حجم الخط:

محتوى الدرس (42)

أحكام إدراك الجماعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] المراد المقارنة بالفعل، وهي الصلاة جماعة؛ لأن الأمر بالصلاة قد تقدم، فلا بد من فائدة أُخرى. وتخصيص الركوع؛ لأن بإدراكه تدرك الصلاة، فمن أدرك الركعة أدرك السجدة.

[الأحاديث]

408- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» متفق عليه.

409- وعن يزيد بن الأسود رضي الله عنه أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمْا، ثُمَّ أَدْرَكْتُمْا الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمْا نَافِلَةٌ»، رواه أحمد واللفظ له، والثلاثة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان. [وابن خزيمة في الصحيح (1279)، وعبد الحق في الأحكام الوسطى (1/283)، والنووي في خلاصة الأحكام (2/665)، وقال البيهقي في الكبير (4/427): هذا الحديث له شواهد قد تقدم ذكرها فالاحتجاج به وبشواهده صحيح].

410- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، متفق عليه.

411- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام»، رواه الترمذي بإسناد ضعيف.

التوضيح:

- تُرْعَدُ فرائصهما: الفرائص: جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف؛ تهتز عند الفزع والخوف.

- صلينا في رحالنا: كان ذلك بمنى، وفي منى يتفرق الناس، ولهذا لم ينكر النبي ﷺ عليهما صلاتهما في رحالهما.

- وعليكم السكينة والوقار: قيل: هما بمعنى واحد، فيكون ذكر الوقار من باب التأكيد، وقيل: بينهما فرق، فالسكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث بيد أو رجل. والوقار: في الهيئة؛ كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.

ترجمة الراوي:

يزيد بن الأسود: هو أبو جابر يزيد بن الأسود السوائي، ويقال: الخزاعي، ويقال: العامري، عداده في أهل الطائف، والد جابر بن يزيد بن الأسود، له صحبة، سكن الطائف، وشهد الصلاة مع رسول الله ﷺ، وروى عنه هذا الحديث في الصلاة.

الدلالات الفقهية:

1- اتفق الفقهاء على أن من أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة؛ لحديث أبي هريرة الأول، ولأنه لم يفته من الأركان إلا القيام، وهو يأتي به مع تكبيرة الإحرام، ثم يدرك مع الإمام بقية الركعة، وعليه أن يأتي بالتكبيرة منتصبًا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو ببعضها لا تنعقد؛ لأنه أتى بها في غير محلها[1].

2- أما الجماعة، فظاهر الحديث كذلك أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة فأكثر، وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد، واختار ذلك ابن تيمية[2]. والجمهور على أن فضيلة الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة، فمن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ فَيُتِمُّ ما فاته، ويكون مدركًا للجماعة؛ للحديث المتفق عليه: «إِذَا سَمِعْتُمْ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»[3].

3- في حديث يزيد بن الأسود دليل على أن من دخل مسجدًا فوجدهم يصلون، وهو قد صلَّى، أنه يشرع له أن يصلي معهم، وتكون هذه الصلاة له نافلة، وقد أجمع العلماء على استحباب الإعادة لمن صلى منفردًا[4]، أما إن صلاها بجماعة، ثم رأى جماعة أخرى يصلونها في غير المساجد الثلاثة، ففي إعادتها معهم خلاف بين العلماء[5].

4 - وظاهر الحديث أن الإعادة بنية النافلة جائزة في جميع الصلوات، ولو كان الوقت بعدها وقت نهي -كالصبح والعصر- وهو مذهب الشافعية والحنابلة[6].

5 - وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على أن المسبوق يدخل مع الإمام في أي جزء أدركه فيه، ولو في التشهد قبل التسليم، لعموم قوله: «فما أدركتم فصلوا».

6 - ودلَّ أيضًا حديث عليٍّ رضي الله عنه على أن من أدرك الإمام قبل السلام فإنه يستحب له الدخول معه في صلاته على الحال التي يجده اللاحق عليها؛ سواء كان الإمام في القيام أو الركوع أو السجود أو بين السجدتين أو في التشهد.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- الحكمة من إعادة من صلى في رحله ثم حضر المسجد فوجد الجماعة قائمة هي: حضور الجماعة، وتحصيل فضلها، ولئلا يكون حضوره والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به، والوقوع في عرضه، ولئلا يتعلق بذلك من يتكاسل، ويقول: صليت، وهو لم يصلِّ، مع ما في ذلك من مراعاة فضل الألفة، ولزوم الجماعات، وترك الخلاف، وافتراق الكلمة[7].

2- استحباب الإتيان إلى الصلاة بحالة سكينة ووقار؛ لأن هذه الحال هي المناسبة للإتيان إلى هذه العبادة الجليلة، وهي الحال اللائقة بالإقبال لمناجاة الله تعالى، وهي المقتضية للدخول في بيت من بيوت الله تعالى، ولأن المقبل إلى الصلاة هو في صلاة، فلتكن حاله قبل الدخول كحاله وهو داخل فيها من الخشوع والخضوع والسكينة[8].

طريقة الاستدلال:

1 - حديث أبي هريرة الأول يدل بمنطوقه على أن من أدرك ركعة من صلاة مع الإمام فقد أدرك صلاة الجماعة؛ لأنه عام في جميع صور إدراك الركعة من الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أم إدراك وقت. ويدل بمفهومه على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أم إدراك وقت.

2- دل حديث يزيد بن الأسود بعمومه على ما يأتي:

أ - أن الإعادة جائزة في جميع الصلوات، ولو فيما يكون عقبه وقت نهي، كالعصر والفجر.

ب - أنه لا فرق في إعادة الصلاة بين المغرب وغيرها، فالنبي أمر بالإعادة أمرًا عامًّا.

3 - الأحاديث التي فيها النهي عن الإسراع عامة في جميع الأحوال، ولا فرق فيها بين من يخاف فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات ركعة، أو فوات الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك، كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها؛ خلافا لمن خصَّص شيئا من هذا.

4- قاعدة ومقصد: السكينة مطلوبة عند القيام بوظائف العبودية؛ لأنها تورث الخضوع والخشوع، وغض الطرف، وجمعية القلب على الله تعالى بحيث يؤدي العبد عبوديته بقلبه وبدنه، والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب[9].

متابعة الإمام:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ [النساء: 102] فإذا كانوا مأمورين بمتابعة الإمام وقت الخوف والحرب، فمتابعته عند زوال ذلك أولى وأحرى.

[الأحاديث]

412- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الْـحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ»، رواه أبو داود، وهذا لفظه، وأصله في الصحيحين[10].

413- وعنه، عن النبي ﷺ قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار؟!» متفق عليه.

414- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده، متفق عليه.

415- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا. فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ»، رواه مسلم.

التوضيح:

- ليُؤْتَمَّ به: أي: ليُقتدى به ويتابع، فلا يسبقه المأموم، ولا يقارنه، ولا يتأخر عنه.

- أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار: ظاهره يقتضي تغيير الصورة الظاهرة، ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازي؛ فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فروض الصلاة ومتابعة الإمام، والحمل على الظاهر هو الأصل.

- سمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه: أي: استجاب الله تعالى لمن وصفه بصفات الكمال محبة وتعظيمًا.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على وجوب متابعة الإمام، ومتابعته تعني أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة -من: الركوع والرفع والسجود- بعد فراغ الإمام، وكذلك يتابعه في التكبير؛ فلا يكبر حتى يكبر. فإذا كبر الإمام للركوع انتظره المأموم حتى يفرغ من التكبير ويتم ركوعه ثم يركع متابعًا له دون تأخير، وهكذا في بقية الصلاة.

2 - في حديث أبي هريرة الثاني ذم من يرفع رأسه قبل أن يفعل ذلك الإمام، وتحريم ذلك؛ لما فيه من مسابقة الإمام.

3 - مخالفة الإمام تكون بالمسابقة؛ وهي أن يسبق المأموم إمامه في شيء من أفعال الصلاة، مثل: أن يتقدمه في تكبير، أو ركوع، أو رفع، أو سجود، أو سلام، أو غير ذلك من الأفعال أو الأقوال داخل الصلاة، قال شيخ الإسلام: (أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة: لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله)[11]، وتكون المخالفة كذلك بالموافقة، بأن يركع مع ركوع الإمام سواء بسواء، ويسجد مع سجوده ويكبر مع تكبيره كذلك، وتكون بالتخلُّف الكثير عن متابعة الإمام.

4 - الأرجح أنه متى سبق إمامه بركن عالمـًا ذاكرًا فصلاته باطلة، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة [12].

5 - وموافقة الإمام تكون إما في الأقوال أو في الأفعال، أما الموافقة في الأقوال فمكروهة في غير تكبيرة الإحرام، وحرام في تكبيرة الإحرام؛ فالموافقة فيها تبطل الصلاة؛ لأنه يشترط فيها أن يأتي بها المأموم بعد إمامه، فلو أتى بها معه لم يعتد بها، والموافقة في الأفعال مكروهة.

6 - إن تأخر المأموم عن إمامه بركن أو أكثر، فإن كان التخلف بعذر كنوم أو سهو، أو جهل، أو عدم سماع للإمام؛ فإن المأموم في هذه الحالة يأتي بما تخلف به عن الإمام، ويلحقه حتى يدركه فيتابعه ولا شيء عليه، إلا إذا سبقه الإمام بركعة كاملة، فإنه يمضي مع الإمام في هذه الحالة، فإذا سلم الإمام قام المتخلف فأتى بالركعة التي فاتته. أما إن تأخر بغير عذر حتى فاته ركن فصلاته باطلة[13].

7 - في حديث البراء بيان صفة متابعة الإمام في الصلاة، وهي ألا ينتقل المأموم من القيام إلى السجود حتى يسجد الإمام، وكذلك الحال في بقية أفعال الصلاة.

8 - وفي حديث أبي سعيد دليل على استحباب الدنو من الإمام وقرب الصف الأول منه.

9 - وفيه جواز اعتماد المأموم في متابعة إمامه الذي لا يراه ولا يسمعه على صف قدامه يراه متابعًا للإمام، فإذا كثرت الجماعة وتعددت الصفوف، فلا تشترط رؤية الإمام، بل يكفي سماع صوته للاقتداء به، كما لو كان المأموم في ساحة المسجد أو في الدور الثاني.

فإن كان المأموم خارج المسجد، فإن اتصلت الصفوف -كما في الساحات التابعة للمساجد الكبيرة- صحَّت صلاة المأموم بلا خلاف، نقل ذلك ابن تيمية وغيره، وأما إذا لم تتصل الصفوف بأن وجد فاصل من طريق ونحوه، فهو موضع خلاف بين أهل العلم، والأظهر - والله أعلم - صحة الصلاة مع وجود الفاصل من طريق أو نحوه، وهذا قول الشافعية والمالكية، لكن الشافعية يشترطون رؤية الإمام أو بعض المأمومين، وهو رواية عن أحمد، والمالكية يشترطون الرؤية أو سماع الصوت؛ لأن المقصود الاقتداء، وهو حاصل بذلك ولو مع الفاصل، وهذا رواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة[14].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- في الصلاة تعليم للانضباط والنظام؛ فبالمحافظة عليها وعلى آدابها يتعود المسلمون على حسن التنظيم، وجمال الترتيب، والامتثال، والطاعة بالمعروف، وهذا من جملة أسرار صلاة الجماعة[15].

2- استحب الصف الأول والدنو من الإمام لما في ذلك من المصالح، ومنها: أن ينوب عن الإمام إذا عرض له عارض، ومنها: أن يقتدي بصلاة إمامه ويستفيد منه، لا سيما إذا كان الإمام فقيهًا، ومنها: أن ينبه الإمام إذا سها.

طريقة الاستدلال:

1 - في قوله: «إنما جُعِلَ الإمام»: إنما أداة قصر، تثبت الحكم للمذكور وتنفيه عمَّا عداه، فظاهره قصر وظيفة الإمام على الائتمام به في كل شيء سواء في ذلك الأقوال والأفعال والنية، ولكن هذا العموم مخصوص بما اقتضاه حديث معاذ من جواز اختلاف نية الإمام والمأموم.

2 - دل على المتابعة: التعقيب بالفاء عقب ذكر أفعال الإمام «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا...، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا...» فالعطف بها يفيد الترتيب باتصال، أي: دون تراخ.

3 - قوله: «فإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، ولاَ تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّر»: الجملة الثانية زيدت تأكيدًا لما أفاده مفهوم الشرط في الجملة الأولى من أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه، فأبرز المفهوم بصورة المنطوق للتأكيد، وكذا يقال في «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ»، وما بعدها من الجمل التي جاءت بلفظ النهي.

4 - ضابط: (التخلف عن الإمام كسبقه): فإذا تأخر المأموم متعمدًا حتى يسبقه الإمام بركن، فصلاته باطلة على الصحيح، كما لو سبقه بركن متعمدًا.

تخفيف الإمام في الصلاة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ ٧٧ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 77، 78] والحرج في الآية نكرة في سياق النفي، وهو يفيد العموم، فدل ذلك على مشروعية التخفيف رفعًا للحرج والمشقة.

وقال الله تعالى: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المزمل: 20].

[الأحاديث]

416- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ العِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ : «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ: بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى»، متفق عليه. واللفظ لمسلم.

417- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْـحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ»، متفق عليه.

418- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم صلاة، من رسول الله »، متفق عليه.

سبب ورود حديث جابر:

عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل، فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة - أو النساء - فانطلق الرجل وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتى النبي ، فشكا إليه معاذًا، فقال النبي : «يا معاذ، أفتان أنت» - أو «أفاتن» - ثلاث مرار: «فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة». رواه البخاري ومسلم.

التوضيح:

- فليخفف: أي: القراءة والركوع والسجود بما لا يبلغ حد الإخلال بالصلاة.

- الضعيف: أي: المريض، أو ضعيف الخلقة لهزال أو كبر أو صغر أو مرض.

- ذا الحاجة: أي: صاحب الحاجة، وهو المحتاج للتخفيف لحاجة له، ولو كانت من أمور الدنيا، كما في قصة الرجل في حديث معاذ بتمامه.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث جابر بتمامه دليل على جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر؛ كأن يطيل الإمام إطالة زائدة عن المشروع تشق على المأموم، ولو كان العذر من أمور الدنيا.

2 - وفي الأحاديث دليل على كراهة تطويل الإمام واستحباب التوسط في القراءة بنحو ما ذكر، وذلك لاختلاف أحوال المأمومين؛ لأن فيهم الضعيف، والمريض، والعاجز، أما إذا كان الجماعة محصورين، وأذنوا للإمام بالتطويل، فلا بأس به حينئذ.

إن التخفيف المأمور به هو الذي لا يصل إلى حد الإخلال بمقاصد الصلاة وأركانها وسننها، أو إلى سرعة تشق على من خلفه من كبار السن وغيرهم في أثناء القيام أو الركوع أو السجود.

3 - وفي حديث أبي هريرة أن الإنسان إذا صلى وحده فله أن يطيل ما شاء ما لم يخرج الوقت.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- أن الفتنة تكون حتى في أعمال الخير إذا خرج بها الإنسان عن حدِّها، فإضجار الناس في العبادة، وتثقيلها على نفوسهم من الفتنة[16].

2 - وفي حديث أبي هريرة أن من مصالح التخفيف: الرفق بمن وراء الإمام، وتأليف الناس وتحبيب الصلاة إليهم، ودعوتهم إلى المواظبة على صلاة الجماعة.

3 - وفيه مراعاة الضعفاء والعجزة في جميع الأمور التي يشاركهم فيها الأقوياء، سواء في الأمور الدينية، أو الاجتماعية[17].

طريقة الاستدلال:

1 - دل الإقرار على جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، ولو كان العذر من أمور الدنيا؛ لأن النبي ﷺ علم بحال هذا الرجل، ولم ينكر عليه انفراده عن معاذ، ولو كان مثل ذلك لا يجوز لبيَّنه له؛ لأن المقام مقام بيان، وإنما أنكر على معاذ، وحثَّه على التخفيف.

2 - الأمر في قوله: «فليخفف» للاستحباب، وليس للوجوب؛ لأن النبي أطال القراءة في بعض الصلوات، حتى قرأ في بعضها بالأعراف.

3 - تسمى اللام الواردة في قوله ﷺ: «فإذا صلَّى وحده، فليصل كيف شاء» لام الأمر، لكنها في هذا الموضع للإباحة أو للاستحباب؛ لقوله: «كيف شاء».

جواز اقتداء المفترض بالمتنفل:

[الأحاديث]

419- عن جابر رضي الله عنه: «أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» متفق عليه واللفظ لمسلم.

التوضيح:

- العشاء الآخرة: هي صلاة العشاء.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وهو قول الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة [18].

2 - وذهب الجمهور إلى المنع[19]، واستدلوا بعموم حديث مسلم عن أبي هريرة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه..»، قالوا: ومن ذلك الاختلاف في النية، والراجح هو مذهب الشافعية؛ لخصوص الدليل.

3 - وفيه صحة صلاة المتنفل خلف المفترض بطريق الأولى، وهو أمر مجمع عليه[20].

طريقة الاستدلال:

1 - قُدِّم حديث جابر الذي فيه صلاة المفترض خلف المتنفل، على حديث أبي هريرة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»؛ لأن حديث جابر خاص، وحديث أبي هريرة عام، والخاص مقدم على العام[21].

2 - دل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وصحة الصلاة مع اختلاف النية السنة التقريرية؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ اطلع على فعل معاذ ولم ينكره، وعلى فرض أنه ﷺ لم يعلم بذلك، فإن الزمن زمن وحي، ولا يقع فيه التقرير على ما لا يجوز، ولهذا استدل جابر على جواز العزل بكونهم فعلوه في زمن النبي ﷺ، ولو كان منهيًّا عنه لنُهي عنه في القرآن.

الصلاة خلف العاجز عن القيام:

[الأحاديث]

420- عن عائشة رضي الله عنها -في قصة صلاة رسول الله ﷺ بالناس وهو مريـض- قالت: «فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ»، متفق عليه.

الدلالات الفقهية:

1 - فيه دليل على جواز إمامة العاجز عن القيام بالقادرين عليه.

2 - الجمهور على صحة الصلاة خلف إمام قاعد، ولكنهم اختلفوا في كيفية الصلاة خلفه، فقيل: يصلون خلفه قيامًا مطلقًا، ويكون هذا الحديث ناسخًا لحديث عائشة في الأمر بصلاتهم خلفه جلوسًا، وقيل: إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعدًا صلَّى من خلفه قعودًا، وإذا ابتدأ الإمام الصلاة قائمًا، ثم عجز في أثناء الصلاة عن القيام صلَّى من خلفه قيامًا، وذلك جمعًا بين الأحاديث[22].

3- الأفضل أن الإمام إذا كان مريضًا أو عاجزًا عن القيام أن يستخلف غيره، قال ابن قدامة: (المستحب للإمام إذا مرض وعجز عن القيام أن يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف؛ ولأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، فإن قيل: قد صلى النبي ﷺ قاعدًا بأصحابه، ولم يستخلف؟ قلنا: صلى قاعدًا ليبين الجواز، واستخلف مرة أخرى؛ ولأن صلاة النبي ﷺ قاعدًا أفضل من صلاة غيره قائمًا)[23].

طريقة الاستدلال:

1 - (ال) في قوله : «إنما جعل الإمام ليؤتم به» تفيد العموم، فلا فرق في العجز بين الإمام الراتب أو غيره، وخص الحنابلة ذلك بالإمام الراتب المرجو زوال علته، قصرًا للحديث على أضيق مدلولاته، والراجح عدم التفريق بينهما؛ لعموم الحديث وعدم المخصص[24].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة