حجم الخط:

محتوى الدرس (43)

أحكام الإمام:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 11] دلَّت الآية على تقديم من قدَّمه الله ورفعه؛ وهم أهل العلم العارفين بأحكام الصلاة، وأول العلم أخذ القرآن الكريم، فإن كانوا في العلم سواء فأكثرهم إيمانًا وعملاً صالحًا.

وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 204]، دلَّت الآية على لزوم إنصات المأموم لقراءة الإمام.

وقال الله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: 34] دلَّت الآية بعمومها على أن المرأة لا تؤم الرجال.

[الأحاديث]

421- عن عمرو بن سلمة قال: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا. قَالَ: «فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رواه البخاري.

422- وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا - وَفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا- وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»، رواه مسلم.

423- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ألا لا تؤمَّنَّ امرأة رجلًا، ولا أعرابي مهاجرًا، ولا فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه»، رواه ابن ماجه بإسناد واهٍ.

424- وعن أنس رضي الله عنه «أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم، يؤم الناس وهو أعمى»، رواه أحمد وأبو داود. [ضعيف قال البزار في المسند (7266): وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة إلا عمران القطان]. ونحوه لابن حبان: عن عائشة رضي الله عنها.

425- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله الا الله»، رواه الدارقطني بإسناد ضعيف.

426- وعن أم ورقة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا»، رواه أبو داود وصحَّحه ابن خزيمة. [قال الحافظ في التلخيص الحبير (2/907): (وفي إسناده عبد الرحمن بن خلاد، وفيه جهالة)، واستغربه الحاكم في المستدرك (742)، وضعَّفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (592)].

ترجمة الرواة:

1 - عمرو بن سلمة: هو أبو يزيد عمرو بن سلمة الجرمي، أمَّ قومه في حياة النبي ﷺ وهو صبي؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا، ولم يثبت له سماع ولا رؤية، نزل البصرة، توفي سنة (85).

2 - أم ورقة: بنت عبد الله بن الحارث الأنصارية، كانت قد جمعت القرآن، وكانت تؤم أهل دارها، كان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، قتلها غلام لها وجارية في خلافة عمر بن الخطاب.

التوضيح:

- أقرؤهم لكتاب الله: أي: أكثرهم حفظًا، وقيل: أجودهم وأحسنهم وأتقنهم قراءة، وقيل: أفقههم.

- فأعلمهم بالسنة: أي: فأعلمهم بالشرع، وأكثرهم فقهًا.

- فأقدمهم سِلمًا: أي: إسلامًا.

- في سلطانه: أي: في محل ولايته، عامة كانت، أو خاصة؛ كصاحب البيت لا يؤمه غيره في بيته.

- تكرمته: المراد به: الفراش ونحوه مما يوضع لصاحب المنزل ويختص به؛ كصدر المجلس.

الدلالات الفقهية:

1 - اتفق الفقهاء على أن بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال، ومن استجمع خصال العلم وقراءة القرآن والورع وكبر السن وغيرها من الفضائل كان أولى بالإمامة، ولا خلاف في تقديم الأعلم والأقرأ على سائر الناس، ولو كان في القوم من هو أفضل منه في الورع والسن وسائر الأوصاف.

2- في حديث عمرو بن سلمة دليل على أنه يقدَّم في الإمامة أقرأ القوم للقرآن، وهو مذهب الحنابلة وأبي يوسف. وجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية على أن الأعلم بأحكام الفقه أولى بالإمامة من الأقرأ، قال ابن رجب: (ونص أحمد على أنه يقدم الأقرأ إذا كان يعرف ما يحتاج إليه الصلاة من الفقه، وكذلك قال كثير من المحققين من أصحابه، وحكوا مذهبه على هذا الوجه)[1].

3 - قال الحافظ: (ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلًا بذلك، فلا يقدم اتفاقًا، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان فالأقرأ منهم بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم) [2].

4 - وفيه دليل على جواز إمامة الصبي، وصحة إمامته للبالغ، وهو مذهب الشافعية، والجمهور على اشتراط البلوغ.

5 - وفي حديث أبي مسعود أن الأئمة إذا تساووا في الفقه في الدين، فإنه يقدم أقدمهم هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام؛ لأن المتقدم أسبق إلى الخير وأقرب إلى معرفة الشـرع ممن تأخر، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلامًا وهو أكبرهم سنًا، ومن كان أقدم سلمًا فهو أكبرهم سنًّا إلا أن يكونوا كفارًا ثم أسلموا، فأقدمهم إسلامًا هو المقدَّم بالإمامة.

6 - وفيه أن صاحب البيت، وإمام المسجد، والسلطان الأعظم، وصاحب المكان أحق بالإمامة ممن توفرت فيهم صفات الإمامة، وأن ذلك حق له، له أن يتنازل عنه لمن يريد، وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولًا بالنسبة للحاضرين؛ لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء، ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه.

وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا اجتمع قوم وكان فيهم ذو سلطان، كأمير ووال وقاض فهو أولى بالإمامة من الجميع حتى من صاحب المنزل وإمام الحي، وإن لم يكن بينهم ذو سلطان يقدم صاحب المنزل، ويقدم إمام الحي وإن كان غيره أفقه أو أقرأ أو أورع منه، إن شاء تقدم وإن شاء قدم من يريده. لكنه يستحب لصاحب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه[3].

7 - وفيه أنه يمنع التصرف في ملك الغير إلا بإذنه، وخَص التكرمة بالذكر للتساهل في القعود عليها، وإذا منع القعود فمنع التصرف بنقلها أو بيعها أولى.

8 - وفي حديث جابر دليل على أنه لا تصح إمامة المرأة للرجل، لا في الفرض ولا في النافلة بلا خلاف بين الفقهاء[4]؛ وذلك مقتضى عموم النهي الوارد في الحديث، وفيه كراهة إمامة الأعرابي -وهو ساكن البادية- لأن الغالب عليهم الجهل بالأحكام[5].

9 - وفيه دليل على النهي عن إمامة الفاسق للمؤمن، أو المؤمنين، وقد اختلف الفقهاء في صحة إمامة الفاسق[6] ؛ لأنه إن كان مظهرًا للفجور والبدع فيجب الإنكار عليه، ونهيُه عن ذلك، وأقلُّ مراتب الإنكار هجره؛ لينتهي عن فجوره وبدعته[7]. والصلاة صحيحة على الراجح عند الجمهور[8]، ولكنها ناقصة بكل حال.

10- وفي حديث أنس دليل على صحة إمامة الأعمى بلا كراهة.

11- ودلَّ حديث ابن عمر على صحة الصلاة خلف كل مسلم قال: (لا إله إلا الله)، ولو كان فاسقًا.

12- وفي حديث أم ورقة دليل على صحة إمامة المرأة للنساء، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة[9]، وتقوم في وسطهن إذا صلت بهن؛ لأن ذلك أستر لها، وأما إذا أمَّت المرأة امرأة واحدة، فإنها تقوم عن يمينها كالمأموم مع الرجال، وتجهر في صلاة الجهر، وإن كان هناك رجال يسمعونها فلا تجهر إلا أن يكونوا من محارمها، فلا بأس[10].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - فضل قراءة القرآن الكريم وتعلُّمه، وأن الله يرفع أهله به في الدنيا والآخرة.

2 - في هذه الأحاديث تنبيه للمسلمين في عموم الولايات، فلا يقدَّم فيها ويولى عليها إلا من هو أهل لها، واجتمع فيه الشرطان العظيمان: الأمانة فيه، والقوة عليه، كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: 26]، وما ذل المسلمون وفقدوا عزهم، وعمَّهم الفساد إلا بترك هذه الأمانة وإضاعتها؛ فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «إذا ضيعت الأمانة؛ فانتظر الساعة»، فقال الأعرابي: كيف يا رسول الله إضاعتها؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله»[11].

3 - الحكمة من عدم صحة إمامة الأعرابي للمهاجر أن الغالب على أهل البادية الجفاء وقلة المعرفة بحدود الله تعالى وأحكام الصلاة؛ لبعدهم عمَّن يتعلمون منه، أما إذا كان الأعرابي أقرأ من المهاجر فيقدَّم عليه.

طريقة الاستدلال:

1 - ضابط: من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، كالصلاة خلف الفاسق.

2 - قوله: «يؤم القوم» خبر بمعنى الأمر، فكأنه قال: على أقرأ القوم أن يؤم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة