كيفية صلاة الليل والوتر:
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾ [المزمل: 20].
وقال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64].
وقال الله تعالى: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾ [الذاريات: 17] فلم يحدد الله تعالى لها وقتًا ولا عددًا، وفتح باب التنافس فيها لعباده.
379- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِـيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»، متفق عليه.
وللخمسة -وصحَّحه ابن حبان- بلفظ: «صَلَاةُ اَللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى»، وقال النسائي: «هذا خطأ». [زيادة «النهار» شاذة؛ أعلَّها الترمذي في السنن (597)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/289)، وقال أحمد في المسائل لأبي داود (1872): كان شعبة يتهيَّبه، ونسب الحافظ في الفتح (2/479) إعلالها لأكثر أئمة الحديث].
380- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حسَّنهنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حسَّنهنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟! قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». متفق عليه.
381- وعنها قالت: «كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ»، متفق عليه.
382- وعنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا»، رواه مسلم.
383- وعنها قالت: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ الله ﷺ وانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ»، متفق عليه.
- صلاة الليل: أي: نافلة قيام الليل.
- مثنى مثنى: أي: اثنتين اثنتين، والمراد: يسلم في كل ركعتين.
- إذا خشي أحدكم الصبح: أي: طلوع الفجر، وفوات صلاة الوتر.
- توتر له: أي: تلك الركعة الواحدة توتر ما قد صلى من الشفع الذي قبلها.
- فلا تسأل عن حسَّنهن وطولهن: أي: أنهن في النهاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات بظهور ذلك عن السؤال عنه.
- إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي: هذا حال نفوس الأنبياء الكاملة القدسية المتعلقة بالله.
- من كلِّ اللَّيل قد أوتر: أي: من جميع أجزائه، من أوله، ومن وسطه، ومن آخره، واستقر أمره على الصلاة آخره.
1 - في حديث ابن عمر بيان لكيفية صلاة الليل، وأنها تُصلى اثنتين اثنتين، يسلم في كل ركعتين، وهو قول الجمهور [1].
2 - وفيه أن أقل الوتر ركعة، وأدنى الكمال للوتر ثلاث ركعات، وأفضله وأكثره إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة[2].
3 - وفي الرواية الثانية دليل على أن صلاة النهار تكون اثنتين اثنتين كصلاة الليل، لكن زيادة (النهار) شاذة لا تصح.
4 - في قوله: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» دليل على أن الناقض نوم القلب، وهو حاصل مع كل من نام مستغرقًا، فيكون من الخصائص النبوية أن النوم لا ينقض وضوءه ﷺ [3].
5 - ودلَّ حديث عائشة رضي الله عنها الثاني أنه ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يصلي عشر ركعات ويوتر بواحدة، ثم يصلي ركعتي الفجر فيكون مجموع ذلك ثلاث عشرة.
6 - ودلَّ حديثها الثالث أنه ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يصلي ثمان ركعات في الليل، وخمس يوتر بهن، ورجح ابن حجر أن الركعتين الزائدتين هما ركعتا افتتاح قيام الليل؛ لأن النبي ﷺ كان لا يزيد في قيام الليل لا في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة[4].
7 - تجوز الزيادة على الإحدى عشرة ركعة عند جماهير العلماء، بل حكاه ابن عبد البر إجماعًا[5]، وقال الشيخ ابن عثيمين: (فلا ينكر على من صلى إحدى عشـرة أو ثلاثًا وعشرين، بل الأمر في ذلك واسع)[6].
8 - الترغيب في تأخير الوتر إلى وقت السحر لمن يثق من نفسه بالانتباه؛ لأنه آخر الأمور من فعله ﷺ [7].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - زيادة (النهار) شاذة لا تصح، لكن (الأفضل في تطوع النهار أن يكون مثنى مثنى؛ لأنه أبعد عن السهو، وأشبه بصلاة الليل، وبتطوعات النبي ﷺ، والصحيح أنه إن تطوع في النهار بأربع فلا بأس)[8].
2 - قول عائشة رضي الله عنها عن الركعات التي كان يصليها النبي ﷺ: «فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حسَّنهنَّ وَطُولِهِنَّ» دليل على حُسن عبادته ﷺ والتذاذه بمناجاة مولاه، وهو قدوة لكل مؤمن.
3 - قيام الليل، والوتر، وصية النبي ﷺ، ودأب الصالحين، وخلوة العارفين، ورياض الصالحين، وعون السائرين في طريق الله.
1 - تمسك الحنفية بمفهوم حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى» على أن نفل النهار أربع، ومنعه الأئمة الثلاثة بأن لفظ (الليل) مفهوم لقب، وليس بحجة عند أكثر العلماء.
وبعض العلماء يرى أنه لا مفهوم لقوله ﷺ «صلاة الليل مثنى مثنى» وأن ذكر الليل كان جوابًا لسؤال من سأل عن صلاة الليل، وهذا يدفع القول بالمفهوم[9]، وقد بوب البخاري بقوله: باب التطوع مثنى مثنى، قال ابن حجر: (أي في صلاة الليل والنهار).
ومن الدليل أيضًا على أن صلاة النهار مثنى مثنى كصلاة الليل سواء: أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد الجمعة ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وركعتي الفجر، وكان إذا قدم من سفر صلى في المسجد ركعتين قبل أن يدخل بيته، وصلاة الفطر والأضحى والاستسقاء وقال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين»، ومثل هذا كثير.
2 - من شروط الحديث الصحيح ألا يشذ راويه عن رواية الثقات الآخرين للحديث، وهذا الشرط في الحديث مفقود؛ لأن الحديث في الصحيحين وغيرهما من طرق عن ابن عمر دون ذكر «النهار»، وهذه الزيادة تفرَّد بها علي بن عبد الله الأزدي عن ابن عمر دون سائر من رواه عن ابن عمر» [10].
3 - فإن قيل: كيف يجمع بين نومه ﷺ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس كما جاء في حديث (التعريس)، مع قوله: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي»؟ قال النووي: (لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك طلوع الفجر وغيره مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة وإن كان القلب يقظانًا) [11].
قال الله تعالى: ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ [الفجر: 3] فذكر الوتر بعد الشفع.
384- عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا»، متفق عليه.
385- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوَتْرُ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ»، رواه الترمذي. [ضعَّفه وأنكره أحمد والبخاري-فيما نقله الترمذي في العلل (ص 256)، ورجَّح ابن رجب في فتح الباري (6/238) وقفه].
386- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا»، رواه مسلم، ولابن حبان: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ». [أشار البيهقي في الكبير (5/274) إلى أن المحفوظ رواية مسلم].
387- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ»، رواه مسلم.
- صلاة آخر اللَّيل مشهودة: أي: تشهدها الملائكة، والمراد: ملائكة الليل، وملائكة النهار.
1 - في حديثي ابن عمر دليل على أمرين اتفق عليهما العلماء:
الأول: أنه يسن للمصلي أن يجعل الوتر آخر النوافل التي يصليها بالليل، فإذا أراد أن يتنفل بعد صلاة العشاء، فإنه يجعل صلاة الوتر آخر تلك النوافل.
الثاني: أن أفضل وقت للوتر هو السحر، وهذا متفق عليه أيضًا، إن كان يثق من نفسه أنه يقوم آخر الليل[12].
2 - وفي حديث ابن عمر الثاني دليل على أن وقت صلاة الليل والوتر ينتهي بطلوع الفجر.
3 - في حديث أبي سعيد دليل على أن وقت الوتر قبل طلوع الفجر، فإذا طلع فقد انتهى وقت الوتر، فلا يشرع لخروج وقته؛ لأن الوتر عمل الليل فلا يجعل في النهار، فعلى المسلم أن يتحرَّى بوتره الوقت المناسب الذي يستطيعه أول الليل أو وسطه أو آخره، فإن تيسر له آخر الليل فهو أفضل[13].
4 - والذي يظهر من صنيع الحافظ -رحمه الله- بإيراده رواية ابن حبان عقب حديث أبي سعيد أن الحديث محمول على من ترك الوتر متعمدًا حتى طلع الصبح، فهذا قد فاتته السنة العظمى والخير الكثير، حيث فرط بالوتر، فلا يمكنه تداركه، ولا يقضيه على أحد الأقوال في المسألة. وأما من نام عنه أو نسيه، فهذا جاء فيه: «مَنْ نَامَ عَنْ صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، وجاء في الوتر خصوصًا حديث عن أبي سعيد [14].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في حديث جابر تأكيد لما سبق من أن صلاة الوتر إلى آخر الليل أفضل؛ لأن صلاة الليل تشهدها الملائكة، فتكون أقرب إلى القبول وحصول الرحمة، ولكن إن خاف أن ينام عنه فليصله قبل ذلك لئلا يفوته.
2 - فضيلة وقت آخر الليل، وهو وقت التنزل الإلهي، وأفضل أوقات المناجاة والدعاء ونافلة الصلاة، فينبغي للعبد ألا يأتي عليه هذا الوقت إلا وهو يسأل الله ما يرجوه من خيري الدنيا والآخرة، فإنه جديرٌ بأن ينال مطلوبه، كما قال ابن رجب -رحمه الله-: (ليس بعاقلٍ من كانت له حاجةٌ إلى الله تعالى، ثم ينام وقت السَّحَر).
الأمر في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» أمر ندب، لا أمر وجوب؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد الوتر كما في صحيح مسلم.