فضل غسل الجمعة والتبكير إليها:
قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31]. ومن أخذ الزينة: الاغتسال؛ لما فيه من النظافة التي هي أساس الزينة.
وقال الله تعالى أثناء الحديث عن استقبال القبلة للصلاة: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]، ومن المسابقة إلى الخير التبكير إلى الجمعة.
459- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل»، رواه البخاري.
460- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْـجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ: غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْـجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، رواه مسلم.
461- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، متفق عليه.
- غسل الجنابة: معناه: غسلًا كغسل الجنابة في الصفة.
- ثم راح: أي: ذهب إلى صلاة الجمعة.
- قرَّب بدنة: تصدق بواحدة من الإبل.
- أقرن: له قرن.
1 - في الأحاديث دليل على مشروعية الاغتسال لمن وجبت في حقه الجمعة، وظاهر حديث ابن عمر وجوب الغسل للأمر به في الحديث، وهو قول طائفة من السلف، وأهل الظاهر[1]، والجماهير على أنه سنة[2]، ورجح ابن تيمية أنه واجب على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس، دون غيره[3].
2 - ظاهر حديث ابن عمر اشتراط الاتصال بين الغسل والرواح للجمعة، وهو ما ذهب إليه المالكية[4]، وذهب الجمهور إلى عدم الاشتراط لكن لا يجزي فعله بعد صلاة الجمعة، ويستحب تأخيره إلى الذهاب، والظاهر ما ذهب إليه مالك؛ لأن حمل الأحاديث التي أطلق فيها اليوم على حديث الباب المقيد بساعة من ساعاته واجب [5].
3 - في حديث أبي هريرة مشروعية النافلة قبل صلاة الجمعة، وأنها غير مقدرة بعدد معين، والإكثار من النافلة قبل الجمعة من السنن المهجورة.
4 - تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع ما تقدم من: غسل، وتنظف، وتطيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى، والتنفل، والإنصات، وترك اللغو[6].
5 - المراد هنا بالسيئات التي تكفر في هذا العمل: صغائر الذنوب، وأما كبائر الذنوب فلا يكفرها إلا التوبة النصوح، وهذا عام في جميع الأعمال الصالحة التي وردت أنها تكفر الذنوب؛ كصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والحج المبرور، وغير ذلك مما أتت به النصوص، وهو قول جمهور العلماء[7].
6 - في حديث أبي هريرة الثاني تقسيم الزمن من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام خمسة أقسام، فقد يكون كل قسم بمقدار الساعة المعروفة، وقد تكون الساعة أقل أو أكثر؛ لأن الوقت يتغير، فالساعات خمس ما بين طلوع الشمس ومجيء الإمام للصلاة، وتبتدئ من طلوع الشمس، وقيل: من طلوع الفجر، والأول أرجح؛ لأن ما قبل طلوع الشمس وقت لصلاة الفجر[8].
7 - الفضل المذكور في الحديث إنما يحصل لمن جمع الأوصاف الواردة فيه، وفيه أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشـرع، وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر، وأن المسلم كلما بكَّر إلى صلاة الجمعة كلما كان ذلك أعظم لأجره من عدة وجوه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - ذكر الساعات جاء للحث على التبكير إلى صلاة الجمعة، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل فضيلة الصف الأول، وانتظارها، والاشتغال بالتنفل والذِّكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل شيء منه بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة للمجيء بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ ويحرم التأخير عنه[9].
2 - مما جاء في فضل التبكير إلى صلاة الجمعة ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من غسّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عملُ سنةٍ؛ أجر صيامها وقيامها».
1 - (من) في قوله ﷺ: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل»: شرطية، فتفيد العموم، بمعنى أنه يستحب لكل من حضر الجمعة، من تجب عليه ومن لا تجب، أن يغتسل للجمعة، ولا يستحب لغيره ممن لا يأتيها.
2 - تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة، وتحقق الأجر في الحديث الذي يليه؛ مشروط بوجود جميع ما تقدم من الأوصاف؛ لأن الشرع إذا رتب أجرًا على أوصاف، فإنه لا يتحقق تمام ذلك الأجر حتى تكتمل تلك الأوصاف، قال ابن حجر: (الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمعهما)[10]؛ أي: جمع بين الغسل والتبكير إلى الصلاة.
462- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الـجمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ»، رواه النسائي والدارقطني واللفظ له، وإسناده صحيح، لكن قوَّى أبو حاتم إرساله. [هذا حديث معلول إسنادًا ومتنًا؛ أعلَّه أبو حاتم في العلل (491)، والدارقطني في العلل (4/425)، وغيرهما].
1- في الحديث أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة، ويتمها جمعة، وهو مذهب أكثر العلماء، وقالوا: ومن أدرك الإمام جالسًا صلى أربعًا، خلافًا للحنفية[11].
2- وأما من لم يدرك مع الإمام إلا السجود من الركعة الثانية أو التشهد فإنه يصليها ظهرًا أربع ركعات، لأن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الركوع، هذا قول الجمهور خلافًا للحنفية[12].
استدل الجمهور على أن الجمعة تدرك بإدراك ركعة، بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»، وأخذ الحنفية بإطلاق حديث: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا».
463- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْـمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا»، رواه الترمذي بإسناد ضعيف. [الحديث ضعيف جدًا، ضعَّفه الترمذي في السنن (509)، والدارقطني في العلل (2/358)].
464- وعن الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: «شَهِدْنَا الْـجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ» الحديث رواه أبو داود. [صحَّحه ابن السكن فيما نقله ابن حجر في التخليص الحبير (2/1021)، وابن خزيمة في الصحيح (1452)].
465- وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ»، رواه مسلم.
466- وعن جابر رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا خَطَبَ، احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْـحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْي ُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، رواه مسلم، وفي روايـة له: كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة: «يَحْمَدُ الله وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ»، وفي رواية له: «مَنْ يَهْدِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ»، وللنسائي: «وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ». [وهي زيادة شاذة].
467- وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمـعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ»، رواه مسلم.
468- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة»، رواه البزار بإسناد لين. [إسناده ضعيف جدًّا].
469- وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه«أن النبي ﷺ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن، ويذكّر الناس»، رواه أبو داود، وأصله في مسلم.
470- وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت: «مَا أَخَذْتُ: ﴿ ﭐ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ [ق:1]، إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ الله ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الـمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ»، رواه مسلم.
1 - الحكم بن حزْن: الكلفي التميمي، له صحبة، وفد على النبي ﷺ وشهد خطبته وحكاها، لا يعلم له رواية عن النبي ﷺ غير هذا.
2 - أم هشام بنت حارثة بن النعمان: الأنصارية النجارية، تزوَّجها عمارة بن الحبحاب، أسلمت وبايعت بيعة الرضوان، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها.
- كأنَّه منذر جيش: أي: كمن ينذر قومًا من جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم.
- يقول: صبَّحكم ومسَّاكم: أي: أتاكم العدو وقت الصباح أو المساء، فشبه حاله في خطبته وإنذاره بقرب القيامة بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتة.
- مئنة من فقهه: أي: علامة يتحقق بها فقهه.
1- دل حديث الحكم بن حزن على سنية اعتماد الخطيب أثناء خطبة الجمعة على قوس، أو عصا ونحوها، وهو قول الجمهور[13].
2- ولا يشرع الاعتماد على السيف في الخطبة، بل قال ابن القيم: إنه جهل قبيح من وجهين:
الوجه الأول: أن المحفوظ أن النبي ﷺ توكأ على العصا والقوس.
الوجه الثاني: أن الدين قام بالوحي، وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي ﷺ التي كان يخطب فيها إنما فُتحت بالقرآن، ولم تُفتح بالسيف[14].
3 - ودلَّ حديث جابر بن سمرة على أن المشروع للخطيب يوم الجمعة أن يخطب قائمًا، بل ذهب المالكية والشافعية إلى اشتراط قيام الخطيب مع القدرة عليه [15]، بينما ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن قيام الخطيب سنة[16].
4 - وفي حديث جابر بن عبد الله دليل على سنية رفع الصوت بالخطبة زيادة على الجهر الواجب السابق بيانه؛ لأنه أبلغ في الإعلام، أما جهر الخطيب بالخطبة بحيث يسمعه العدد المعتبر فشرط عند الجمهور، ما لم يعرض لذلك مانع؛ لأن المقصود من الخطبة وعظ الناس وتذكيرهم، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل ذلك على اشتراطه[17].
5 - وفيه أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، وهو قول عامة الفقهاء[18].
6 - وفيه دليل على مشروعية خطبة الحاجة، ويُشرع الإتيان بها عند كل حاجة؛ مثل عقد النكاح والموعظة ونحو ذلك، وفيها إظهار العبودية والافتقار والتذلل لله تبارك وتعالى.
7 - خطبة الحاجة كاملة هي أن يقول: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يقرأ الآيات الثلاث: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمـران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ٧٠ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71] قال شعبة: (قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح أو في غيرها؟ قال: في كل حاجة) [19].
8 - وفيه دليل على مشروعية حمد الله، والثناء عليه في الخطبة، وهو سنة عند الحنفية، والمالكية [20]، وهو الراجح.
9 - وفي حديث عمار بن ياسر دليل على استحباب تقصير الخطبة مع الاهتمام بشمولها وكمالها، ولا خلاف في ذلك[21]، وكذلك يستحب إطالة صلاة الجمعة بما جاء في السنة، ويسن أن تكون الخطبة الثانية أقصر من الأولى[22].
10 - لا بأس بإطالة الخطبة أحيانًا إذا كان هناك حاجة تستدعي التطويل، قال ابن القيم -رحمه الله-: (وكان يقصر خطبته أحيانًا، ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من الراتبة) [23].
11 - وفي حديث سمرة بن جندب استحباب الدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في خطبة الجمعة، وهو سنة فقط عند جمهور العلماء، وليس ركنًا في الخطبة[24].
12 - ينبغي أن يتضمن الدعاء أيضًا الدعاء للمسلمين بالأمور الهامة؛ من نصـرة الإسلام والمسلمين، وكبت أعداء الدين، ونحو ذلك.
13 - ودلَّ حديث جابر بن سمرة الثاني على مشـروعية جلوس الخطيب بين الخطبتين، والجمهور على أن الجلوس بين الخطبتين سنة[25].
14 - وفي حديث أم هشام أنه يستحب للخطيب في خطبة الجمعة قراءة سورة (ق)، أو بعضها في كل خطبة[26]، وليس المراد أنه يداوم على ذلك، ولكن يُكثر منه، ويحرص على تذكير الناس بالقرآن الكريم.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الأصل أن الخطيب يعظ الناس، ولهذا يستقبلهم بوجهه ويترك استقبال القبلة، فيُسَنُّ لهم أن يستقبلوه بوجوههم؛ لتظهر فائدة الوعظ، وتعظيم الذكر، كما أن الخطيب مقبل على الناس، فكان من الأدب إقبالهم عليه[27] كما في حديث ابن مسعود وهو قول عامة الفقهاء[28].
2 - من الحكمة في الاتكاء على القوس أو العصا: أنه أربط لقلب الخطيب، وأثبت لقيامه، وأبعد له عن العبث بيديه، وهي عادة عربية عند الخطباء تُشعر بالقوة والعزة للخطيب، وتُدخل الانقياد والإذعان لسامعيه[29].
3 - من الآداب التي دل عليها حديث جابر، وينبغي أن يتصف بها من يقوم في الناس خطيبًا:
أ- أن يكون عنده القدرة على إقناع السامعين بالرأي الذي يدعو إليه مما يبديه من الحجج والبينات.
ب- أن يكون عنده الموهبة لاستمالة السامعين إلى الإصغاء إليه، والقناعة بما يدعو إليه.
ج- وأن يدور محور خطبته على إثارة المشاعر؛ لفعل الخير، وتجنب الشر، وتوجيه النفوس نحو الله تعالى، فيحاول ربط النفوس بما أعد الله لعباده من الثواب، فنفوس السامعين في أماكن العبادة أكثر استعدادًا لقبول ما يلقيه الخطيب، وأكثر تأثرًا بما تسمعه منه[30].
4 - من الحكمة في مشروعية تقصير الخطبة: تجنب إملال الناس، وتشتيت الموعظة عليهم.
5 - قصر الخطبة، وإطالة الصلاة دليل على فقه الخطيب؛ فإنه استطاع أن يأتي بمعاني الخطبة بألفاظ قليلة، وبوقفة قصيرة، أما تشقيق الكلام وتطويله، فهو دليل على العِيِّ والعجز عن الإبانة، فخير الكلام ما قل ودل.
وأما إطالة الصلاة، فلأن الإمام عرف مقام هذه الفريضة الجليلة التي هي أفضل فرض من فروض الصلاة، فأعطاها حقها من الطمأنينة، واستيعاب الواجبات والمستحبات فيها[31] .
6 - سبب اختياره ﷺ لسورة ق: هو ما جاء فيها من ذكر إحصاء ما يلفظ به الإنسان من خير وشر، وما جاء فيها من المواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، فهي من خير ما يوعظ به السامعون[32].
1 - قيام الخطيب حال الخطبة سنة؛ لأن ما جاء في الحديث دلالة فعل، ودلالة الفعل لا تدل على الوجوب، والاحتياط عدم تركه؛ لملازمة النبي ﷺ والصحابة له.
2 - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب: ومن ذلك اشتراط جهر الخطيب بالخطبة؛ لأن المقصود من الخطبة وعظ الناس وتذكيرهم، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل على اشتراطه.
3 - يسن حمد الله تعالى في الخطبة؛ لعدم ثبوت ما يدل على الركنية، وإنما الذي ثبت هو مجرد الفعل، وهو لا يدل إلا على الاستحباب.
4 - دل فعل الصحابة وإقرارهم على أن الجلوس بين الخطبتين سنة؛ فقد ثبت عند ابن أبي شيبة عن أمير المؤمنين عليٍّ عدم الجلوس فيها، ولو كان الجلوس شرطًا لما تركه الخليفة الراشد، ولما أقره من حضر عنده من الصحابة.