حجم الخط:

محتوى الدرس (34)

صفة السجود وحكم جلسة الاستراحة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: 29]

وقال الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: (نَزَلَتْ فِي أَعْضَاءِ السُّجُودِ، أَيْ: هِيَ لِلَّهِ فَلَا تَسْجُدُوا بِهَا لِغَيْرِهِ).

[الأحاديث]

302- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»، أخرجه الثلاثة وهو أقوى من حديث وائل بن حجر. [ضعَّفه الترمذي في السنن (269)، وحمزة الكناني فيما نقله ابن رجب في فتح الباري (5/90)، والبيهقي في الكبير (3/551)، وغيرهم]، وله شاهد من حديث ابن عمر صحَّحه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقًا موقوفًا. [وصحَّح وقفه البيهقي في الكبير (3/552)، وقال ابن المنذر في الأوسط (3/327): وقد تُكُلِّم في حديث ابن عمر، قيل: إن الذي يصح من حديث ابن عمر موقوف].

303- وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ»، أخرجه الأربعة. [ضعَّفه الترمذي في السنن (268)، والدارقطني في السنن (2/150)، والحازمي فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (2/725)، وغيرهم].

304- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الـجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ» متفق عليه.

305- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» متفق عليه.

306- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض؛ بسط ثوبه فسجد عليه» متفق عليه.

307- وعن ابن بحينة رضي الله عنه: «أَنَّ رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى وسَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ»، متفق عليه.

308- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ»، رواه مسلم.

309- وعن وائل بن حجر رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ»، رواه الحاكم. [وفي إسناده انقطاع].

310- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» رواه النسائي، وصحَّحه ابن خزيمة. [معلول أعلَّه النسائي في السنن (1677)، ومحمد بن نصر المروزي في مختصـر قيام الليل (ص201)].

311- وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» رواه البخاري.

312- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «رَمَقْتُ الصلاةَ مع محمد ﷺ فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف؛ قريبًا من السواء»، متفق عليه واللفظ لمسلم، وزاد البخاري: «ما خلا القيام والقعود».

313- وعن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا»، قال ثابتٌ: «فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مَكَثَ حتى يقولَ القائل: قد نسي» متفق عليه.

314- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللهمَّ اِغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» رواه الأربعة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود، وصحَّحه الحاكم. [أعلَّه الترمذي في السنن (285)، وذكره ابن عدي في الكامل (8/693)، وابن حبان في المجروحين (2/178) في منكرات كامل بن العلاء] [1].

ترجمة الراوي:

عبد الله بن بحينة: هو عبد الله بن مالك بن جندب الأزدي، وبحينة اسم أمه، وهي بنت الحارث بن عبد المطلب، وهو، وأبوه، وأمه صحابيون، أسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، مات سنة (56).

التوضيح:

- لا يبرك كما يبرك البعير: أي: لا يقع على ركبتيه كما يقع البعير عليهما حين يقعد.

- انبساط الكلب: أي: بأن يضع ذراعيه على الأرض.

- أُمرت: أي: أمرني الله تعالى.

- واليدين: أي: الكفين.

- وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ: قال ابن دقيق العيد: معناه أنه جعلهما كأنهما عضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية.

- فِي شِدَّةِ الْحَرّ: أي: في صلاة الظهر، فإن وقتها هو الوقت الذي يشتد فيه الحر.

- بَسَطَ ثَوْبَه: أي: بسط جزءًا من ثوبه الذي يلبسه تحت جبهته اتقاء لحر الأرض.

- فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْه: أي: باعد بينهما، أي: نحَّى كل يد عن الجنب الذي يليها.

- فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ: أي: فتح، وفرَّق بين أصابعه.

- مُتَرَبِّعًا: صفة التربع: أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسـرى، وباطن اليسـرى تحت اليمنى، وعندما يصلي بهذا الجلسة: يجعل كفيه على ركبتيه.

- كان فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ: أي: في الركعة الأولى، أو في الثالثة من الرباعية.

- رمقت: أطلت النظر.

- لا آلُو: أي: لا أقصِّر.

- حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قد نسي: أي: نسي أنه في صلاة.

- وارحمني: الرحمة تقتضي إنعام الله تعالى وإحسانه على عبده، وجمع في الدعاء بين طلب المغفرة والرحمة؛ لأن بالرحمة يحصل المطلوب، وبالمغفرة يزول المرهوب.

- واهدني: أي: دلني وألهمني ووفقني.

- وعافني: أي: ادفع وارفع عني الأسقام والبلايا الظاهرة والباطنة.

- وارزقني: الرزق: هو اسم عام لما يقوم به الدين من العلم والإيمان والعمل الصالح، وما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على أن السنة أن ينزل المصلي إلى السجود مقدمًا يديه على ركبتيه، وأخذ بذلك المالكية[2]، وفي حديث وائل بن حجر أن السنة للمصلي أن ينزل على ركبتيه أولًا، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، وهو قول جمهور الفقهاء[3]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما الصلاة بكليهما فجائزة باتفاق العلماء إن شاء المصلي يضع ركبتيه قبل يديه وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه وصلاته صحيحة في الحالتين باتفاق العلماء. ولكن تنازعوا في الأفضل. فقيل: الأول كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وقيل: الثاني كما هو مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى)[4].

2 - في حديث ابن عباس دليل على أن أعضاء السجود سبعة، وأنه يجب على الساجد أن يسجد عليها كلها [5].

3- وفيه أن الأنف تابع للجبهة واستدل بهذا من أوجب السجود على الأنف مع الجبهة، وقال كثير من العلماء: السجود على الأنف مستحب غير واجب[6]. قال ابن عبد البر: (في هذا الحديث ما يدل أن السجود على الأنف والجبهة جميعًا، وأجمع العلماء على أنه إذا سجد على جبهته وأنفه فقد أدى فرض سجوده، واختلفوا فيمن سجد على أنفه دون جبهته أو على جبهته دون أنفه).

4 - في حديث أنس الأول دليل على مشروعية الاعتدال في السجود على الهيئة المشروعة، بأن يضع كفه على الأرض ويرفع مرفقيه عنها وعن جنبيه، ويرفع البطن عن الفخذ.

5 - وفي حديث أنس الثاني دليل على عدم وجوب مباشرة المصلى للأرض، وأن له السجود على ما هو متصل به عند الحاجة إليه، من حر، وشوك، ونحو ذلك [7].

6 - وفيه دليل على أن مباشرة ما باشر الأرض بالجبهة واليدين هو الأصل؛ فإنه علَّق بسط الثوب بعدم الاستطاعة. وذلك يفهم منه أن الأصل والمعتاد عدم بسطه.

7 - في حديثي ابن بحينة والبراء دليل على أن السنة في السجود أن يباعد الساجد عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، وهذه الصفة مستحبة للرجال؛ لأن فيها إعمال اليدين في العبادة، وإخراج هيئتها عن صفة التكاسل والاستهانة إلى صفة الاجتهاد، والفقهاء خصُّوا ذلك بالرجال، وقالوا: المرأة تضمُّ بعضها إلى بعض؛ لأن المقصود منها التصوُّن والتجمع والتستر؛ سُئل ابن عباس عن صلاة المرأة فقال: تجتمع وتحتفز، وورد في ذلك حديث لا يصح[8].

8 - في حديث وائل بن حجر الثاني دليل على استحباب تفريج الأصابع عند الركوع، واستحباب ضم أصابع اليدين في السجود؛ لتكون متوجهة إلى سمت القبلة.

9 - دلَّ حديث عائشة على جواز أن يجلس المصلي متربِّعًا إذا صلى جالسًا لعذر، فإذا سجد افترش للسجود والاعتدال منه والتشهد.

10 - وفي حديث مالك بن الحويرث دليل على استحباب جلسة الاستراحة في كل ركعة وترية، وهو ما ذهب إليه الشافعية[9]، وكرهها الجمهور لمن ليس به عذر، أو كِبَر[10].

11 - وفي حديث البراء دليل على أن الأفضل أن يكون الركوع والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، متقاربة المقادير، فتكون الصلاة في جملتها متناسبة.

12 - وفي رواية البخاري استثناء القيام والقعود للتشهد، فالسنة أن يكون القيام للقراءة، والجلوس للتشهد الأخير، أطول من بقية الأركان نسبيًا.

13 - وفيه دليل على أن الرفع من الركوع، والجلوس بين السجدتين يجوز تطويلهما، فهو نص على أن الاعتدال من الركوع ومن السجود ركنان طويلان، خلافًا للشافعية القائلين بأنهما ركنان قصيران[11].

14 - في حديث ابن عباس الثاني دليل على مشـروعية الدعاء في الجلسة بين السجدتين، والأولى أن يأتي بالمأثور عن النبي ﷺ، «اللَّهُمَّ اغفِر لِي، وَارْحَمنِي، وَاهدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقنِي» أو «رب اغفر لي، رب اغفر لي»، رواه أحمد عن حذيفة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - السجود على هذه الأعضاء محبوب إلى الله تعالى، وهو من أجل العبادات؛ لما في مباشرة المصلِّي لأديم الأرض بجبهته من استكانة وتواضع لله تعالى، قال ابن القيم: «حكمة السجود: أنه يعفر وجهه في التراب استكانة، وتواضعًا، وخضوعًا، وإلقاء باليدين وكان النبي ﷺ لا يتقي الأرض بوجهه قصدًا بل إذا اتفق له ذلك فعله. ولذلك سجد في الماء والطين، ولهذا كان من كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين. فهذا فرض أمر الله به رسول وبلَّغه الرسول لأمته. ومن كماله الواجب أو المستحب مباشرة مصلاه بأديم وجهه واعتماده على الأرض بحيث ينالها ثقل رأسه وارتفاع أسافله على أعاليه، فهذا من تمام السجود، ومن كماله أن يكون على هيئة يأخذ فيها كل عضو من البدن بحظه من الخضوع، فيقلُّ بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يفرشهما على الأرض، ليستقل كل عضو منه بالعبودية. ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدًا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: يا ويله أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرت بالسجود فعصيت فلي النار » [12].

2 - في حديث أنس الثالث دليل على حرص الصحابة، وشدة متابعتهم لأحوال النبي ﷺ وما كان عليه، واهتمامهم بتبليغ الناس جميع تفصيلات ذلك.

3 - المقصود من هذه الهيئات المذكورة هو التحلِّي بما ينبغي أن يكون عليه المصلي من مظاهر الخشوع، بحيث يتواطأ الظاهر مع الباطن في ذلك، وهي أعظم هيئات الخضوع والتعظيم لله تعالى.

4- يقول ابن القيم -رحمه الله-: (وهو ﷺ نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات؛ فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدي المصلي مخالف لهدي الحيوانات)[13].

طريقة الاستدلال:

1 - السجود على الأعضاء المذكورة في حديث ابن عباس واجب؛ لأن من الصيغ الدالة على الوجوب التصريح بلفظ الأمر.

2 - في حديث أنس الثاني قوله: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر..»، استدلال بإقرار النبي ﷺ على جواز ذلك، وقد سبق أن ما فُعل بحضرة النبي ﷺ وأقرَّه يعتبر حجة؛ لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقته.

3 - الجلسة التي ذكرت في حديث مالك بن الحويرث تسمى جلسة الاستراحة، ولا ريب أنه فعلها، ولكن هل فعلها على أنها من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره، أو لحاجته إليه لما أسن وأخذه اللحم؟ وهذا الثاني لوجوه:

أحدها: أن فيه جمعًا بينه ويبن حديث وائل بن حجر وأبي هريرة أنه كان ينهض على صدور قدميه.

الثاني: لو كان هديه فعلها دائما لذكرها كل من وصف صلاته ، ومجرد فعله لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها على أنها سنة يقتدى به فيها.

الثالث: أن الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على مشاهدة أفعاله وهيئات صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم فكان عبد الله بن مسعود يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولا يجلس[14].

وقد عقد ابن أبي شيبة في مصنفه (1/346-347) بابًا في عدم مشـروعية جلسة الاستراحة روى فيه عن أبي العلاء، عن إبراهيم قال: «كان ابن مسعود في الركعة الأولى والثالثة لا يقعد حين يريد أن يقوم حتى يقوم». وعن الزهري قال: «كان أشياخنا لا يمايلون، يعني، إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة ينهض كما هو، ولم يجلس». وعن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد، من أصحاب النبي ، «فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس». وهذه الأسانيد صحيحة.

القنوت في الصلاة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل: 62].

وقال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60].

[الأحاديث]

315- وعن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ العَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ»، متفق عليه.

316- وعنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ»، صحَّحه ابن خزيمة. [وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/431)، وابن حجر في فتح الباري (8/226)، وغيرهما].

317- وعنه قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا»، رواه أحمد. (ضعَّفه الأثرم، وابن رجب في فتح الباري (6/273)، وابن الجوزي في التحقيق (3/59)، وابن القيم في زاد المعاد (1/269)، وغيرهم).

318- وعن سعد بن طارق الأشجعي قال: «قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلَيَّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ»، رواه الخمسة إلا أبا داود. [وصحَّحه الترمذي في السنن (402)، وابن حبان في الصحيح (1989)، وابن حجر في التلخيص الحبير (2/701)، وغيرهم].

319- وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ الله ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الوِتْرِ: «اللهمَّ اِهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ»، رواه الخمسة [حسَّنه الترمذي في السنن (464)، وصحَّحه النووي في المجموع (3/462)، وقال ابن عبد الهادي في المحرر (260): هو مما ألزم الشيخان تخريجه]، وزاد الطبراني والبيهقي: «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ». (صحَّحها ابن حجر في التلخيص الحبير (2/709)]. زاد النسائي من وجه آخر في آخره: «وَصَلَّى الله عَلَى النَّبِيِّ». [ضعَّفها ابن حجر في نتائج الأفكار (2/153)].

320- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي القُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ»، رواه البيهقي وفي سنده ضعف.

ترجمة الرواة:

1 - سعد بن طارق: هو أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي الكوفي، تابعي عالم ثقة، مات في حدود (140)، وأبوه: طارق بن أَشْيَم بن مسعود الأشجعي، له صحبة، سكن الكوفة، تفرد ابنه بالرواية عنه.

2 - الحسن بن علي: هو أبو محمد، الإمام السيد، ريحانة رسول الله ﷺ، وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة، الشهيد، كان وسيمًا جميلًا، عاقلًا رزينًا، جوادًا ممدحًا، خيرًا دينًا، ورعًا محتشمًا، كبير الشأن، حج ماشيًا مرات، وقاسم الله ماله ثلاث مرات، مات سنة (50).

سبب حديث أنس الأول:

ما أخرجه مسلم (677) عن أنس رضي الله عنه قال: «بعث النبي ﷺ سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيَّان من بني سُليم: رِعْلٌ وذكوان عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ، فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت».

التوضيح:

- قنت: القُنوتُ في اللغة: يطلق على الطاعة، وعلى طول القيام، والمقصود به هنا الدعاء.

- يدعو على أحياء من العرب: الحي: القبيلة من العرب، وهم رِعْلٌ وذكوان.

- مُحدَث: أي: أمر مبتدع في الدين لم يرد به الشرع.

- فيمن هديت: أي: في جملة من هديت، والمعنى: كما هديت غيري فاهدني.

- وعافني: أي: ادفع عني الأمراض والأسقام والسوء والفتن في الدين والدنيا.

- وتولني: أي: تولَّ أمري كله وأصلحه.

- وبارك لي: أي: أكثر الخير لي، وأَدِمْ وجوده.

- فيما أعطيت: أي: فيما أعطيتني من خير.

- وقني شرَّ ما قضيت: أي: وجنبني ما قد قُدِّر عليَّ من شر.

- إنك تقضي ولا يقضى عليك: أي: تقدر وتحكم بكل ما أردت، ولا يقع حكم أحد عليك، ولا معقب لحكمك.

- إنه لا يَذِلُّ من واليت: أي: لا يذل من كان الله تعالى له حافظًا وناصرًا.

- ولا يعِزُّ من عاديت: أي: إنه لا عِزَّة لمن أذله الله.

- تباركت ربنا: أي: تعاظمت وكثر خيرك وبركتك.

- وتعاليت: أي: ارتفعت ذاتك، وعظمتك، وظهر قهرك، وقدرتك على العالمين.

- وصلَّى الله على النبي: الصلاة من الله: الثناءُ عليه في الملأ الأعلى.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أنس الأول دليل على مشروعية القنوت في النوازل، وثبت عن النبي ﷺ القنوت في الصلوات الخمس، وكان أكثر قنوته في الفجر[15].

2 - في حديث أنس الثاني دليل على أن القنوت في الفرائض لا يكون إلا للنوازل، وأن السنة الجهر به.

3 - حديث أنس الثالث دليل لمن رأى استحباب القنوت في صلاة الفجر، والمداومة عليه؛ لاستمرار النبي ﷺ عليه حتى مات، وهو مذهب المالكية، والشافعية[16]، لكن الحديث في ذلك ضعيف.

4 - في حديث سعد بن طارق دليل على أن القنوت في الفجر غير مشـروع، وأنه خلاف السنة، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة[17]. وقد ذهب الثوري وابن جرير الطبري إلى أن القنوت في الفجر مخير فيه، فمن شاء قنت ومن شاء ترك، وقرر هذا ابن حزم في المحلى، ورجَّح شيخ الإسلام وابن القيم إلى أن المداومة على القنوت في الصبح خلاف السنة، ولكن لا يُنكَر على من فعله، وينبغي على المأموم أن يتابع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإذا قنت قنت معه، وإن ترك القنوت لم يقنت أيضًا[18].

5 - في حديث الحسن رضي الله عنه دليل على مشروعية القنوت في الوتر، وظاهره أنه كان يقوله في كل وتر، وهو مقتضى إضافة الوتر إليه، من غير فرق بين رمضان وغيره [19].

6 - وفيه دليل على استحباب ختم الدعاء بالصلاة على النبي ﷺ، وهذه الزيادة لم تثبت عن النبي ﷺ، ولكنها ثبتت من فعل السلف، ومن فعل أبيّ بن كعب في إمامته بالناس في عهد عمر.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - يقول ابن القيم: (إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلَّصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت)[20].

2 - قال ابن حجر: (وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإجابة... أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام في الدعاء ولو بالتأمين، ومن ثمَّ اتفقوا على أنه يجهر به)[21].

3 - في معنى قوله: «إنه لا يذل من واليت» يقول العلماء: أي: لا يذل من واليت من عبادك في الآخرة، أو مطلقًا وإن ابتلي بما ابتلي به، وسلط عليه من أهانه وأذله باعتبار الظاهر؛ لأن ذلك غاية الرفعة والعزة عند الله وعند أوليائه، ولا عبرة إلا بهم، ومن ثم وقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الامتحانات العجيبة ما هو مشهور[22].

4 - الدعاء سلاح المؤمن وجُنَّته عند البلايا والمصائب والمحن.

طريقة الاستدلال:

1 - أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير أنهم كانوا لا يقنتون في صلاة الفجر، ولو كان رسول الله يقنت في صلاة الفجر لكانت سنة راتبة، ولم يخف ذلك، ولنقلوه كنقل جهر القراءة، وكل ما روى عن فعله إن صح فهو محمول على النوازل بالدعاء لقوم أو على قوم[23].

2 - قاعدة: لا إنكار في المختلف فيه اختلافًا سائغًا [24]، ولهذا ذكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه لا ينكر على من فعل القنوت في صلاة الصبح.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة