التشهد في الصلاة:
روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ التشهدَ إِلَّا مِنْ كِتَابِ الله، سَمِعْتُ الله يَقُولُ: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور:61]، فَالتَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ. ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَيُسَلِّمُ.
وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]
321- عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى اليُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ»، رواه مسلم، وفي رواية له: «وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالتِي تَلِي الإِبْهَامَ».
322- وعن عبدالله بن مسعود قال: الْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيّباتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةَ الله وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبُهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو»، متفق عليه. واللفظ للبخاري. وللنسائي: «كُنَّا نَقُولُ قَبْلِ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ». [صحَّحه الدارقطني في السنن (2/160)، وابن حجر في فتح الباري (2/312)]، ولأحمد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّد، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ». [ضعيف منقطع].
323- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ الله يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ الْـمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ..» إلى آخره، رواه مسلم.
324- وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنهما قال: سَمِعَ رَسُولُ الله ﷺ رِجْلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ»، رواه الثلاثة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان والحاكم.
325- وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ الله، أَمَرَنَا الله أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «قُولُوا: اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمتُم»، رواه مسلم. وزاد ابن خزيمة فيه: «فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟». [صحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (711)، والحاكم في المستدرك (1003)، وابن حبان في الصحيح (1959)، وحسَّنه الدارقطني في السنن (2/169)].
1 - فضالة بن عبيد: فضالة بن عبيد الأنصاري، من أهل الصفة، أسلم قديمًا، وشهد أحدًا وما بعدها مع رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى الشام، فنزل دمشق، وكان قاضيًا بها في زمن معاوية، مات فيها سنة (53).
2 - أبو مسعود: هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري، شهد ليلة العقبة وهو صغير، واختلف في شهوده بدرًا، واتفقوا على شهوده أحدًا، نزل الكوفة ومات بها في خلافة أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه سنة (40).
- واليمنى على اليمنى: أي: ووضع اليد اليمنى على ركبته اليمنى.
- وعقد ثلاثة وخمسين: وهي طريقة حسابية عند العرب تكون بعقد الأصابع، أي: باليد اليمنى، وصورته: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويشير بالمسبحة، ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة.
- السبَّابة: هي الإصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك للإشارة بها عند السب والمخاصمة، وتسمى أيضًا: المسبِّحة.
- التحيات لله: جمع تحية، وهي هنا كل قول أو فعل دال على التعظيم.
- والصلوات: جميع أنواع الصلوات، لا يستحقها أحد سواه، ولا يجوز أن تصرف لأحد غيره.
- والطيبات: أي: جميع الأقوال والأفعال الطيبة لله، فهو لا يقبل سبحانه إلا الطيب.
- السلام عليك أيها النبي: أي: سلِمتَ من المكاره والمذامِّ والآفات في الدنيا والآخرة.
- وبركاته: أي: الخيرات الكثيرة المستمرة، ومنها: كثرة الأتباع، وانتشار الشريعة.
- السلام علينا: أي: على الحاضرين من الإمام، والمأمومين، والملائكة.
- رجلًا يدعو في صلاته: أي: بعد التشهد.
- وعلى آل محمَّد: هم أهل بيته الذين حرموا الصدقة، نص عليه أحمد والشافعي، وهم: بنو هاشم من ذرية أبي طالب والعباس والحارث أبناء عبد المطلب أعمام النبي ﷺ فذرية هؤلاء الثلاثة أهل بيته، وكذلك ذرية أبي لهب عند الجمهور، وفي تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته: روايتان، الأصح دخولهن[1].
- كما صليت على آل إبراهيم: يعني: كما أنك سبحانك سبق الفضل منك على آل إبراهيم؛ فألحق الفضل منك على محمد وآله.
- في العالمين: جمع عالَم - بفتح اللام- وهم كل مَن سوى الله تعالى.
- حميد: فعيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، فهو حامد ومحمود، حامد لعباده الذين قاموا بأمره، ومحمود على ما له من صفات الكمال وجزيل الإنعام.
- مجيد: فعيل بمعنى فاعل، أي: الماجد، وهو من كمل في الشـرف والكرم والصفات المحمودة، وهو ذو المجد والعظمة وكمال السلطان.
1 - في حديث ابن عمر بيان صفة الجلوس للتشهد، وأن السنة أن يضع بطن كفه اليسـرى على فخذه قريبًا من ركبته، باسطًا لأصابعها، وأن يضع يده اليمنى على فخذه قريبًا من ركبته [2].
2 - وفيه أن السنة في اليمنى أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل المسبحة، ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة، وهو عقد ثلاثة وخمسين، وفي الرواية الأخرى بيان لصفة ثانية، وهي أن يقبض الأصابع كلها، ويشير بالسبابة.
3 - في حديث ابن مسعود دليل على وجوب التشهد في آخر الصلاة، وأنه ركن من أركان الصلاة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة [3].
4 - اختلفت ألفاظ التشهد في حديثي ابن مسعود، وابن عباس، وذلك من اختلاف التنوع، وهو ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، فبأي تشهُّدٍ تشهَّدَ مما صح عن النبي ﷺ جاز [4].
5 - اتفق العلماء على أنه يشرع للمصلي بعد التشهد الأخير أن يدعو بما شاء [5]، والأفضل أن يدعو بالمأثور [6].
6 - في حديث أبي مسعود بيان لكيفية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، وقد صح عن النبي ﷺ في ذلك عدة صيغ، والأفضل التنويع بينها.
7 - وفيه دليل ركنية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وهو قول الشافعية، والحنابلة[7]، وأقلَّه: اللهم صل على محمد ونحوها من العبارات، وما زاد عليه فهو سنّة.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - للإشارة بأصبعه المسبحة عند ذكر الله تعالى معان كريمة؛ فهي تشير إلى وحدانية الله تعالى، وتفرّده في الإلهية وعبادته، كما تشير إلى علوه تعالى على خلقه ذاتًا وصفة، وقدرًا وقهرًا، فقد روي عن ابن عباس أنه قال في الإشارة: (هو الإخلاص)، فالحكمة في ذلك: أن يجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد[8].
2 - في قوله: «السلام عليك أيها النبي»: أتى الخطاب للحاضر؛ تنزيلًا له بمنزلة المواجه، لقربه من القلب وقوة الاستحضار له حين السلام عليه، كأنه حاضر أمام المصلي يخاطبه.
3- من أراد أن يحظى بهذا السّلام الذي يسلِّمه الخلق في الصَّلاة، فليكن عبدًا صالحًا، وإلا فقد حرم هذا الفضل العظيم[9]، وفيه أن ترك الصّلاة يضرّ بجميع المسلمين؛ لأن تاركها تارك للتّشهد، وبتركه يكون مقصّرًا في حق الله، ورسوله، ونفسه، وحق كافة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بترك الصلاة.
4 - وفي حديث فضالة بن عبيد دليل على أدب من آداب الدعاء، وهو تقديم الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ قبل الشروع في الدعاء، وكل ذلك تضمنه التشهد.
5 - الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، فإذا صادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب، وذلًا وتفرغًا ورقةً، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد ﷺ، ثم قدَّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألح في الدعاء عليه في المسألة، ودعاه رغبة ورهبةً، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا، لا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة، ومن الآفات التي تمنع ترتيب أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيَدَعُ الدعاء[10].
1 - قال ابن القيم: (ويستفاد الوجوب بالأمر تارة، وبالتصريح بالإيجاب والفرض والكتب، ولفظة «على»، ولفظة «حق»على العباد، وعلى المؤمنين، وترتيب الذم والعقاب على الترك، وإحباط العمل بالترك، وغير ذلك)[11]، واستدل من يرى وجوب التشهد بحديث ابن مسعود: «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد»؛ لأن (فرض) من الصيغ الدالة على الوجوب كما مر في كلام ابن القيم.
2 - استدل بحديث فضالة على وجوب التشهد والصلاة على النبي ﷺ، قال النووي: (وهذا الحديث وإن اشتمل على ما لا يجب بالإجماع كالصلاة على الآل والذرية والدعاء فلا يمتنع الاحتجاج بهما فإن الأمر للوجوب فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل بقي الباقي على الوجوب) [12].
3 - في قوله في حديث فضالة بن عبيد: «ثم يدعو بما شاء»: فيه تعليق للدعاء على المشيئة، وهذا يدل على جواز الدعاء عمومًا بما شاء من أمور الدنيا والآخرة، ويؤيد ذلك ما جاء في حديث ابن مسعود.
قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [الأعراف: 29]، فذكر الدعاء عقب العبادة.
وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ [الشرح: 7، 8] قال ابن عباس: فإذا فرغت مما فرض عليك من الصلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له.
326- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الـمَحْيَا وَالْـمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الـمَسِيحِ الدَّجَّالِ»، رواه مسلم، وهو في البخاري من فعله ﷺ.
وفي رواية لمسلم: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ».
327- وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ دُبُرَ الصَّلَاةِ: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ البُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الـجبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»، رواه البخاري.
328- وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: قُلْ: «اللهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ»، متفق عليه.
1 - سعد بن أبي وقاص: هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو قائد المسلمين في معركة القادسية بالعراق، كان مجاب الدعوة، مات بالعقيق سنة (55)، وهو آخر العشرة وفاة.
2 - أبو بكر الصديق: عبد الله بن عثمان بن عامر، أول من آمن من الرجال، أفضل أصحاب رسول الله ﷺ وخليفته من بعده، كان ثاني اثنين مع النبي ﷺ في الغار، شهد بدرًا وجميع المشاهد، كان غنيًا ينفق ماله في مرضات الله، ولم يكن يسأل الناس شيئًا، كثير المحاسبة لنفسه، زاهدًا ورعًا، جُمعت فيه خصال الخير، توفي في جمادى الآخرة سنة (13هـ).
- فليستعذ بالله: أي: فليقل: أعوذ بالله، أي: ألتجئ وأعتصم بالله.
- عذاب جهنم: أي: من العذاب الحاصل منها، ومن الأسباب الموصلة إلى ذلك.
- فتنة المحيا: أي: مما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والشبهات.
- فتنة الممات: ما يفتن به عند الموت، كالذهول عن كلمة الشهادة، وما يفتن به في القبر من سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه.
- فتنة المسيح الدجال: هي ما يظهر على يده من الأمور التي يُضلُّ بها من ضعف إيمانه، وهي أعظم فتنة على وجه الأرض منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة.
- البخل: منع ما يجب بذله من المال شرعًا أو عادة.
- الجبن: ضد الشجاعة، وهو ضعف في القلب يمنع صاحبه من الإقدام في المواطن الشريفة، كالجهاد، والنهي عن المنكر.
- أرذل العمر: حالة الهرم والضعف عن أداء الفرائض، وعن خدمة النفس، فيكون كلًّا ثقيلًا على غيره.
- ظلمت نفسي: أي: بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص الأجر.
1 - في حديث أبي هريرة دليل على مشروعية الاستعاذة بالله من تلك الأربع بعد التشهد، وهذا الذكر مجمع على مشروعيته، والدعاء قبل السلام في التشهد الأخير مشروع بغير خلاف [13].
2 - في حديث سعد بن أبي وقاص استحباب التعوذ بتلك الكلمات دبر الصلاة، والمراد: بعد التشهد وقبل السلام؛ لأن دبر الشيء ما اتصل به.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - شرع للعبد استعطاف ربه أمام الدعاء بالتحيات لله، ثم بالشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة على رسوله ﷺ، ثم قيل له: تخير من الدعاء أحبه إليك، وليكن بخشوع وأدب، فإنه لا يستجاب دعاء من قلب غافل[14].
2- وفي حديثي أبي هريرة وسعد إثبات عذاب القبر، وإثبات فتنة المسيح الدجال، والأحاديث في ذلك مستفيضة متواترة[15].
3- الجبن والبخل قرينان، فإن الإحسان يفرح القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول النعم إليه، فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال، ولذلك جمعهما النبي ﷺ في هذا الدعاء[16].
4 - في حديث أبي بكر رضي الله عنه استحباب الدعاء بتلك الكلمات، قال ابن القيم رحمه الله: (فجمع في هذا الدعاء الشريف العظيم القدر بين الاعتراف بحاله، والتوسل إلى ربه عز وجل بفضله وجوده، وأنه المنفرد بغفران الذنوب، ثم سأل حاجته بعد التوسل بالأمرين معًا، فهكذا أدب الدعاء وآداب العبودية)[17].
5 - الدعاء الذي علَّمه النبي ﷺ للصديق من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم[18].
6 - وفيه الترغيب في طلب العلم، وسؤال العلماء.
7 - وفيه وجوب نصح العالم المتعلم، وتوجيهه إلى ما هو أنفع له، وإعطاؤه قواعد العلم وأصول الأحكام؛ لتكون الفائدة أتم وأكمل[19].
1 - قوله: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ»: قال ابن الملقن: (عام في التشهد الأول والأخير معًا، وقد اشتهر بين الفقهاء استحباب التخفيف في التشهد الأول، والعموم الذي ذكرنا يقتضي الطلب بهذا الدعاء، فمن خصه، فلا بد له من دليل راجح، وإن كان نصًا، فلا بد من صحته) [20] لكن جاء ما يدل على تخصيصه بالتشهد الأخير في رواية مسلم: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ».
2 - قوله: «قَالَ: قُلْ» الأصل في الأمر أنه للوجوب إلا إذا صرفه صارف عن ذلك، والأمر هنا للندب لخصوصية السؤال، وعدم تعميمه على الأمة.
قال الله تعالى: ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور: 61]
عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله، سمعت الله يقول: ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ فالتشهد في الصلاة: التحيات المباركات الطيبات لله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم يدعو لنفسه ويسلم.
329- وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ»، رواه أبو داود بإسناد صحيح. [صحَّحه النووي في خلاصة الأحكام (1/445)، وابن دقيق في الإلمام (237)، وغيرهما، وثمة اختلاف في ثبوت وبركاته الثانية في نسخ أبي داود، وأنكرها ابن حجر في نتائج الأفكار (2/232)، ولم يذكرها عبد الحق في الأحكام الكبرى (2/284)، ولا ابن الأثير في جامع الأصول (5/410)، ولا الزيلعي في نصب الراية (1/432)].
1 - مشروعية تسليمتين للخروج من الصلاة، وأن يكون التسليم أولًا إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار، والتسليم عن اليمين ركن من أركان الصّلاة، لا تصح إلا به، وهو مذهب جمهور العلماء، خلافًا للحنفية[21].
2 - الجمهور على أن التسليمة الثانية سنة فقط، خلافًا لأحمد في رواية عنه [22].
3 - كان النبي ﷺ يسلم عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله» حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله» حتى يرى بياض خده الأيسـر، وكان أحيانًا يزيد في التسليمة الأولى: «وبركاته».
وكان إذا قال عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله» اقتصر -أحيانًا- على قوله عن يساره: «السلام عليكم». وأحيانًا كان يسلم تسليمة واحدة: «السلام عليكم» تلقاء وجهه يميل إلى الشق الأيمن قليلًا[23].
قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾ [ق: 40] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أدبار السجود التسبيح بعد الصلاة».
330- عن ثوبان رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا انصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ الله ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الـجلَالِ وَالْإِكْرَامِ»، رواه مسلم.
331- وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْـمُلْكُ، وَلَهُ الْـحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الـجدِّ مِنْكَ الـجدُّ»، متفق عليه.
332- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ الله دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الـمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْـمُلْكُ، وَلَهُ الْـحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»، رواه مسلم. وفي رواية أخرى: «أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ».
333- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ، وقال: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته»، متفق عليه.
334- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولُ: اللهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، رواه أبوداود والنسائي بسندٍ قوي.
335- وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الـجنَّةِ إِلَّا الـمَوْتُ»، رواه النسائي وصحَّحه ابن حبان، وزاد الطبراني: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ . [ضعَّفها الألباني في الضعيفة (6012)].
أخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله ﷺ، فأخذ بيدي، فقال: «يا معاذ، أنا أحبك في الله»، قال: قلت: وأنا -والله يا رسول الله- أحبك في الله، قال: «أفلا أعلمك كلمات تقولها في دبر صلاتك؟» فذكره.
- إذا انصرف من صلاته: أي: سلم منها.
- اللهم أنت السلام: الذي سلمت ذاته وصفاته من كل عيب ونقص، وسلمت أفعاله عن كل شر وظلم، وهو السلام الحق من كل وجه.
- ومنك السلام: أي: منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة.
- تباركت: أي: كثرت صفات جلالك وكمالك.
- الجلال: العظمة التي لا تدانيها عظمة.
- دبر كل صلاة: الدبر من كل شيء عقبه ومؤخره وطرفه، والمراد به قيل: آخر الصلاة قبل السلام، وقيل: بعد السلام.
- لا مانع لما أعطيت: أي: لا أحد يمنع ما أعطى الله تعالى لأحدٍ من العطاء.
- ولا معطي لما منعت: أي: ولا أحد يستطيع أن يعطي شيئًا منعه الله أحدًا من عباده.
- غفرت له خطاياه: أي: الصغائر.
- زبد البحر: هو ما يعلو على وجهه عند هيجانه.
- كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته: إما أن يكون ذلك لأنه لم يكن يحضـر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات لصغره، أو أنه كان حاضرًا في آخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه برفع الصوت بالذكر.
- لا تدَعَنّ: أي: لا تتركن.
- وحسن عبادتك: بأن تكون العبادة خالصة لله تعالى، وموافقة للسنة.
1- أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعددة[24].
2- في حديث ابن عباس رضي الله عنهما دليل على جواز الجهر بالذكر عقيب الصلاة، وهو قول بعض السلف، واختاره ابن حزم، والجمهور على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي -رحمه الله- هذا الحديث على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلّمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا[25].
3- في حديث أبي أمامة رضي الله عنه دليل على استحباب قراءة آية الكرسي عقب كل صلاة مكتوبة، وقراءة سورة الإخلاص ثبتت في غير هذا الحديث؛ كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة» [رواه أبو داود والنسائي وصحَّحه الألباني]، قال النووي: (فينبغي أن يقرأ: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس)[26].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في مشروعية الاستغفار مباشرة عقب السلام من الصلاة إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه؛ لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركًا لذلك[27].
2 - في حديث المغيرة: شرع هذا الذكر الجليل بعد الصلوات المكتوبات التي هي أفضل الطاعات؛ لما اشتمل عليه من إثبات الوحدانية لله تعالى، ونفي الشـريك له في ذاته وصفاته وعبادته، وإثبات كمال القدرة، وشمولها له وحده، ثم إثبات التصرف له وحده من العطاء والمنع، وأن أي مخلوق لا ينفعه جده، ولا حظه، ولا غناه عن الله تعالى، فهو صاحب الملكوت والسلطان، فإذا عرف العبد ذلك؛ تعلق قلبه بربه تعالى، وصرف نظره عن غيره[28].
3 - ترتيب هذه الجمل في حديث أبي هريرة على هذه الصيغة بغاية المناسبة: (فسبحان الله) تنزيه عن كل نقص وعيب، (والحمد لله) وصفه تعالى بجميع المحامد، والتخلية تكون قبل التحلية. ثم إذا وصف العبد ربه بالنزاهة عن النقص والعيب، ووصفه بالكمال؛ جاءت صفات التكبير والتعظيم المستحَقَّة لمن تنزه عن العيوب، ووفّى بالمحامد[29].
4 - وفي حديث معاذ حرص النبي ﷺ على ما ينفع أمته، ويرفع درجاتهم، ويعلي مراتبهم.
5 - سؤال الله تعالى الإعانة على هذه المطالب الثلاثة (ذكره، وشكره، وحسن عبادته) هي الغايات في بلوغ طاعة الله تعالى التي هي مراده من إيجاد خلقه، وهي وسائل الحصول على فضله ورحمته[30].
6 - بيان فضل آية الكرسي؛ وعظمتها؛ لما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والوحدانية، والحياة الكاملة، والقيومية الدائمة، والعلم الواسع، والملكوت المحيط، والقدرة العظيمة، والسلطان القويم، والإرادة النافذة[31].
في بعض الأحاديث السابقة دلالات أفعال، فهي تدل على الاستحباب كما سبق تقريره.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14].
وقال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62].
قال ابن كثير: (أَيْ: جَعَلَهُمَا يَتَعَاقَبَانِ، تَوْقِيتًا لِعِبَادَةِ عِبَادِهِ لَهُ، فَمَنْ فَاتَهُ عَمَلٌ فِي اللَّيْلِ اسْتَدْرَكَهُ فِي النَّهَارِ، وَمَنْ فَاتَهُ عَمَلٌ فِي النَّهَارِ اسْتَدْرَكَهُ فِي اللَّيْلِ).
336- عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، متفق عليه، واللفظ لمسلم.
- من نسي صلاة: أي: صلاة مؤقَّتة، فلم يصلها حتى خرج وقتها.
- فكفارتها: الكفَّارة عبارة عن الفعلة أو الخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي: تسترها.
1 - فيه أنه لا إثم على من أخر الصلاة لعذر من نوم، أو نسيان، أو سهو، ويجب عليه القضاء، وكل ذلك مجمع عليه[32].
2 - وفيه وجوب قضاء الصلاة على الناسي والنائم عند ذكرها، ووجوب المبادرة إلى فعلها؛ لأن تأخيرها بعد تذكرها تفريط فيها.
3 - مفهوم الحديث: أن العامد لا يقضي الصلاة، وبه قال ابن حزم، واختاره ابن تيمية[33]، وإنما يلزمه التوبة وكثرة الاستغفار، ومذهب الجمهور أنه يجب عليه قضاء تلك الصلاة، ولو تركها عمدًا[34].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - يسر وسماحة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين وما جُبلوا عليه من النسيان ونحوه؛ فلم يكلفهم الله ما لا يطيقون، ولم يجعل عليهم في الدين من حرج.
2 - لا ينبغي أن يتخذ المؤمن ألطاف الله تعالى وتيسيره على عباده في مثل هذه الأحكام وسيلة للتهاون والإخلاد إلى الكسل وتضييع أوامر الله، بل الواجب أنها تزيده تعظيمًا لله ومبادرة إلى ما يرضيه.
1 - لفظ (صلاة) في قوله: «من نسي صلاة» نكرة جاءت في سياق الشرط، تفيد العموم، فيدخل في الحديث كل صلاة يخرج وقتها، سواء أكانت فريضة، أو نافلة مؤقتة.
2 - في قوله: «فليصلّها»: أمر، والأمر للوجوب، فتجب المبادرة بقضاء الصلاة عند التمكن من ذلك.
3 - مفهوم الحديث (دليل الخطاب أو مفهوم المخالفة): أن العامد لا يقضـي الصلاة؛ لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس الصلاة أو لم ينم عنها لا يصليها، وأجاب الجمهور: أن وجوب قضاءها على العامد مستفاد من فحوى الخطاب (مفهوم الموافقة الأولوي)، وهو ما فُهم فيه الحكم في غير محل النطق بطريق الأولى، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا وجب القضاء على الناسي مع سقوط الإثم، ورفع الحرج عنه، فالعامد أولى[35].