حجم الخط:

محتوى الدرس (41)

Adobe Systemsباب صلاة الجماعة والإمامة

فضل صلاة الجماعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ٣٦ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور: 36 - 37].

وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ۖ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ [النساء:102] قال الشيخ الشنقيطي: (صلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الجمع بين مكافحة العدو، وبين القيام بما شرعه الله جل وعلا من دينه، فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح المسلح يدل على ذلك دلالة في غاية الوضوح)[1].

وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103].

[الأحاديث]

399- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: «صَلَاةُ الجمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، متفق عليه. ولهما عن أبي هريرة: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا».

400- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يَخْطُ خطوة إلا رُفعت له بها درجة وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة»، متفق عليه.

401- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْـمُنَافِقِينَ: صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» متفق عليه.

402- وعن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله»، رواه أبو داود والنسائي وصحَّحه ابن حبان. [قال النووي في خلاصة الأحكام (2/650): أشار علي بن المديني والبيهقي وغيرهما إلى صحته].

403- وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: احْتَجَرَ رَسُولُ الله حُجْرَةً مُخَصَّفَةً، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ... الحديث، وفيه: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ»، متفق عليه.

404- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» متفق عليه.

التوضيح:

- صلاة الجماعة: المراد هنا الصلوات الخمس، وسميت صلاة الجماعة لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا.

- صلاة الفذِّ: أي: المنفرد الذي لم يصلِّ مع الجماعة.

- درجة: أي: مرة، والمعنى أن الصلاة في جماعة أزيد ثوابًا من الصلاة منفردًا بسبع وعشرين مرة.

- إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجة: أي: إلا رفعه الله بتلك الخطوة منزلة في الجنة.

- وحط عنه بها خطيئة: أي: محا عنه بها ذنبًا من ذنوبه، فلا يعاقبه عليه.

- المنافقين: هم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والمراد به هنا نفاق المعصية، بدليل ما جاء عند أبي داود: «ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة»، فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه اللّه به من الكفر والاستهزاء[2].

- ولو يعلمون ما فيهما: أي: علم إيمان ويقين بما فيهما من الثواب والفضل.

- ولو حبوًا: أي: ولو كان إتيانهما حبوًا، والحبو هو المشي على الأيدي والركب.

- أَزْكَى: أي: أكثر ثوابًا، وأعظم فضيلة.

- احتجر حُجْرةً مخصَّفة: أي: اتخذ وحوَّط موضعًا من المسجد يستره ليصلي فيه.

- فتتبع إليه رجال أي: طلبه رجال وجاءوا إلى موضعه، ليقتدوا به في صلاته.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث ابن عمر دليل على فضل الصلاة في الجماعة، وأنها أكثر ثوابًا من صلاة المنفرد سبعًا وعشرين مرة.

2 - صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل، ولكن هذا التفضيل لا يلزم منه عدم الوجوب، وإنما فيه دلالة على أن صلاة المنفرد صحيحة ناقصة الثواب[3].

3 - وفي حديث أبي هريرة الأول دليل على أفضلية صلاة الجماعة في المسجد على غيره من الأماكن، وأن تحصيل الثواب الكامل مترتب على مجموع الأمور المذكورة في الحديث.

4 - في حديث أُبَيْ دليل على أن الجماعة تنعقد باثنين.

5 - وفيه دليل على أن الجماعات تتفاوت في الفضل، وهو مذهب الشافعي والجمهور[4].

6- وفي حديث زيد بن ثابت دليل على جواز حجز المكان في ناحية من المسجد والاختصاص به للعبادة والراحة إذا كان هناك حاجة، بشرط ألا يضيق على المصلين.

7- وفيه دليل على جواز الجماعة في صلاة النافلة، وقد كان ذلك هو مبدأ صلاة التراويح، وقد ترك النبي ﷺ فعلها خشية أن تفرض، وأما صلاة نافلة النهار جماعة، فإنها تجوز في بعض الأحيان ما لم تتخذ عادة راتبة.

8 - وفيه أن صلاة النافلة في البيت أفضل من المسجد.

9 - وفي حديث ابن عمر الثاني جواز الإذن للمرأة بالصلاة في المسجد إذا طلبت ذلك، ولكن جواز الإذن لها مشروط بتركها التزيُّن والتعطُّر، والأمن من الفتنة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في حديث أبي هريرة الثاني بيان ثقل الصلوات على المنافقين؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ [النساء: 142]، وأثقلها عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر، وقد يكون ذلك لأن صلاة العشاء وقت الراحة بعد تعب النهار، وصلاة الفجر وقت لذة النوم، فليحذر من يتساهلون في صلاة الفجر وينامون عنها أن يكون فيهم صفة من صفات المنافقين، نسأل الله السلامة[5].

2 - وفي حديث أُبيِّ بن كعب أن كثرة الجماعة محبوبة لله تعالى؛ لما يحصل منها من مباهاة الله تعالى بأهلها، ولما يحصل في ذلك من إرغام الشيطان، ودحره في اجتماع المسلمين على طاعة الله تعالى، ومن أجل هذه الفوائد العظيمة في الجماعة؛ حرم أن يبنى مسجد بجانب مسجد إلا لحاجة[6].

3 - كثر في زماننا هذا التخلف عن صلاة الجماعة، ولا سيما صلاة الفجر، وهذا بسبب ضعف الإيمان، ومرض القلب، والزهد في الطاعات، والإعراض عن الله تعالى وما أعدَّ للطائعين، وتقديم مراد النفس على مراد الله، مع ضعف الرادع أو عدمه، والله المستعان[7].

قال الشوكاني -وهو يقول بعدم وجوب الجماعة-: (ولكن المحروم من حرم صلاة الجماعة فإن صلاة يكون أجرها أجر سبع وعشرين صلاة لا يعدل عنها إلي صلاة ثوابها جزء من سبعة وعشرين جزءًا منها إلا مغبون، ولو رضي لنفسه في المعاملات الدنيوية بمثل هذا لكان مستحقًا لحجره عن التصرف في ماله لبلوغه من السفه إلى هذه الغاية والتوفيق بيد الرب سبحانه)[8].

4 - صلاة النافلة بالبيت أفضل؛ لتنوير البيت بالصلاة، والبعد عن الرياء والسمعة.

طريقة الاستدلال:

1- كيف نجمع بين قوله: «بسبع وعشرين»، وقوله في رواية: «بخمس وعشرين»؟

الجمع بينها من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه لا منافاة بينها فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين.

والثاني: أن يكون أخبر أولًا بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها، ولا يُقال: إن ذلك يحتاج إلى معرفة أن السبع والعشـرين هي المتأخرة؛ لأن الظاهر تقديم الخمس على السبع، من جهة أن الفضل من الله تعالى يقبل الزيادة لا النقص، فلا يحتمل أن السبع متقدمة على الخمس.

والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة: فيكون لبعضهم خمس وعشـرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة، ومحافظته على هيئتها، وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك فهذه هي الأجوبة المعتمدة[9].

2 - قوله: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»: ظاهره العموم في جميع النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة المفروضة، فبقيت النوافل، ولكنه محمول - عند الجمهور- على ما لا تشرع فيه الجماعة؛ كالرواتب وقيام الليل وصلاة الضحى، وأما ما تشرع فيه الجماعة فالأفضل فيه المسجد، كالتراويح[10].

3 - قاعدة: (العبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالح):

ومن أمثلة ذلك: أن السنة أن يصلي المسلم صلاة التطوعات القبلية والبعدية في البيت؛ لحديث: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، ففعلها في البيت هو الأمر الفاضل، وفعلها في المسجد هو الأمر المفضول، ولكن إذا كان في فعلها في المسجد تعليم للناس إما بأعدادها، أو صفاتها، أو شرعيتها، أو كون العامة سيتهاونون بها إذا رأوا طالب العلم لا يهتم بأدائها، وهم لا يعلمون أنه يقوم بها في البيت، أو كان يُشغل عن فعلها في البيت، ففي هذه الحالات ونحوها يكون فعلها في المسجد أفضل، وذلك لاقتران المصلحة الشرعية بها.

4 - قاعدة: علامات النفاق لا تكون بترك مستحب ولا بفعل مكروه:

من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو فعل محرم[11]، وهذا يدل على أن المداومة على التخلف عن الجماعة من المحرمات.

5 - قاعدة: الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها[12].

ومن ذلك: أن صلاة النافلة في البيت فضيلة من حيث إنه يتعلق بها الخشوع والإخلاص، فهي أفضل من صلاتها في المسجد، ولو في المسجد النبوي.

حكم صلاة الجماعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43]. قال ابن كثير: (وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة).

[الأحاديث]

405- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ»، متفق عليه.

406- وعنه قال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الـمَسْجِدِ، فَرَخَّص لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ»، رواه مسلم.

407- وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»، رواه ابن ماجه وصحَّحه ابن حبان، وإسناده على شرط مسلم، لكن رجَّح بعضهم وقفه. [أعلَّه أحمد فيما نقله ابن رجب في فتح الباري (4/10)، والدارقطني في السنن (2/293)، والبيهقي في الكبير (5/504)].

التوضيح:

- لقد هممت: أردت وعزمت.

- أخالف إلى رجال: خالف: أي: أتاه إذا غاب عنه.

- عَرْقًا: العرق؛ بفتح العين وسكون الراء: العظم بما عليه من بقايا اللحم بعدما أخذ عنه معظم اللحم.

- مِرْمَاتَين: المرماة: قيل هو ما بين ظلفي الشاة، وقيل: سهمان يرمي بهما الرجل.

وذكر العرق والمرماتين على وجه ضرب المثال بالأشياء التافهة الحقيرة من الدنيا، وفيه توبيخ لمن رغب عن فضل صلاة الجماعة، مع أنه لو طمع في إدراك يسيرٍ من عرض الدنيا لبادر إليه، وهو يسمع منادي الله فلا يجيبه.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة الأول دليل على جواز الحلف من غير استحلاف، وقد ذكر ابن القيم أن النبي ﷺ حلف في أكثر من ثمانين موضعًا، وذكر أنه يجوز الحلف، بل يستحب على الخبر الديني الذي يريد تأكيده[13].

2 - وفيه دلالة ظاهرة على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وهو المذهب عند الحنابلة، وهو المختار عند الحنفية، واختاره ابن المنذر من الشافعية. والمذهب عند الشافعية وبعض المالكية أنها فرض كفاية[14].

3 - وفي الحديث دليل على جواز التعزير بالمال، كأن يُغَرَّمَ شخصٌ مبلغًا من المال أو يتلف شيء من ماله؛ وذلك لأن تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة من العقوبة المالية، وهو مذهب الشافعي القديم، والمشهور من مذهب المالكية في مواضع مخصوصة، ورجَّحه ابن تيمية، وابن القيم[15].

4 - وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل أيضًا على وجوب صلاة الجماعة في المسجد؛ لأن النبي ﷺ لم يجد رخصة لرجل أعمى بعيد الدار ليس له قائد يأتي به إلى المسجد، وقال له: «أجب». والجمهور على أن العمى ليس عذرًا في التخلف عن الجماعة إذا وجد قائدًا ولو بأجرة لا تجحف به، وقال أبو حنيفة: (إنه عذر ولو وجد من يقوده أو يحمله، لأنه لا عبرة بقدرة الغير)[16].

5 - من سمع النداء بالأذان للصلاة فعليه الإجابة، ولو كان منزله بعيدًا، وأما من كان قريبًا من المسجد فإنه تجب عليه الإجابة مطلقًا سمع النداء أم لا، والمرجع في سماع النداء إلى ما كان معروفًا في عهد النبي ﷺ وعند الناس إلى زمن قريب، قبل مكبرات الصوت، وأما مكبرات الصوت فلا يترتب عليها حكم الإجابة؛ لأنها لا تنضبط، فقد يكون صوتها عاليًا يسمع من أماكن بعيدة، وقد يكون دون ذلك، ولو رُبط الحكم بمكبر الصوت لصار في ذلك مشقة؛ لأنه قد يُسمع من مكان بعيد يشق الوصول إليه، والله تعالى أعلم[17].

6 - واستدل بحديث ابن عباس من قال بأن صلاة الجماعة شرط في صحة الصلاة، وهو قول ابن حزم ورواية عن أحمد اختارها جماعة من أصحابه وابن تيمية[18]، والصحيح أن صلاة الجماعة فرض، وليست شرطًا.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

في حديث أبي هريرة الأول بيان نعمة الإيمان بالله تعالى، ورجاء ثوابه؛ فإن ذلك يخفف الطاعة على صاحبها ويحببها إليه، ويسهلها له، وييسرها عليه، كما أن نقمة النفاق - والعياذ بالله - تكون ظلامًا على صاحبها فيظلم قلبه، وتعمي بصيرته، وينسى نفسه، حتى تثقل عليه الطاعات، ويكره العبادات، فينزل به هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وهو على حاله من الغفلة والضلال[19].

طريقة الاستدلال:

1 - في همِّ النبي ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عنها دليل على أن صلاة الجماعة فرض عين؛ إذ إنه لا يهم بهذه العقوبة إلا من أجل ترك واجب، وهو حضور الجماعة، ولا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، ولو كانت فرض كفاية لكان أداء الرسول ﷺ ومن معه الصلاة كافيًا عن الجميع، ولو كانت سنة لم يهدد النبي ﷺ تاركها بذلك.

2 - حديث: «منْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْر»: محمول على نفي الكمال الواجب لا على نفي الصحة؛ جمعًا بينه وبين حديث: «صَلَاةُ الجمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، وغيره من الأحاديث.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة