حجم الخط:

محتوى الدرس (44)

الأمر بتسوية الصفوف:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء: 102].

وقال تعالى عن الملائكة: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ١٦٥ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات: 165، 166]، وقد ورد في صحيح مسلم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها».

[الأحاديث]

427- عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة» متفق عليه، ولفظ مسلم: «من تمام الصلاة».

428- وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: «عباد الله! لتسوُّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم»، رواه مسلم، وروى البخاري آخره.

429- وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ»، رواه أبو داود والنسائي وصحَّحه ابن حبان. [وابن خزيمة في الصحيح (1454)، والنووي في خلاصة الأحكام (2476) وقال: على شرط مسلم].

430- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» رواه مسلم.

431- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ»، متفق عليه.

432- وعن أنس رضي الله عنه قال: «صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فَقُمْتُ أنا وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.

ترجمة الراوي:

النعمان بن بشير: هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله، ولد بالمدينة في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد قدوم رسول الله ﷺ، كان من أخطب الناس، كان كريمًا جوادًا شاعرًا، بايع ابن الزبير فخالفه أهل حمص، فأخرجوه منها، واتبعوه وقتلوه، وذلك بعد وقعة مرج راهط سنة (65).

سبب ورود حديث ابن عباس:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ، فلما كان في بعض الليل، قام رسول الله فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا، ثم قام يصلي، فقمت، فتوضأت نحوًا مما توضأ، ثم جئت، فقمت عن يساره، فحولني، فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله، ثم اضطجع، فنام حتى نفخ، فأتاه المنادي يأذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلى ولم يتوضأ.

التوضيح:

- إقامة الصلاة: إتمامها وإكمالها.

- القِداح؛ بكسر القاف: خشب السهام حين تُنحت وتُبرى.

- عقلنا عنه: فهمنا ما أمرنا به من التسوية.

- باديًا صدره: ظاهرًا صدره من الصف.

- أو ليخالفن الله بين وجوهكم: قيل معناه: يمسخها ويحولها عن صورها لقوله : «يجعل الله تعالى صورته صورة حمار»، وقيل: يغير صفاتها، والأظهر -والله أعلم- أن معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب.

- رصُّوا صفوفكم: أي: ضموا بعضها إلى بعضها، حتى لا يكون بينكم فُرَج، فلا يُشـرع في الثاني حتى يتم الأول، ولا في الثالث حتى يتم الثاني، وهكذا.

- وقاربوا بينها: أي: بين الصفوف، بحيث يكون كل صف قريبًا مما قبله.

- وحاذوا بالأعناق: أي: اجعلوا الأعناق متحاذية، فلا يكون عنق أحدكم خارجًا عن محاذاة عنق الآخر.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديثي أنس وحديث النعمان بن بشير دليل على مشـروعية تسوية الصفوف، وهو مجمع عليه، والجمهور على أن ذلك مستحب[1]، ورجَّح شيخ الإسلام والشوكاني وابن عثيمين الوجوب[2].

2 - تسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمت واحد. وقد تدل تسويتها أيضًا على سد الفرج فيها.

3 - وأما إلزاق القدم بالقدم -كما يفعله بعض الناس- فهذا فيه أذية للآخرين، وفيه اشتغال وإشغال، اشتغال بما لم يُشرع، وإكثار من الحركة، واهتمام بعد القيام من السجود لملء الفراغ، وفيه إشغال للجار بملاحقة قدمه، كما أن فيه توسيعًا للفُرج، ويظهر ذلك إذا هوى المأموم للسجود، كما أن فيه اقتطاعًا لمحل قدم غيره بغير حق. والأحاديث التي قد توهم ذلك لا دليل فيها؛ لأن المراد بها المبالغة في تعديل الصف وسد الخلل والتراصّ، بدليل أن إلزاق الركبة بالركبة مستحيل[3].

4 - وفي حديث النعمان دليل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام أو من يوكله، وروى مالك عن نافع: «أن عمر رضي الله عنه كان يأمر رجالا بتسوية الصفوف، فإذا جاءوا فأخبروه أن الصفوف قد استوت كبَّر».

5 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أن الصف الأول للرجال خير الصفوف، ثم الذي يليه بالاتفاق [4].

6 - وفي حديث ابن عباس دليل على أن موقف المأموم الواحد إذا كان ذكرًا عن يمين الإمام، وهذا مجمع عليه عند العلماء[5]،وأنه إذا وقف عن يساره يتحول إلى يمينه وأنه إذا لم يتحول حوله الإمام.

7 - وفيه أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن صلاة الصبي صحيحة، وأن له موقفًا من الإمام كالبالغ وأن الجماعة في غير المكتوبات صحيحة[6].

8 - فيه دليل على جواز الشروع في الائتمام بمن لم ينو الإمامة.

9 - ودلَّ حديث أنس الثالث على أن المأمومين إن كانوا اثنين فأكثر، فإن موقفهم خلف الإمام، وهو قول الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم [7].

10 - وفيه: أن المرأة لا تقف مع الرجال، بل تكون خلفهم [8].

11- وفيه دليل على صحة مصافَّة البالغ للصبي، وأن من صلى بجانبه صبي فليس منفردًا، وهذا قول الجمهور خلافًا للحنابلة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من الحكمة في تسوية الصفوف: ألا يتخللهم الشيطان، فيفسد صلاتهم بالوسوسة كما في الحديث، مع ما في ذلك من حسن الهيئة، ولئلا ينشغل بعضهم ببعض بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير من حركاتهم فلا ينشغلون بها.

2 - في قوله ﷺ: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم» من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية.

3 - شر صفوف الرجال آخرها، لأنها أقلها ثوابًا، لترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول، ولقربها من النساء، ويغلب على أهل الصفوف المتأخرة الكسل والتهاون في أداء الصلاة، كما يغلب عليهم فوات الصلاة أو شيء منها، فيكون طمع الشيطان فيهم أكثر.

4 - وفيه أن أفضل صفوف النساء وأكثرها ثوابًا آخرها؛ لبعدها عن الرجال؛ لئلا يحصل الاختلاط إذا كثرت الصفوف[9].

5 - قال الإمام النووي -رحمه الله-: (أما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها)[10].

6 - تواضع النبي ﷺ، وكرم أخلاقه، ولطفه مع الكبير والصغير.

طريقة الاستدلال:

1 - في قوله: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ ابَيْنَ وُجُوهِكُمْ»: وعيد، وهذا لا يكون إلا على ترك واجب، إلا أن في قوله: «فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» إشعارًا بعدم الوجوب، لأن التمام يعني الكمال، وفوات الكمال لا يستلزم البطلان.

2 - قاعدة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا: لما كان شر صفوف النساء أولها معلَّلا بقربه من صفوف الرجال، انتفى هذا الحكم إذا صلين منفردات في مكان خاص بهن، وصار حكمهن في ذلك حكم الرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها.

3 - قاعدة: التعليل في مقابلة النص باطل، ومردود: فالتعليل الذي نص عليه الحنابلة من أنه لا تصح مصافَّة الصبي في الفرض؛ لعدم صحة إمامته، ولأنه يخشى ألا يكون متطهرًا فيكون البالغ معه منفردًا، كل هذا تعليل في مقابل النص الدال على الجواز، وهو حديث عمرو بن سلمة.

حكم الصلاة والركوع منفردًا خلف الصف:

[تمهيد]

الصلاة منفردًا خلف الصف تتنافى مع الأمر بالصف، إلا إذا لم يجد فرجة أو نحو ذلك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] وليس من الاستطاعة المشـروعة التشويش على مصل آخر بجذبه من الصف.

[الأحاديث]

433- عن أبي بكرة رضي الله عنه أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «زَادَكَ الله حِرْصًا وَلَا تَعُدْ»، رواه البخاري، وزاد أبوداود فيه: «فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ».

434- وعن علي بن شيبان مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، صحَّحه ابن حبان. [قال الحافظ في فتح الباري (2/213): في صحته نظر].

435- وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، وصحَّحه ابن حبان. [ضعَّفه الشافعي والبزار فيما نقله ابن رجب في فتح الباري (5/24)، وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى (1/355): في إسناده اضطراب. وقال البيهقي في معرفة السنن (4/182): وإنما لم يخرجاه صاحبا الصحيح لما وقع في إسناده من اختلاف]، وزاد الطبراني فيه: «ألا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَو اجْتَرَرْتَ رَجُلًا؟». [وإسناده ضعيف].

ترجمة الرواة:

1 - علي بن شيبان: هو أبو يحيى علي بن شيبان بن محرز بن عبد الله بن عمرو بن سحيم الحنفي اليمامي، وفد على النبي ﷺ مع أهل اليمامة، وروى عنه ابنه عبد الرحمن.

2 - وابصة بن معبد: هو وابصة بن معبد بن عتبة بن الحارث الجهني، من أهل الصفة، كان يجالس الفقراء ويقول: هم إخواني على عهد رسول الله ﷺ، كان كثير القراءة للقرآن، ويبكي حتى يبل الورق، توفى بالرقة، وقبره عند منارة مسجد جامع الرقة.

التوضيح:

- ولا تعد: أي: لا تَعُدْ ساعيًا إلى الدخول في الركوع قبل وصولك الصف، فتركع قبل الصف.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي بكرة دليل على أن من أدرك الركوع واستقر قبل أن يقيم الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك الركعة، وهو قول الجماهير من الأئمة الأربعة وغيرهم[11].

2 - وفيه دليل على صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وهو قول الجمهور[12]، وذلك أن أبا بكرة أتى ببعض الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وحملوا الأحاديث الأخرى على كراهة صلاة المنفرد خلف الصف فقط.

3 - ظاهر حديثي علي بن شيبان، ووابصة بن معبد: عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وأنها باطلة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة[13]، والراجح التفصيل، وهو أنه إن صلى خلف الصف منفردًا لعذر صحت الصلاة، وإن لم يكن له عذر لم تصح الصلاة، واختاره ابن قدامة، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والعثيمين[14].

4 - في رواية الطبراني لحديث وابصة: جواز جذب الرجل من الصف ليقف معه، والصواب عدم جواز ذلك؛ لضعف الحديث، ولما في ذلك من المحاذير، وهي:

المحذور الأول: التشويش على الرجل المجذوب.

المحذور الثاني: فتح فرجة في الصف، وهذا قطع للصف.

المحذور الثالث: أن فيه جناية على المجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول.

المحذور الرابع: أن فيه جناية على كل الصف؛ لأن جميع الصف سوف يتحرك لانفتاح الفرجة من أجل سدها.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

حُسن خُلق النبي ﷺ، ولطفه مع أصحابه، ورفقه بهم، ودعائه لهم، وحرصه على تعليمهم.

طريقة الاستدلال:

1 - استدل الشافعي وغيره بحديث أبي بكرة على أن الأمر في حديث وابصة للاستحباب؛ لكون أبي بكرة أتى بجزء من الصلاة خلف الصف ولم يؤمر بالإعادة لكن نهي عن العود إلى ذلك، فكأنه أرشد إلى ما هو الأفضل.

2 - قاعدة: (لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة): ولهذا كان في القول بالتفصيل جمع بين الأدلة، فيحمل حديث: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» على ما إذا قصَّـر في سد الفرجة والانضمام إلى الصف، وأما إذا لم يجد فرجة فتصح صلاته؛ لأنه ليس بمقصـر، والواجبات تسقط عند عدم القدرة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة