باب صلاة المسا
فر والمريض
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101].
روى مسلم عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما قال الله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ ، فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته».
436- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْـحَضَرِ»، متفق عليه. وللبخاري: «ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأَوَّلِ». زاد أحمد: «إِلَّا الـمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا القِرَاءَةُ». [ضعيف؛ فيه انقطاع].
437- وعنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ»، رواه الدارقطني، ورواته ثقات إلا أنه معلول. [قال ابن القيم في زاد المعاد (1/447) فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ]، والمحفوظ عن عائشة من فعلها، وقالت: «إِنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ». أخرجه البيهقي.
438- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ»، رواه أحمد وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان، وفي رواية: «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ». [في صحته نظر].
439- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «صحبت رسول الله ﷺ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك »، رواه البخاري.
440- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتِي الذِينَ إِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا»، أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، وهو في مرسل سعيد بن المسيب عند الشافعي مختصرًا.
- القصر في السفر: هو أن تصلى الصلاة الرباعية ركعتين.
- كما يحب أن تؤتى عزائمه: العزيمة: في اللغة الإرادة المؤكدة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه: 115]؛ أي لم يكن له قصد مؤكد في الفعل بما أمر به. وفي اصطلاح الأصوليين: اسم لما هو أصل المشروعات، غير متعلق بالعوارض[1].
1 - في الأحاديث دليل على مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر، وأن هذا ما كان عليه حال النبي ﷺ، وما استمر عليه خلفاؤه الراشدون ومن بعدهم، وقد أجمع العلماء على ذلك؛ أن لكل من سافر سفرًا مباحًا أو مشروعًا أن يقصـر الرباعية فيصليها ركعتين، وأجمعوا على أنه لا يقصر في المغرب ولا في صلاة الصبح[2].
2 - اختلف العلماء في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر، فالجمهور على أنه يشترط ألا يكون السفر محرمًا أو مكروهًا، فإذا كان كذلك لم تبح فيه رخص السفر، وذهب الحنفية إلى أنه يجوز القصر للمسافر مطلقًا؛ لعموم الأدلة، ورجَّحه شيخ الإسلام[3].
3 - ذهب الحنفية إلى أن القصر واجب، وفسـروا قول عائشة: «فرضت» بمعنى وجبت، والراجح أن القصر غير واجب، وأن المسافر يجوز له الإتمام، وهو قول الجمهور[4].
4 - وفي حديث عائشة الثاني دليل على جواز القصر والإتمام في السفر، ولكن الحديث لا يصح، وقال ابن القيم -رحمه الله-: (ولم يثبُت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة)[5]، لكن يدل على جواز الإتمام ما أخرجه مسلم من قول النبي ﷺ في القصـر: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، والصدقة لا يجب قبولها، ولو كان القصر واجبًا لقال: عزمة من عزمات ربنا أو نحو ذلك.
5 - وفيه وفي حديث جابر الأخير كذلك دليل على أن قصر الصلاة في السفر رخصة، فهو أفضل من إتمامها، وهو قول أكثر العلماء، وهو ما داوم عليه النبي ﷺ، وما استمر عليه خلفاؤه الراشدون ومن بعدهم[6].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - القصر رحمة من الله تعالى بعباده، فإن المسافر يلحقه مشقة وتعب ونصب، فمن لطف الله تعالى بعبده أن خفف عنه شطر الصلاة، واكتفى منه بالشطر الثاني؛ لئلا تفوت عليه مصلحة العبادة، فينقطع عن ربه ومناجاته[7].
2 - وفي حديث ابن عمر دليل على أن الله تعالى يحب من عباده أن يأخذوا برخصه، لما فيها من التيسير والتسهيل عليهم، كما يكره أن تؤتى معصيته بترك واجب أو فعل محرم، لما في ذلك من الاستهانة بأحكام شرعه، وكلها عزائم، فالواجبات عزائم من الله تعالى لفعلها، والمحرمات عزائم من الله تعالى لتركها، ومن الرخص رخص السفر من: القصـر، والفطر، والجمع عند الحاجة إليه[8].
3 - القيام بأحكام الله تعالى، سواء كانت رخصة أو عزيمة، أجرها وفضلها متساويان، فالجميع طاعة لله تعالى، وامتثال لشرعه، ولما عظمت المنة في الرخصة؛ ساوت العزيمة في المحبة عند الله تعالى.
1 - منع الجمهور الرخص في سفر المعصية؛ لأن الرخصة يتشدد فيها، ولا يتعدى بها مواضعها؛ لأنها على خلاف الأصل، والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا دون سفر، وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال الله تعالى: ﴿ ﭐ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184] [9].
2 - تأول الجمهور قول عائشة: «فرضت» على أنها بمعنى: قُدِّرت، وأنها ليست بمعنى الوجوب؛ لثبوت دلائل جواز الإتمام؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101] فقد علق القصر على الخوف؛ لأن غالب أسفار النبي ﷺ لم تخل منه، ونفي الجناح في الآية يدل على جواز القصر، لا على وجوبه، وقول النبي ﷺ في القصر: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، ويتعين المصير إلى هذا التأويل جمعًا بين دلائل الشرع.
3 - يقول تاج الدين السبكي: (واعلم أن الإيجاب والندب واستواء الطرفين أو رجحان أحدهما أمر زائد على معنى الرخصة؛ لأن معناها التيسير، وذلك بحصول الجواز للفعل أو الترك، يرخص في الحرام بالإذن في فعله، وفي الواجب بالإذن في تركه، وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى، والقصر مندوب؛ لمواظبة النبي ﷺ عليه، ولا يواظب ﷺ إلا على الأفضل)[10].
قال الله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199] لم يأت في الشرع شيء صريح يحدد مسافة القصر فيكون الرجوع في ذلك إلى العرف. والله أعلم
441- عن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال ٍأَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»، رواه مسلم.
442- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَقْصُـرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ»، رواه الدارقطني بإسناد ضعيف، والصحيح أنه موقوف، كذا أخرجه ابن خزيمة.
- الميل: ألف باع، والباع: قدر مد اليدين، وهو ما يقارب 1850 مترًا.
- الفرسخ: 3 أميال، وهو ما يقارب خمسة كيلومتر ونصف.
- البريد: أربعة فراسخ، وهو ما يقارب (22) كم، فتكون الأربعة برد=89 كم تقريبًا.
1 - في حديث أنس دليل على أن النبي ﷺ إذا خرج مسافة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصـر الصلاة، وهو قول بعض الظاهرية، وحمله آخرون على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر[11]، واختلف العلماء في المسافة التي يصدق على صاحبها أنه مسافر شرعًا ليأخذ برخص السفر، على أقوال كثيرة [12].
2 - ودلَّ حديث ابن عباس على أنه لا يجوز للمسافر قصر الصلاة إلا في أربعة برد فأكثر، وهو ما يقارب (89) كيلو مترًا، و إليه ذهب جمهور الفقهاء[13].
3 - ورجَّح بعض الظاهرية وشيخ الإسلام أنه يجوز قصر الصلاة في كل ما يطلق عليه اسم السفر عرفًا، سواء كان السفر طويلًا أم قصيرًا، [14]؛ استدلالًا بعموم الأدلة التي قرنت القصر بالسفر دون تحديد مسافة معينة، ومع هذا، فإذا احتاط المسلم، ولم يقصـر في أقلَّ من أربعة برد؛ خروجًا من الخلاف فقد فعل ما هو أولى.
4 - قوله في حديث أنس: «إِذا خرج»: فيه دليل على أن لمريد السفر أن يقصـر إذا خرج من جميع بيوت بلدته، ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم عليه[15].
1 - سبب الخلاف في تحديد مسافة القصر أمران:
الأول: معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظَ، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك، فيجب القصر حيث المشقة، وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط، فقال: قد قال النبي ﷺ: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة» فكل من انطبق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر.
الثاني: إطلاق لفظ السفر في القرآن والسنة، واختلاف المسافات والمدد التي قصـر فيها النبي ﷺ، وأصحابه من بعده [16].
2 - الأحكام التي وردت في الأدلة مطلقةً لا يجوز تحديدها، قال شيخ الإسلام: (فما أطلقه الله من الأسماء، وعلق به الأحكام من الأمر والنهي والتحليل والتحريم؛ لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله، فمن ذلك اسم الحيض علَّق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه...، والله ورسوله علَّقا القصـر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة، ولا فرق بين طويل وقصير، ولو كان للسفر مسافة محدودة لبيَّنه الله ورسوله، ولا له في اللغة مسافة محدودة، فكل ما يسميه أهل اللغة سفرًا فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما دلَّ عليه الكتاب والسنة)[17].
3 - العرف يؤخذ به في أمرين:
الأول: إذا جاء حكمٌ من الشرع، أو اسمٌ عُلِّق به حكم شرعي، ولم يُحَدّ، لا في الشـرع، ولا في اللغة؛ فإنه يُرْجَع حينئذ إلى العرف ويكون مُحَكَّما، وهو ما يشير إليه الفقهاء بقولهم: (العرف مُحَكَّمٌ). ومثاله: الإسراف والتبذير، فلم يرد حد في ذلك لا في الشرع، ولا في اللغة، وتختلف أعراف الناس من حيث بلدانهم وأماكنهم، فَيُرجع فيه إلى عرف كل ذي بلد، كلٌّ بحسبه، فما عُدَّ إسرافًا عند جمهور بلد معين كان كذلك، وهكذا.
والثاني: أنه قيدٌ -يعني العرف- للمعاملات التي تقع بين الناس من بيع وشراء وعقد نكاح ونحو ذلك. ومثاله في البيع والشراء: أن المرء لو باع أرضًا؛ فإن العرف يدل على بيع ما داخلها وما فوقها، ما لم يشترط المتعاقدان. ومثاله في عقد النكاح: هو ما يذكره بعض الفقهاء من أنه لو شاع في قُطْر أن المهر مُجَزَّأ، فمنه ما هو حاضر، ومنه ما هو آجل؛ فإن ذلك يكون قيدًا عند العقد ولو لم يُذْكَر، ما لم يُسْتَثْنَ من المتعاقدين [18].