لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ: أي: لا أحد يمنع ما أعطاه الله تعالى لأحدٍ ما من العطاء.
- وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ: أي: ولا أحد يستطيع أن يعطي شيئًا منعه الله أحدًا من عباده.
- الجَدّ - بفتح الجيم-: الحظ والغنى والعظمة والسلطان.
- مِنْكَ الجَدُّ: أي: عندك حظه وغناه، فلا ينفعه ذلك الحظ، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح.
1 - في حديث ابن عباس دليل على النهي عن قراءة القرآن في حال الركوع والسجود، وقد اتفق الفقهاء على كراهة قراءة القرآن في الركوع[23].
2 - وفيه دليل على مشروعية تعظيم الله تعالى في حال الركوع، وقد اتفق العلماء على صيغة: (سبحان ربي العظيم) [24]، ويجوز نحوها من الأذكار الواردة في الركوع [25].
3 - وفيه دليل على مشروعية الدعاء في السجود والإكثار منه؛ بأي دعاء سواء أكان يتعلق بأمر ديني أو دنيوي أو أخروي.
4 - في حديث عائشة دليل على مشروعية قول المصلي في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) والإكثار منه.
5 - وفيه دليل على جواز الدعاء في الركوع، والأفضل الاقتصار على المأثور، والدعاء في السجود هو الأصل والأكثر، للأمر بالاجتهاد في الدعاء فيه، وفي الركوع الأمر بتعظيم الرب تعالى [26].
6 - في حديث أبي هريرة إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا في رفعه من الركوع، فإنه يقول سمع الله لمن حمده، وهذا مجمع عليه، والتسميع عند القيام من الركوع وتكبيرات الانتقال، وسائر أذكار الصلاة سنة عند الجمهور[27]، والمذهب عند الحنابلة وجوب ذلك؛ لأنَّ الوجوب هو الأصل في أفعاله ﷺ في الصلاة؛ لحديث: «صلُّوا كما رأيتُمُوني أصلي».
7 - وفيه دليل على مشروعية قول: (ربنا ولك الحمد) عقب قول: (سمع الله لمن حمده)، ووردت فيه صيغ أخرى مقاربة، منها: (ربَّنا لك الحمد)، (اللهم ربنا ولك الحمد)، (اللهم ربنا لك الحمد).
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال شيخ الإسلام: (قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء من حيث الجملة؛ لكن قد يكون المفضول أفضل من الفاضل في بعض الأحوال، كما أن الصلاة أفضل من ذلك كله. ومع هذا فالقراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي عن الصلاة كالأوقات الخمسة، ووقت الخطبة، هي أفضل من الصلاة، والتسبيح في الركوع والسجود أفضل من القراءة، والتشهد الأخير أفضل من الذكر. وقد يكون بعض الناس انتفاعه بالمفضول أكثر بحسب حاله، إما لاجتماع قلبه عليه، وانشراح صدره له، ووجود قوته له، مثل من يجد ذلك في الذكر أحيانًا، دون القراءة، فيكون العمل الذي أتى به على الوجه الكامل أفضل في حقه من العمل الذي يأتي به على الوجه الناقص، وإن كان جنس هذا، وقد يكون الرجل عاجزًا عن الأفضل فيكون ما يقدر عليه في حقه أفضل له، والله أعلم) [28].
2 - قوله: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» هذا الذكر في غاية المناسبة؛ لما فيه من التذلل، والتضرع لله تعالى، وتنزيهه تعالى عن النقائص والعيوب، وإثبات المحامد له، ثم بعد هذا كله سؤاله المغفرة، ويكون هذا والعبد في غاية الذل والخضوع لله تعالى راكعًا وساجدًا[29].
3 - قال النووي -رحمه الله- عن الذكر في حديث أبي سعيد: (فيه كمال التفويض إلى الله تعالى، والاعتراف بكمال قدرته وعظمته، وقهره وسلطانه، وانفراده بالوحدانية، وتدبير مخلوقاته)[30].
1 - قوله: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ»: الأمر هنا للوجوب؛ ولا صارف يصـرفه إلى الندب، وهو ما ذهب إليه أحمد، بينما استدل من قال بأنه سنة: بأن النبي ﷺ علَّم المسـيء صلاته واجبات الصلاة، ولم يذكر تكبيرات الانتقال، ولا سائر أذكار الصلاة، وهذا موضع البيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقته.
2 - لفظ (الدعاء) في حديث ابن عباس عام؛ لأنه مفرد محلى بـ (ال)، فدل على أنه لا يختص بالمأثور.
3- قوله: «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم» لا مفهوم لهن فلا يمتنع الدعاء في الركوع، بدليل حديث عائشة، ويمكن أن يحمل حديث عائشة على الجواز، وذلك على الأولوية[31].