حجم الخط:

محتوى الدرس (36)

Adobe Systemsباب سجود السهو و التلاوة والشكر

متى يُشرع سجود السهو وصفته:

[تمهيد]

قال سبحانه عن موسى عليه السلام: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف: 63] وهذا يدل على أن الشيطان سبب في النسيان ولذا كان في سجود السهو تبكيتًا للشيطان.

[الأحاديث]

337- عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ»، أخرجه السبعة، وهذا اللفظ للبخاري.

وفي رواية لمسلم: «يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أنْ يَسَلِّم وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِىَ مِنَ الْـجُلُوسِ».

338- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتِي العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الـمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتْ الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَا اليَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتْ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ» فَقَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، متفق عليه واللفظ للبخاري. وفي رواية لمسلم: «صَلَاةُ العَصْرِ». ولأبي داود: فقال: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟» فَأَوْمَئُوا: أَيْ نَعَمْ، وهي في الصحيحين، لكن بلفظ: «فَقَالُوا». وفي رواية له: «وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ الله تَعَالَى ذَلِكَ». [وهي زيادة منكرة، في سندها محمد بن كثير بن أبي عطاء يروي المناكير].

339- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ»، رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه. [وقوله: «ثم تشهد» شاذة، حكم عليها بالشذوذ غير واحد من أهل العلم، منهم: البيهقي في الكبير (4/570)، وابن عبد البر في التمهيد (1/549)، وابن حجر في فتح الباري (3/99)، وغيرهم].

340- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثْلَاثًا أَم أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ»، رواه مسلم.

341- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ»، متفق عليه. وفي رواية للبخاري: «فَلْيُتِمَّ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ»، ولمسلم: «أَنَّ النَّبِيَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ».

342- وعن عبد الله بن جعفر مرفوعًا: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ»، رواه أحمد أبو داود والنسائي وصحَّحه ابن خزيمة. [ضعَّفه البيهقي في الكبير (4/526)، وابن التركماني في الجوهر النقي (2/337) وغيرهما، وفيه مصعب بن شيبة تكلم فيه غير واحد].

343- وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، فإن استوى قائمًا فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو»، رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني واللفظ له بسند ضعيف.

344- وعن عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه»، رواه البزار والدراقطني بسند ضعيف.

345- وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ»، رواه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف. [وضعَّفه البيهقي في الكبير (4/526)، وعبد الحق في الأحكام الوسطى (2/29)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (23/22)، وغير واحد].

ترجمة الراوي:

هو أبو جعفر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، كان كريمًا، جوادًا، ظريفًا، خليقًا، عفيفًا، سخيًا، يسمى بحر الجود، ويقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، مات في سنة (80)، وقيل غير ذلك.

التوضيح:

- ولم يجلس: أي: للتشهد الأوسط.

- صلاتَي العَشِيِّ: المراد صلاتي الظهر والعصر، والعشي، مأخوذ من العَشَاءِ، وهو الظلمة، ويطلق على الزمان من زوال الشمس إلى الليل.

- فهابا أن يكلماه: الهيبة: إجلال ومخافة ناشئة عن إعظام.

- وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ: أي: المستعجلون الذين يسرعون الخروج عقب انقضاء الصلاة مباشرة.

- أَقُصِرَت الصَّلَاةُ؟: أي: بالوحي، فنسخت إلى ركعتين بعد أن كانت أربعًا.

- ذَا اليَدَيْنِ: هو الصحابي الخرباق بن عمرو رضي الله عنه، من بني سليم، وسمي بذي اليدين لما جاء في بعض روايات الصحيحين: «وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين».

- ولم يسجد حتى يقَّنه الله ذلك: أي: لم يسجد النبي سجدتي السهو حتى تيقن أنه سلم من ركعتين.

- فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ: أي: فلا يعتبر الشك، وليبني على اليقين، وهو الأقل، فإذا لم يدرِ كم صلى ثلاثًا أو أربعًا، فإنه يجعلها ثلاثًا بناء على اليقين، وهو الأقل.

- شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ: أي: أن السجدتين بمنزلة الركعة.

- تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ: أي: إلصاقا لأنفه بالتراب، ورده خاسئًا مهانًا ذليلًا.

- فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ: أي: ليقصد ويطلب الصواب بغالب الظن.

- فلْيُتِمَّ عَلَيْهِ: أي: فليبن على ما غلب على ظنه، فإذا شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا، فغلب على ظنه أنه صلى أربعًا فإنه يعتمد على ذلك.

- اسْتَوى قَائِمًا: أي: إذا تم قيامه - ولو لم يشرع في الفاتحة - فليواصل ما بقي من صلاته، ولا يرجع إلى التشهد الأول.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث ابن بحينة: أن من نسي التشهد الأول حتى قام إلى الثالثة أنه لا يرجع إليه، ويجبره بسجود السهو قبل السلام، وأن المأموم يتابع إمامه إذا قام عن التشهد الأول ناسيًا، ولا يجلس، وإن كان يعلم خطأ إمامه في ذلك.

2 - وفيه: أن التشهد الأول ليس بركن، وهو واجب عند الحنابلة، والجمهور على أنه سنة[1]، ولم يقل أحد بركنيته؛ لأن نقص الأركان - كالقيام والركوع - لا يجبره سجود السهو، بل لا بد من الإتيان بالركن إن كان قريبًا، وإلا فيأتي بالركعة التي تركه فيها كاملة، وهذا إذا كان ناسيًا، فإن كان متعمدًا، فتبطل صلاته بمجرد أن يترك ركنًا متعمدًا.

3 - وفيه -في رواية لمسلم- دليل على أنه يكبر في كل سجدة سهو، وهذا مجمع عليه[2].

4 - وفيه دليل على أن الخروج من الصلاة بالسلام سهوًا لا يبطلها، وعلى جواز البناء على الصلاة بعد السلام إذا كان الخروج منها سهوًا، فيكمل الباقي فقط، ولا يستأنفها.

5 - وفيه دليل على السجود بعد السلام، وسبق في حديث ابن بحينة السجود قبل السلام، ولهذا اختلف الفقهاء في محل السجود، مع إجماعهم على جوازه قبل السلام أو بعده، والخلاف إنما هو في الأفضل والأولى[3].

6 - في حديث عمران بن حصين دليل على مشروعية التشهد عقب سجود السهو وقبل التسليم، سواء سجد للسهو عقب سلام الصلاة أو قبلها، وهو قول الجمهور[4]، والراجح أنه لا يتشهد، لضعف زيادة التشهد، وقد سجد النبي مرارًا ولم يثبت عنه أنه تشهد، وهو قول الشافعي، واختاره ابن تيمية[5].

7 - في حديث أبي سعيد دليل على أن المصلي إذا شك في صلاته ولم يترجَّح عنده أحد الأمرين، فإنه يطرح الشك ويعمل باليقين، وهو الأقل، فيتم صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم، وهو قول الجمهور[6].

8 - في حديث ابن مسعود دليل على أن المصلي إذا شك في صلاته وترجَّح عنده أحد الأمرين، وغلب على ظنه، فإنه يتحرى الصواب، ويأخذ بما غلب على ظنه، سواء أكان زيادة أم نقصانًا، ثم يسجد للسهو.

9 - يُجمع بين حديث أبي سعيد، وحديث ابن مسعود: أن المصلي يتحرى أولًا، وذلك بأن يبني على غالب ظنه، فإن لم يكن لديه ظن غالب، فإنه يرجع إلى اليقين، وهو الأقل، وهذا التفصيل هو الراجح، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية[7]

10- من ألغى الشك ورجع إلى اليقين يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود. ومن تحرَّى سجد قبل السلام على حديث أبي سعيد.

11 - في حديث المغيرة بن شعبة دليل على أن من سها عن التشهد الأول فقام، واستتم قائمًا أنه يمضي ولا يعود إليه، وأما إن تذكر قبل أن يستتم قيامه، فإن عليه الرجوع والجلوس للتشهد، وليس عليه شيء.

12 - في حديث عمر دليل على أن الإمام يتحمل عن المأموم السهو، فإذا سها المأموم، فلا سجود عليه بالإجماع[8].

13 - إذا سها المأموم بعد انفراده عن الإمام فيما انفرد به، فعليه أن يسجد لذلك؛ لأن له هنا حكم المنفرد.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - وقوع السهو والنسيان من النبي ﷺ المحفوظ بالعصمة، دليل على أن الأمور البشـرية الطبيعية لا تخلُّ بعصمته، ولا تقدح في رسالته، وفيه تعليم وتوجيه لأمته أنه ما دام السهو يطرأ على رسول الله ﷺ، فإنه لا يكون نقصًا في دين غيره، وتقصيرًا في عبادته، وهذا مما رفع عن الأمة؛ رحمة بها ورأفة[9].

2 - إجلال الصحابة للنبي ﷺ، وإعظامهم إياه، وهيبتهم منه، حيث لم يجرؤوا على مخاطبته[10].

3 - في قول ذي اليدين: «يَا رَسُولَ الله، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتْ الصلاة؟» الأدب في مخاطبة ذوي الهيئات، إذ لم يبادر بنسبة النبي ﷺ إلى النسيان والسهو، بل بدأ بالسؤال.

4 - وفيه: بيان أهمية مقام الإمام ومرتبته، وأنها لا تجوز مخالفته والاختلاف عليه؛ ولذا فإن كثيرًا من الأعمال الواجبة يتركها المأموم مراعاة لإمامه واقتداء به.

5 - في الإمامة الصغرى تنبيه على ما ينبغي أن يكون عليه الناس في الإمامة الكبرى، فيحرم الاختلاف على ولاة الأمور وعصيانهم وشقاقهم، والخروج عليهم، ومخالفة أوامرهم بالمعروف[11].

طريقة الاستدلال:

1 - استدل على عدم التشهد لسجدتي السهو، بضعف هذه اللفظة في حديث عمران ابن حصين، ولأنه قد نقل سجود السهو غير واحد من الصحابة فلم يذكروا التشهد، ولو فعله ﷺ لذكره بعضهم، فإنه مما تتوفر الدواعي إلى نقله، قال ابن تيمية: (هذا التشهد بعد السجدتين عمل طويل بقدر السجدتين أو أطول، ومثل هذا مما يحفظ ويضبط وتتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه سجد، وكان الداعي إلى ذكر ذلك أقوى من الداعي إلى ذكر السلام وذكر التكبير عند الخفض والرفع، فإن هذه أقوال خفيفة والتشهد عمل طويل، فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا؟!)[12].

2 - دل حديث عمر على أن الإمام يحمل كل سهو عن المأموم؛ لأن كلمة (سهو) جاءت في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.

3 - قواعد وضوابط:

أ - لا عبرة بالشك في حالتين:

أولًا: إذا كان الشك الطارئ على الإنسان في الصلاة في هذه المسألة وهمًا، بأن طرأ على الذهن ولم يستقر، فإن هذا الشك لا عبرة فيه عند الفقهاء، فلا يلتفت الإنسان إليه.

ثانيًا: إذا لازم الشك الإنسان حتى عُدَّ موسوسًا، فلا عبرة بشكِّه؛ لأنه تحول إلى مرض وعلَّة.

والشك بعد الفعل لا يؤثر وهكذا إذا الشكوك تكثر[13]

ب - (ينزَّل الظن الغالب منزلة اليقين) أو (الغالب مساوٍ للمحقَّق): الأصل فيما تبنى عليه الأحكام هو العلم اليقين بحيث لا يوجد المسبب حقيقة إلا عند وجود سببه حقيقة، فإذا أمكن الوصول إلى اليقين لم يجز العدول عنه، ولكن إذا تعذر ذلك أو تعسـر -وهذا هو الغالب- فإن غالب الظن يجعل بمثابة اليقين فتبنى عليه الأحكام[14].

ج - ضابط: (سجود السهو يجبر الواجب والسنة، ولا يجبر الركن)، ومن ذلك التشهد الأول سواء على القول بأنه واجب، أو على القول بأنه سنة، يجبر بسجود السهو، بخلاف الركن فلا بد من المجيء به وإلا بطلت الصلاة.

سجود التلاوة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58]، وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة: 15].

[الأحاديث]

346- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ و ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ رواه مسلم.

347- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « ﴿ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا»، رواه البخاري.

348- وعنه: «أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسـلمون والمشـركون، والجن والإنس»، رواه البخاري.

349- وعن زيد بن ثابت قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا»، متفق عليه.

350- وعن خالد بن معدان قال: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الْـحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ»، رواه أبوداود في المراسيل. [وقال: (قد أسند هذا ولا يصح)]، ورواه أحمد والترمذي موصولًا من حديث عقبة بن عامر، وزاد: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا، فَلَا يَقْرَأْهُمَا»، وسنده ضعيف. [ضعَّفه الترمذي في السنن (578)، والنووي في المجموع (4/63) وغيرهما].

351- وعن عمر رضي الله عنه قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» رواه البخاري، وفيه: «إِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ».

352- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وَسَجَدْنَا مَعَهُ»، رواه أبو داود بسندٍ فيه لين. [ضعَّفه النووي في خلاصة الأحكام (2148)].

ترجمة الرواة:

1 - زيد بن ثابت: هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري النجاري، كاتب الوحي وقدوة الفرضيين، وجامع القرآن، الفرضي المفتي، أحد الراسخين في العلم، من أفكه الناس في بيته، وأحلمهم إذا خرج إلى الرجال، مات سنة (45)، وقيل غير ذلك.

2 - خالد بن معدان: هو أبو عبد الله خالد بن معدان الشامي الكَلاعي، كان يكره الشهرة، فكان إذا عظمت حلقته انصرف، أدرك سبعين من الصحابة، قلما كان يأوي إلى فراشه إلا وهو يذكر شوقه إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه، مات صائمًا سنة (103).

التوضيح:

- ليست من عزائم السجود: أي: ليست من السجدات التي تأكد فعلها وورد الأمر بها، وإنما وردت بصيغة الإخبار عن داود عليه الصلاة والسلام أنه سجدها.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على مشروعية سجود التلاوة.

2 - في حديث أبي هريرة دليل أيضًا على ثبوت سجود التلاوة في سورتي الانشقاق والعلق، وفي المفصل عمومًا، خلافا للمالكية [15].

3 - في حديث ابن عباس الأول دليل على مشروعية السجود في سورة (ص)، وقد اختلف العلماء في مشروعية السجود عندها داخل الصلاة فقيل: إنها سجدة شكر، فلا تشـرع في الصلاة، فلو سجد فيها المصلي بطلت صلاته، والراجح أنها سجدة تلاوة، فيسجد عندها داخل الصلاة وخارجها، وهو قول الحنفية، والمالكية[16].

4 - في حديث ابن عباس الثاني دليل على مشروعية السجود في سورة (النجم) وهومذهب الجمهور خلافًا للمالكية.

5 - أجيب عن حديث زيد بن ثابت بأن ترك السجود فيها حينها لا يدل على تركه مطلقا؛ لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك: إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارئ لم يسجد، أو ترك حينئذ لبيان الجواز، وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك[17].

6 - في حديثي خالد بن معدان، وعقبة بن عامر دليل على أن سورة الحج فضلت على غيرها من سور القرآن بأن فيها سجدتين يستحب السجود فيهما، وقد أجمع العلماء على ثبوت السجدة الأولى فيها، واختلفوا في الثانية، فمذهب الحنفية والمالكية أن فيها سجدة واحدة، وقال الشافعية والحنابلة بمقتضى حديث خالد بن معدان[18].

7 - أثر عمر نص في عدم وجوب سجود التلاوة، وهو قول الجمهور[19].

8 - في حديث ابن عمر دليل على مشروعية التكبير لسجود التلاوة، وكذلك يشـرع التكبير للرفع من السجود، وهو قول الأئمة الأربعة وأكثر أهل العلم[20].

9 - وفيه دليل على مشروعية سجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع [21].


الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من الحكمة في السجود فيهما: طاعة الله عز وجل، والتأسي برسوله ﷺ، ومخالفة المشركين حيث لم يسجدوا عند سماع آيات الله تتلى عليهم، ولم يخضعوا لربهم وخالقهم[22].

2 - قال ابن القيم -رحمه الله-: (مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبار، وأمر. فالإخبار خبر من الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عمومًا أو خصوصًا، فسُنَّ للتالي والسامع وجوبًا أو استحبابًا أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها. وآيات الأوامر بطريق الأولى. وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، وقربة إليه، وخضوعا لعظمته، وتذللًا بين يديه، واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكد ذلك ويقويه)[23].

طريقة الاستدلال:

1 - (إذا تطرق للدليل الاحتمال، سقط به الاستدلال): أي: إن الدليل من كلام صاحب الشرع إذا استوت فيه الاحتمالات ولم يترجح أحدها سقط به الاستدلال[24]، ففي حديث زيد بن ثابت أنه ترك السجود في سورة النجم، وهذا لا يدل على تركه مطلقًا؛ لوجود الاحتمالات القوية التي سبق ذكرها في الدلالات، مع معارضته لحديث ابن عباس.

2 - من القرائن الدالة على عدم الوجوب نفي الإثم عن الفعل، أو نفي الفرضية، وكلاهما قد وجد في حديث عمر: «وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ»، «إِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ السُّجُودَ».

سجود الشكر:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة: 58].

وروى النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن النبي سجد في (ص) وقال: «سجدها داود عليه السلام توبة، ونسجدها شكرًا».

[الأحاديث]

353- عن أبي بكرة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ»، رواه الخمسة إلا النسائي. [ضعَّفه النووي في خلاصة الأحكام (2166)، وعبد الحق في الأحكام الوسطى (2/92)، وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/340)].

354- وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أتَانِي فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْت لله شُكْرًا». رواه أحمد وصحَّحه الحاكم.

355- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى اليَمَنِ -فَذَكَرَ الْـحَدِيثَ- قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ الكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لله تَعَالْىَ عَلَىَ ذَلِكَ». رواه البيهقي، وأصله في البخاري. [صحَّحه البيهقي في الكبير (4/594)، والنووي في خلاصة الأحكام (2162)].

ترجمة الراوي:

عبد الرحمن بن عوف: هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، أحد العشرة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين إلى الاسلام، قيل: هو الثامن، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وكان من الأجواد الشجعان العقلاء، وكان كثير الانفاق في سبيل الله، مات سنة (32).

التوضيح:

- خَرَّ سَاجِدًا لله: أي: سقط على الفور هاويًا إلى إيقاع سجدة لشكر الله تعالى.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّت الأحاديث على مشروعية سجود الشكر، واستحباب فعلها عند وجود سببها، وهو تجدد نعمة أو اندفاع نقمة، عامة كانت أو خاصة بالساجد.

2 - سجود الشكرعند النعم المتجددة سنة عند الجمهور من الشافعية، والحنابلة، وهو المفتى به عند الحنفية[25].


الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - ينبغي للمسلم إذا أحدث الله له نعمة أن يُحدث له عبادة؛ فالشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة.

2 - من أعظم نعم الله تعالى على عباده المسلمين: عز الإسلام، وإعلاء كلمة الله، ونصر دينه؛ فإن حياة المسلمين الحقيقية، وسعادتهم الأبدية هي في عز دينهم ونصرته، فإسلام طوائف كبيرة، ودخولهم في الإسلام؛ عز للمسلمين، وتكثير لسوادهم.

3 - حرص النبي ﷺ على هداية الخلق، وإنقاذهم من ظلام الكفر إلى نور الإيمان فهو يبعث البعوث إليهم؛ ليدعوهم إلى دين الله تعالى، ويفرح الفرح العظيم بهدايتهم؛ لأن في هذا أمورًا كثيرة:

أولًا: إنقاذهم من النار والتسبب في دخولهم الجنة.

ثانيًا: له الأجر الكبير في هدايتهم، ودلالتهم على الخير، فقد قال ﷺ: «لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك من حمر النعم» متفق عليه.

ثالثًا: أن في هذا نجاحًا لدعوته، وامتثالًا لأمر ربه، وأداءً لرسالته[26].

طريقة الاستدلال:

1 - في حديث أبي بكرة جاءت صيغة (كان) التي تدل في الأصل على المداومة عند ورود الأمر السار.

2 - الفاء الثانية في قوله: «إِنَّ جِبْرِيلَ أتَانِي فبشَّرني، فَسَجَدْت لله شُكْرًا »، هي فاء السببية، وهي تدل على أن علة السجدة هي شكر البشارة التي وردته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة