مدة القصر للعازم والمتردد:
قال الله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199].
لما لم يأت في الشرع شيء صريح يحدد مدة القصر للمتردد والعازم كان الرجوع في ذلك إلى العرف. وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ [النساء: 101]، فلم يحده الله تعالى بحد.
443- عن أنس رضي الله عنه قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ الـمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الـمَدِينَةِ»، متفق عليه.
444- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَصَلِي رَكْعَتين»، رواه البخاري، وفي رواية لأبي داود: «سَبْعَ عَشْرَةَ». ، وفي أخرى: «خَمْسَ عَشْرَةَ». وله عن عمران ابن حصين: «ثماني عشرة». [قال البيهقي في الكبير (6/170): اختلفت هذه الروايات كما ترى، وأصحها عندي والله أعلم رواية من روى «تسع عشرة»، وهي الرواية التي أودعها محمد بن إسماعيل في الجامع الصحيح].
445- وعن جابر رضي الله عنه: «أَقَامَ رَسولُ الله ﷺ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُـرُ الصَّلَاةَ»، رواه أبو داود، ورواته ثقات إلا أنه اختلف في وصله. [أعلَّه بالإرسال البخاري في العلل الكبير للترمذي (ص:95)، وأبو داود في السنن (1225)، والدارقطني في العلل (7/377)، وغيرهم].
1 - في حديث أنس دليل على أن المسافر يقصر الصلاة بعد خروجه من بلده، ويستمر على ذلك حتى يرجع إلى بلده، ما لم يقطع ذلك السفر ويعزم على الإقامة. وتكملة حديث أنس أنه سئل: «كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا».
2 - قال الجمهور: إن المسافر إذا أقام لانتظار حاجة مقيدة بمدة معينة يقصـر إذا كانت إقامته أربعة أيام فما دونها، وإذا نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام؛ فإنه يتم[1]؛ لأن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد من ذي الحجة، ثم خرج إلى منى يوم الخميس، فأقام فيها اليوم الرابع إلى السابع، وصلى الفجر بالأبطح في الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم.
3 - الظاهر أن المرجع في ضابط الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر إلى العرف، فمن أقام إقامة عرفية فقد انقطع سفره وانتهى ترخُّصه، ولا يحد ذلك بأربعة أيام أو خمسة عشر يومًا أو غيرها، قال ابن القيم متعقبا من حدَّ ذلك: (وفي هذا نظر لا يخفى؛ فإن رسول الله ﷺ فتح مكة -وهي ما هي- وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك، فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج قطعها إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برامهرمز سبعة أشهر يقصـرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يعلم أنه لا ينقضي في أربعة أيام)[2].
4 - أما الذين يقيمون خارج بلادهم للدراسة، أو للعمل، أو لغيرها مما يستدعي إقامتهم في تلك البلاد مدة طويلة، فهؤلاء يجب عليهم الإتمام والصيام، وليس لهم حكم المسافر، ولا ريب أن هؤلاء مقيمون بقطع السفر، ووجود نية الإقامة المستمرة مدة طويلة، ولصلاحية المكان الذي قصدوه للإقامة، وكل منهم معه جميع مصالحه مما يحتاجه المقيم، والله تعالى أعلم[3].
5 - الراجح من روايات حديث ابن عباس رواية: «تسعة عشر»، وهي التي رواها البخاري، وقال البيهقي: (من روى «تسع عشرة» عد يومي الدخول والخروج، ومن روى «سبع عشرة» لم يعدهما ومن روى «ثمان عشرة» عد أحدهما)[4].
6 - في حديثي ابن عباس وجابر دليل على أن المتردد له أن يقصر حتى يرجع، ولا يتقيد ذلك بمدة معينة، وهو قول مالك، وأحمد[5]، وقد روى البيهقي عن ابن عمر أنه قال: «أُرتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر: وكنا نصلي ركعتين»[6]، وكذلك جاء عن أنس رضي الله عنه.
1 - اختلف العلماء في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصـر. وسبب الخلاف: أن الزمن أمر مسكوت عنه في الشـرع، ولهذا استدل كل فريق بحال من الأحوال التي نقلت عن الرسول ﷺ أنه أقام فيها وقصر الصلاة[7].
2 - لا يصح تحديد مدة بإقامته ﷺ؛ لأنها كانت اتفاقًا، ولو كانت هذه هي مدة القصر لبيَّنها النبي ﷺ، قال ابن تيمية: (ولو كان هذا حدًّا ناقلًا بين المقيم والمسافر لبيَّنه للمسلمين)[8].
قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]. قال ابن عاشور: (ومعنى ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ صلوها تامة ولا تقصروها. هذا قول مجاهد وقتادة...فالإقامة هنا الإتيان بالشيء قائما أي: تامًّا). اهـ
وذكر وقت الصلاة هنا بعد الأمر بترك قصـر الصلاة يشير أيضًا إلى ترك الجمع بين الصلاتين الذي جاءت به الرخصة. والله أعلم.
446- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصـر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء»، رواه البخاري.
447- وعن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ»، متفق عليه. وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح: «صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْـرَ، ثُمَّ رَكِبَ». [أنكرها أبو داود فيما نقله ابن حجر في فتح الباري (3/976)، والذهبي في ميزان الاعتدال (1/191)، وأعلَّها الإسماعيلي فيما نقله العيني في عمدة القارى (7/156)]. ولأبي نعيم في مسـتخرج مسلم: «كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، فَزَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ». [قال الحافظ في فتح الباري (2/583): «وأُعلَّ بتفرُّد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرُّد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادح؛ فإنهما إمامان حافظان»].
448- وعن معاذ رضي الله عنه قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْـمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا»، رواه مسلم.
- على ظهر السير: أي: سائرًا.
- تزيغ الشمس: إذا مالت عن وسط السماء إلى الغرب.
1 - في الأحاديث دليل على أن السفر من الأعذار المبيحة لجمع الصلوات، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء[9].
2 - في حديث أنس دليل على جواز جمع التأخير، وفي رواية أبي نعيم دليل على جواز جمع التقديم، وهو مذهب الجمهور خلافًا لابن حزم[10].
3- قال النووي: (وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدِّم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائرًا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية)[11].
4 - دل حديث ابن عباس على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر حين السير، ودلَّ حديث معاذ على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر أثناء النزول، وتستفاد دلالته على جمع النازل من أن الرسول ﷺ مكث في تبوك عشرين ليلة، كما تقدم.
1 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (تبوك هي آخر غزوات النبي ﷺ ولم يسافر بعدها إلا حجة الوداع، وما نقل أنه جمع فيها إلا بعرفة ومزدلفة وأما بمنى فلم ينقل أحد أنه جمع هناك، بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك، ولا نقلوا أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ولا يقدم الثانية إلى أول وقتها، وهذا دليل على أنه كان يجمع أحيانا في السفر وأحيانا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره: أنه لم يكن يجمع بينهما. وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر؛ بل يفعل للحاجة سواء كان في السفر أو الحضـر فإنه قد جمع أيضًا في الحضر لئلا يحرج أمته. فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع؛ سواء كان ذلك لسيره وقت الثانية أو وقت الأولى وشق النزول عليه أو كان مع نزوله لحاجة أخرى)[12].
2 - أورد البخاري في الجمع ثلاثة أحاديث: حديث ابن عمر، وهو مقيد بما إذا جد السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيد بما إذا كان سائرًا، وحديث أنس، وهو مطلق، فيجوز الجمع بالسفر: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيره مجدًّا أم لا[13].
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [المؤمنون: 62].
وقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 191].
عن الضحاك عن أبي مسعود قال: إنما هذه في الصلاة إذا لم تستطع قائمًا فقاعدًا، وإن لم تستطع قاعدًا فعلى جنب.
449- عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَألتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»، رواه البخاري.
450- وعن جابر رضي الله عنه قال: عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنْ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ»، رواه البيهقي وصحَّح أبو حاتم وقفه.
451- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رواه النسائي وصحَّحه الحاكم. [معلول؛ أعلَّه النسائي في السنن (1677)، ومحمد بن نصر المروزي في مختصر قيام الليل (ص:201)].
1 - إذا لم يستطع المريض القيام، أو كان القيام يزيد في مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة، أو يضره؛ فله أن يصلي قاعدًا بالإجماع [14].
2- يقول إمام الحرمين: (الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه؛ لأن الخشوع مقصود الصلاة، وقد صلى النبي ﷺ جالسًا حين خمش شقه، والظاهر أنه لم يكن لعجزه عن القيام، بل لمشقة فعله، أو لوجود ضرر، وكلاهما حجة، ويعمل بقول طبيب عارف ثقة - ولو امرأة - أن القيام يضره، أو يزيد في علته)[15].
3 - إن عجز المريض عن الصلاة قاعدًا صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، والأفضل أن يصلي على جنبه الأيمن، فإن عجز المريض عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا رجلاه إلى القبلة.
4 - فإن عجز المريض عن الصلاة إلى القبلة ولم يوجد من يوجهه إليها صلى على حسب حاله، فإن عجز المريض عن جميع الأحوال صلى بقلبه: فيكبِّر، ويقرأ، وينوي الركوع والسجود، والقيام والقعود بقلبه، فالصلاة لا تسقط عنه مادام عقله ثابتًا بأي حال من الأحوال؛ وما سبق دليله قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16] [16].
5 - ودلَّ حديث جابر على كراهية أن يتخذ المريض ما يسجد عليه من وسادة ونحوها حين يتعذر سجوده على الأرض، وقد أرشده إلى أنه يفصل بين ركوعه وسجوده، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن تعذر عليه القيام والركوع فإنه يُومئ من قعودٍ لهما جاعلا الإيماء بالسجود أخفض من الركوع، فإن لم يتعذر عليه القيام، فإنه يومئ للركوع من قيام، ثم يجلس ويومئ للسجود من قعود، وكذلك يفعل للتشهد.
6- وفي حديث عائشة دليل على أن الأفضل للمريض إذا صلى جالسًا أن يجلس متربعًا.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
- بيان سماحة الشريعة، وبُعدها عن التكلف، فالذي لا يستطيعه المكلف، لا يتكلف له، وإنما يعبد الله بقدر ما استطاع، فالتنطع ليس من الدين في شيء[17].
قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور:
من أشهر القواعد المستنبطة من هذه الأحاديث، ومن قول الله تعالى: ﴿ ﭐ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]، ومن قوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ومعناها: أن من قدر على بعض العبادة دون بعض لزمه الإتيان بما قدر عليه؛ لعموم الآية والحديث[18].