حجم الخط:

محتوى الدرس (47)

باب صلاةAdobe Systems الجمعة

حكم الجمعة وعلى من تجب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: 9].

وقال الله تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ٣٦ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور:36: 37] فذكر الرجال ولم يذكر النساء وفي ذلك دلالة على عدم وجوب الجماعة والجمعة على المرأة، أما الصبي فلا تجب عليه لأنه غير مكلف، وأما المريض فإن الله رفع عنه الحرج فيصلي الجمعة إن استطاع، وأما المملوك فلأنه ناقص الاستطاعة.

[الأحاديث]

452- عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ -عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ-: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الـجمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ»، رواه مسلم.

453- وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الْـجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٌّ، وَمَرِيضٌ»، رواه أبو داود، وقال: (لم يسمع طارق من النبي ). [قال النووي في خلاصة الأحكام (2/757): وهذا غير قادح في صحته، فإنه يكون مرسل صحابي، وهو حجة، والحديث على شرط الصحيحين]. وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى. [قال البيهقي في الكبير (6/231): وليس بمحفوظ، وأعلَّه ابن حجر في الإصابة (5/383)].

454- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ»، رواه الطبراني بإسناد ضعيف. [صحَّح وقفه البيهقي في الكبير (6/261)].

ترجمة الراوي:

طارق بن شهاب: ابن عبد شمس البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي، رأى النبي ﷺ، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر، وكان كثير الجهاد، معدودًا من العلماء، مات سنة (83).

التوضيح:

- وَدْعهم: أي: تركهم.

- أو ليختمن اللّه على قلوبهم: الختم: الطبع والتغطية، وهذا وعيد شديد؛ لأن من طبع على قلبه وختم عليه لم يعرف معروفًا، ولم ينكر منكرًا، وزهد في الطاعات.

الدلالات الفقهية:

1 - أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة فرض عين على كل حر، بالغ، ذكر، يدركه زوال الشمس في مصر من الأمصار وهو من أهل المصر غير مسافر[1].

2 - الخطبة شرط للجمعة عند عامة العلماء، فلا تصح الجمعة بدونها، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري، وابن حزم، فقالا: سنة فقط[2].

3 - فيه استحباب اتخاذ المنبر وهو سنة مجمع عليها.

4 - وفي حديث طارق بن شهاب دليل على أن صلاة الجمعة لا تجب إلا على الذكور البالغين الأصحاء الأحرار فلا تجب على النساء، ولا الصبيان، ولا المرضى بالإجماع[3]، ولا تجب كذلك على العبيد، عند جماهير العلماء[4]، ومن حضر الجمعة ممن سقطت عنه أجزأته عن صلاة الظهر.

5 - في حديث ابن عمر دليل على أن الجمعة لا تجب كذلك على مسافر سفر قصر، والذي يسافر سفرًا لا تقصر فيه الصلاة تجب الجمعة عليه؛ لأنه لا يعتبر مسافرًا شرعًا، وهذا مجمع عليه[5]، والنبي ﷺ في أسفاره لم يكن يصلي الجمعة، وإنما كان يصلي ظهرًا مقصورة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قوله: «أو ليختمن الله على قلوبهم» أي: يطبع عليها بحيث لا يصل إليها الخير ولا تعرفه ولا تطمئن إليه ولا تنتبه للمواعظ ولا تتذكر، فإن اعتياد ترك الجمعة يغلب الرين على القلب ويزهِّد النفوس في الطاعات، وذلك يؤدي بهم إلى الغفلة كما قال: «ثم ليكونُنَّ من الغافلين»، فأحد الأمرين كائن لا محالة، إما الانتهاء عن ترك الجمعات، وإما ختم الله على قلوب المتخلفين[6].

2- وفيه دليل على أن المعاصي -بفعل المحرمات، أو ترك الواجبات- تسبب ارتكاب غيرها؛ عقوبةً من الله تعالى، كما أن المذنب يعود إلى الذنب مرة أخرى؛ وذلك أنه لما جَسَـر على الذنب في المرة الأولى دَرِب به في الثانية، فأوشك أن يصير بكثرة معاودته عادة له.

3- وفيه دليل على أن من أعظم العقوبات خذلان الله تعالى للإنسان، والغفلة عن الآخرة.

طريقة الاستدلال:

1 - يُحمل المطلق في قوله: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ» على التهاون، لا في حالة العذر؛ ومقيده ما رواه الخمسة: «من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه»، ورواية: «من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر فهو منافق».

2 - استدل من يقول بعدم سقوط الجمعة عن العبيد بالعموم، والأصل، أما العموم، فلأن النصوص الموجبة للجمعة عامة في الحر والمملوك. وأما الأصل، فالأصل أن المملوك حكمه حكم الحر في جميع العبادات البدنية المحضة التي لا تعلق لها بالمال، وضعَّفوا حديث طارق بن شهاب، ومن القائلين بذلك الشيخ السعدي رحمه الله[7].

وقت صلاة الجمعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: 9]

[الأحاديث]

455- عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الـجمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَـرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ»، متفق عليه واللفظ للبخاري.

وفي لفظ لمسلم: «كُنَّا [نُجَمِّعُ] مَعَهُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ».

456- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الـجمُعَةِ». متفق عليه. وفي رواية لمسلم: «فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ».

ترجمة الرواة:

1 - سلمة بن الأكوع: الأسلمي أبو مسلم الحجازي المدني، غزا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وبايع بيعة الرضوان، كان شجاعًا راميًا محسنًا خيِّرًا لا يسأله أحد بوجه الله تعالى إلا أعطاه، وتوفي سلمة بالمدينة سنة (74).

2 - سهل بن سعد: الساعدي الخزرجي الأنصاري، كان اسمه حزنًا فسماه رسول الله ﷺ سهلًا، توفي النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة، مات سنة (88)، وقيل: (91)، وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة.

التوضيح:

- وليس للحيطان ظل نستظل به: أي: أنه يسير، لا يكفي للاستظلال به.

- نُجَمّعُ: نشهد الجمعة. تقول: جَمَّعَ القومُ تَجْميعًا، أي شهدوا الجُمعة وقَضَوا الصلاة فيها.

- نتتبع الفيء: أي: الظل، وإنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر الحيطان.

- نَقِيل: أي: ننام القيلولة.

الدلالات الفقهية:

وقت الجمعة عند جمهور العلماء هو وقت الظهر، ولا تجوز قبل الزوال. وعن أحمد وإسحاق: جوازها قبل الزوال، واستدلوا برواية البخاري لحديث سلمة، وظاهر حديث سهل.

طريقة الاستدلال:

1- ربما يتمسك برواية البخاري لحديث سلمة على أن وقت صلاة الجمعة قبل الزوال؛ من حيث إنه يقع بعد الزوال الخطبتان والصلاة، مع ما روي: «أن النبي كان يقرأ فيها بالجمعة والمنافقين»، وذلك يقتضي زمانًا يمتد فيه الظل، فإذا كانوا ينصرفون منها وليس للحيطان ظل يستظل به، دل على أنها تكون قبل الزوال، أو خطبتاها، أو بعضهما.

لكن لفظ رواية مسلم بيَّن أنها بعد الزوال[8]، وحملوا ما قد يفهم من حديث سلمة وسهل على شدة المبالغة في التبكير بعد الزوال، وقالوا عن حديث سهل: بأنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد الصلاة [9]، كما أن قوله: «وليس للحيطان ظل نستظل به» لا ينفي أصل الظل، بل ينفي ظلا يستظلون به، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، وليس ثمة ما يفيد أن النبي كان يقرأ بالجمعة والمنافقين دائما[10].

2- مما يؤيد قول الجمهور في وقت صلاة الجمعة هو أنها بدل عن صلاة الظهر، والبدل يأخذ حكم المبدل، فيكون وقت الجمعة كوقت الظهر.

العدد المشترط لصحة صلاة الجمعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الجمعة: 11].

حكى الله تعالى عن التاركين لاستماع الخطبة بصيغة الجمع مما يفيد أن الجمعة كانت لا تنعقد إلا بجماعة، ولم يرد نص صريح بمقدار عددهم فيبقى مطلق الجمع هو المطلوب.

[الأحاديث]

457- عن جابر رضي الله عنه : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا»، متفق عليه.

458- وعنه قال: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً»، رواه الدارقطني بإسناد ضعيف. [ضعَّفه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (5419)، وابن حبان في المجروحين (2/76)، والبيهقي في الكبير (6/243)، وغيرهم].

التوضيح:

- انفتل: أي انصرف.

الدلالات الفقهية:

1 - اتفق العلماء على اشتراط الجماعة للجمعة[11]، واختلفوا في العدد المشترط الذي تنعقد به.

2 - فيه دلالة على أن المشروعَ في الخطبة هو القيام للخطيب.

3 - استدل بالحديث الأول المالكية الذين رأوا أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلًا، إذ لم يقطع النبي صلاة الجمعة مع أنه لم يبق معه بعد انصراف الناس للعير إلا اثنا عشر رجلًا، ولو كانت تبطل بذلك العدد؛ لما استمر فيها[12].

3 - واستُدل بحديث جابر الثاني على أن العدد المشترط الذي تنعقد به الجمعة أربعون رجلًا فأكثر، فإذا كانوا أقل من ذلك فلا جمعة على الناس، ويصلونها ظهرًا، وهذا هو قول الشافعية [13]، وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد[14]، ولكن الحديث الوارد في ذلك ضعيف جدًا، كما قال الألباني[15]، فلا يستدل به.

وذهب الحنفية وأحمد في رواية عنه إلى أنها تنعقد بثلاثة، وهو قول الحنفية، ورواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام؛ بناء على أن أقل الجمع ثلاثة[16].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - لا يجوز الانشغال عن الجمعة ببيع ولا شراء؛ وقد نزل في ذلك قول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9]، فينبغي السعي إلى ذكر الله، ثم أوصى إذا انقضت صلاة الجمعة بإكثار الذكر، وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، لأن الفلاح في الإقبال على مرضاة الله تعالى.

2- يؤخذ من الأحاديث أهمية مجالس الذكر والاجتماع على الخير؛ لما فيها من تجديد للإيمان والتقرب إلى الرحمن، ويحصل فيها اتصال المسلمين وتعارفهم وتعاونهم على الخير.

طريقة الاستدلال:

بقاء اثني عشر رجلا مع النبي ﷺ إنما وقع اتفاقًا، لا قصدًا، إذ كان من الممكن أن يبقى أكثر، أو أقل، فلا يكون فيه دليل على أن أقل عدد تنعقد به الجمعة اثنا عشر رجلًا، لكن فيه دلالة على أنها تصح بذلك العدد.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة