حجم الخط:

محتوى الدرس (39)

من أحكام صلاة الوتر:

[الأحاديث]

388- عن طلق بن علي رضي الله عنه قال: سَمِعْتَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ»، رواه أحمد والثلاثة، وصحَّحه ابن حبان. [وحسَّنه الترمذي في السنن (470)].

389- وعن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُوتِرُ بِـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى و ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، و ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ رواه أحمد وأبو داود، والنسائي وزاد: «وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ». [زيادة لا تصح].

390- ولأبي داود والترمذي نحوه عن عائشة رضي الله عنها وفيه: «كُلَّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الْأَخِيرَةِ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْـمُعَوِّذَتَيْنِ». [فيه ضعف، وأنكر زيادة المعوذتين أحمد وابن معين فيما نقله ابن الجوزي في التحقيق (3/53)].

ترجمة الراوي:

أبي بن كعب: هو أبى بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا المنذر، سيد القراء، وكان من السابقين إلى الإسلام، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وما بعدها، وجمع القرآن في حياة النبي ﷺ، وكان رأسًا في العلم والعمل، مات سنة (19) أو (20) أو (22)، وقيل: بقي إلى سنة: (32).

التوضيح:

- لا وتران في ليلة: أي: لا توتروا مرتين في ليلة.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث طلق دليل على أن الوتر لا يتكرر في الليلة الواحدة مرتين؛ فمن أوتر أول الليل ثم يسَّر الله له القيام آخر الليل فإنه يصلي ما كتب له، ويكفيه وتره الأول.

2 - نقض الوتر هو: أن الإنسان إذا أوتر أول الليل ثم قام من آخر الليل يتهجد بدأ صلاته بركعة واحدة لتشفع الركعة الأولى، وهي ركعة الوتر، ثم يصلي ركعتين، ركعتين، ثم يوتر في آخر صلاته[1]، وهو موضع خلاف بين أهل العلم، وذهب الجمهور -ومنهم الأئمة الأربعة- إلى أنه لا يجوز نقض الوتر، ومن أراد أن يتنفل صلى شفعًا ولا يوتر مرة أخرى[2]. وذهب بعض الصحابة والتابعين، إلى جواز نقض الوتر، لحديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا».

3 - في حديثي أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما بيان لما يسن قراءته في صلاة الوتر، وأن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وفي الثانية بـ ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وفي الثالثة بـ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ .

4 - في الرواية الثانية لحديث أبيٍّ دليل على جواز أن تُسرد ركعات الوتر الثلاث ولا يسلم إلا في آخرهن، والأولى أن يسلم بعد الركعتين، ثم يوتر بواحدة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - المقصود من كثرة قراءة هذه السور في الوتر: هو ما تشتمل عليه آياتها من معاني التوحيد والإيمان بالله تعالى والبراءة من الشرك وأهله، فينبغي إعطاؤها حقها من التدبُّر والتأمل وإعمال الفكر، لا قراءتها سردًا بقلب غافلٍ لاهٍ.

2 - الأفضل عدم المداومة على هذه السور؛ لئلا يظن العامة وجوبها، فترك الفاضل أحيانًا لبيان الحكم أفضل من المداومة عليه؛ لأن تعليم الناس أمر دينهم من أفضل الأعمال[3].

طريقة الاستدلال:

قوله: «لا وتران في ليلة» نفي بمعنى النهي؛ فكأنه قال: لا توتروا مرتين في ليلة.

قضاء الوتر إذا فات بعذر:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62] وقال الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 14].

[الأحاديث]

391- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ»، رواه الخمسة إلا النسائي. [وهَّاه محمد بن يحيى الذهلي فيما نقله ابن ماجه في السنن (1189)، وأعلَّه بالإرسال الترمذي في السنن (466)].

الدلالات الفقهية:

1 - فيه أن من نام عن وتره أو نسيه، أنه يستحب له قضاؤه، وله أن يصلي الوتر على صفته بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الفجر، وهو قول الجمهور، والحنفية يرون القضاء واجبًا ولو تركه عمدًا[4]، وقيل: يفوت الوتر على من تركه عمدًا حتى طلع عليه الفجر.

2 - ظاهر الحديث أنه يقضي وتره في النهار على صفته وترًا، ولكن روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشـرة ركعة»، فهذا يدل على أنه إذا قضاه في النهار لا يقضيه على صفته وترًا، بل يشفعه بركعة، لفعله ﷺ؛ فقد كان وتره إحدى عشرة ركعة، فإذا غلبه نوم أو وجع صلى بالنهار اثنتي عشرة ركعة [5]. وذلك كما قال ابن تيمية: (لفوات محله؛ فهو كتحية المسجد، وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترًا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار، فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعه)[6].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - يُسر الشريعة وسماحتها ومراعاتها لأحوال المكلفين وما قد يطرأ عليهم من القواطع والموانع، فمن فاته الخير مضطرًا، كانت له سعةٌ غالبًا في تعويضه.

2 - الحرص على قضاء ما فات العبد من الخير فيما أُتيح له من وقت قد أمكنه الله فيه من استدراك ما فاته من الخير.

طريقة الاستدلال:

قال ابن رجب: (في تقييد الأمر بالقضاء لمن نام أو نسيه يدل على أن العامد بخلاف ذلك، وهذا متوجه؛ فإن العامد قد رغب عن هذه السنة، وفوَّتها في وقتها عمدًا، فلا سبيل له بعد ذلك إلى استدراكها، بخلاف النائم والناسي)[7].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة