تحريم الكلام حال الخطبة:
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204].
قال سعيد بن جبير: (الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة. وبنحوه قال عطاء وهو قول لمجاهد).
قال ابن كثير: (وهذا اختيار ابن جرير أن المراد بذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة).
471- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الـجمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ»، رواه أحمد بإسناد لا بأس به، وهو يفسر الحديث بعده. [قال الجورقاني في الأباطيل (2/58): حديث منكر، وضعَّفه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/466)، وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/567)، والسخاوي في الأجوبة المرضية (1/160)].
472- وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الـجمُعَةِ وَالْإِمَامِ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ»، متفق عليه.
- فقد لغوت: أي: قلت اللغو، واللغو هو ما لا يحسن من الكلام.
1 - في الحديثين دليل على وجوب الإنصات للخطبة، وتحريم الكلام أثناءها لمن كان يسمعها، وهو قول الجمهور[1].
2 - تجوز مخاطبة الخطيب عند الحاجة، وفيه عدة أحاديث، ومنها الحديث التالي الذي رواه الشيخان عن جابر رضي الله عنه أن أعرابيًا جاء والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: «أصليت يا فلان؟؛ قال: لا، قال: قم فاركع»، ففيه إجابة الصحابي، وكلامه للحاجة.
3 - وفي حديث ابن عباس دليل على أن من لغا في الخطبة فإنه يبطل أجر الجمعة عليه، ويكتب له أجر صلاة الظهر فقط، وقد روى ابن خزيمة عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «ومن لغا أو تخطى كانت له ظهرًا».
4 - ودلَّ حديث أبي هريرة على تحريم الكلام في الخطبة مطلقًا، حتى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه سمَّى قول القائل: «أنصت» لغوًا، وهو أمر بمعروف، فغيره من الكلام أولى.
5 - تجوز الصلاة على النبي ﷺ أثناء الخطبة سرًا، وكذلك يجوز التأمين فيها سرًا[2].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
الجمعة شعيرة عظيمة من شعائر الله، والخطبة موعظة الأسبوع، والإنصات فيها من تعظيم شعائر الله تعالى وتعظيم بيوته، كما أن الكلام فيها أو الانشغال عنها ناتجٌ عن قلة التعظيم لشعائره والتوقير لبيوته.
دل قياس الأولى على تحريم الكلام حال الخطبة، وذلك أنه إذا كان قد نهي عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أثناء الخطبة، فغيره من الكلام منهي عنه أيضًا من باب أولى.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 29].
قال ابن جزي: (قيل: المراد إحضار النية والإخلاص لله، وقيل: فعل الصلاة والتوجه فيها عند كل مسجد).
وقال ابن عاشور: (ومعنى: ﴿ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ عند كلِّ مكان متخَذ لعبادة الله تعالى، واسم المسجد منقول في الإسلام للمكان المعيَّن المحدود المتَّخذ للصَّلاة).
473- عن جابر رضي الله عنه قال: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الـجمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلَّيْتَ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، متفق عليه.
1- في الحديث دليل على استحباب صلاة ركعتين عند دخول المسجد أثناء خطبة الخطيب ما لم يخش فوات شيء من صلاة الجمعة، وهو قول الشافعية، والحنابلة[3].
2- من دخل المسجد أثناء الأذان فالأولى له أن يشـرع في ركعتي تحية المسجد ولا ينتظر فراغ المؤذن؛ ليدرك الخطبة من أولها؛ لأن استماع الأذان سنة، وسماع الخطبة واجب.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
بيت الله ليس كسائر البيوت والأماكن، فمن توقيره وتعظيمه ألا يدخل الداخل فيه ثم يجلس أو يخرج دون أن يصلي فيه.
474- عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْـجُمُعَةِ سُورَةَ الْـجُمُعَةِ، وَالْـمُنَافِقِينَ»، رواه مسلم.
475- وله عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: «كَانَ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ وَفِي الْـجُمُعَةِ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1]، ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ [الغاشية: 1].
في حديث ابن عباس دليل على أن السنة أن يقرأ الإمام في الأولى من الجمعة بسورة (الجمعة)، وفي الثانية بـ (المنافقون)، ودلَّ حديث النعمان على أن السنة أن يقرأ الإمام في الجمعة وفي العيدين أيضًا بسورتي: (الأعلى) و(الغاشية). فالسنة: أن يقرأ مرة بهذا، ومرة بهذا، ويراعى في ذلك أحوال الناس، وما يتناسب معهم بحسب الحال، والزمان، والمكان[4].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- مناسبة سورة الجمعة في صلاة الجمعة ظاهرة؛ ففيها الحث على هذه الشعيرة الكبيرة، والحض على الإتيان إليها، وبيان وجوبها وأحكامها، والأمر بترك ما قد يشغل عنها من أعمال الدنيا ولهوها -ولو كان مباحًا نافعًا- فكيف إذا كان ما يشغل ضارًا محرمًا؟!
2- أما سورة (المنافقون)، فقال بعض العلماء: إنَّ مناسبتها إسماعها المنافقين الذين لا يحضرون إلا لهذه الصلاة فقط.
1 - من الطرق لمعرفة المندوب: ترك المواظبة على الفعل لغير عُذْر ولا نَسْخٍ. ومن ذلك: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بالأعلى والغاشية. وقد ترك ذلك، فكان يقرأ بالجمعة والمنافقون.
2 - (كان) تأتي للدوام غالبًا، وقد تأتي لغير الدوام بقرينة، ومثاله حديث النعمان الآنف: أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك والغاشية، وجاء عنه أيضًا أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقين، فتبين أن (كان) هنا ليست للدوام؛ لأنه كان أحيانا يقرأ بهذا، وأحيانا بهذا.
حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد:
قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28] قال ابن كثير: (أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لك). اهـ وقد بين النبي ﷺ مواضع التخفيف وصفته، وهذا منه.
476- عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ العِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْـجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يصلي فليصل»، رواه الخمسة إلا الترمذي وصحَّحه ابن خزيمة. [إنما قال ابن خزيمة في الصحيح (2/571): إن صح الخبر فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة ولا جرح، وقال ابن المنذر فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (3/1098): هذا الحديث لا يثبت، وإياس بن أبي رملة مجهول].
1 - في الحديث دليل على أنه إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد سقطت صلاة الجمعة على من صلى مع الإمام صلاة العيد، ويستثنى من ذلك الإمام فلا يسقط عنه حضور الجمعة، وهو مذهب الحنابلة.
2 - حضور الجمعة لمن صلى العيد مستحب، وإذا لم يحضر الجمعة، فإنه يصليها ظهرًا.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
يُسر الشريعة الإسلامية وسماحتها في عدم إيجاب حضور الجمعة والعيد معًا إذا اجتمعا.
قاعدة: اجتمعت عبادتان من جنس واحد؛ دخلت إحداهما في الأخرى كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر (غسل الجنابة والجمعة مثلا)، وهنا لما اجتمع في يوم واحد عيدان؛ صلى النبي ﷺ العيد، ثم رخص في الجمعة، ومن شأن الشارع أنه إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد؛ أدخل إحداهما في الأخرى[5].
477- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْـجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا»، رواه مسلم.
478- وعن السائب بن يزيد أَنَّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قَالَ لَهُ: إِذَا صَلَّيْتَ الْـجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ»، رواه مسلم.
السائب بن يزيد: الكندي ابن أخت النمر الحضرمي، رأى رسول الله ﷺ وحفظ عنه، وتوفي بالمدينة سنة (91).
1 - في حديث أبي هريرة دليل على أن السنة بعد الجمعة أربع ركعات.
2 - وفي حديث السائب دليل على كراهة أن يصل المكتوبة بالتطوع بعدها من غير فصل بكلام أو خروج من المسجد ونحوه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الحكمة من النهي عن وصل المكتوبة بالتطوع -والله أعلم- تمييز العبادات بعضها عن بعض، ولذلك نهي أيضًا عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين، وله نظائر كثيرة في الشرع.
2- صلاة النافلة في البيت لها مزايا عظيمة، من تنوير البيت بالصلاة وذكر الله، ومن امتثال أمر النبي ﷺ، والاقتداء به، ومن البعد عن الرياء، ومن تعويد الأولاد والأتباع على الصلاة؛ فيكون المصلي لهم قدوة صالحة[6].
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27] وهذه الساعة من الغيب الذي أطلع الله عليه رسوله ﷺ.
479- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْـجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأل الله شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. متفق عليه
وفي رواية لمسلم: «وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ».
480- وعن أبي بردة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ»، رواه مسلم، ورجَّح الدارقطني أنه من قول أبي بردة.
481- وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه، وجابر عند أبي داود والنسائي: «أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ»، وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولًا أمليتها في شرح البخاري. [حديث جابر صحَّحه الحاكم في المستدرك (1047)، والنووي في خلاصة الأحكام (2637)، وحسَّنه ابن حجر في فتح الباري (2/420)]
عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري، أبو يوسف، أسلم عند قدوم النبى ﷺ المدينة، شهد له النبي ﷺ بالجنة، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ [الأحقاف:10]، كان رجلًا متخشعًا، يحمل الحطب ويمر به في السوق ليقمع الكِبر، وتوفي بالمدينة سنة (43).
1 - دلَّت الأحاديث: أن الله جل وعلا جعل في الجمعة ساعة يقبل فيها الدعاء، وهي ساعة قليلة لا يوافقها المسلم وهو قائم يصلي إلا أعطاه الله سؤاله، وقد اختلف العلماء في تعيين ساعة الإجابة يوم الجمعة بناء على اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك، وذكر الحافظ ثلاثة وأربعين قولًا في اختلاف العلماء في ساعة الجمعة[7].
2 - دل حديث أبي موسى الأشعري على أن ساعة الإجابة من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة، بينما دل حديثا عبد الله بن سلام وجابر على أن ساعة الإجابة في يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر، وقد رجح ابن القيم أنها آخر ساعة بعد العصـر، وقال: (وهذا هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث، ويليه القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها)[8].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال ابن القيم: (وعندي أن ساعة الصلاة ساعة تُرجى فيها الإجابة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر؛ فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين، وصلاتهم، وتضـرعهم، وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها)[9].
2 - استحباب الإكثار من الدعاء، وقد أخفى الله تعالى وقت هذه الساعة، ليجعلهم يلتمسونها كل يوم الجمعة؛ علّهم يقعون عليها، فتكثر أعمالهم الصالحة، وإخفاؤها كإخفاء ليلة القدر، وإخفاء اسم الله الأعظم، ونحو ذلك من الأشياء المفضلة[10].
3 - قال ابن القيم: (وإذا اجتمع مع الدعاء: حضور القلب، وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتًا من أوقات الإجابة ... وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب، وذلًا له، وتضرعا ورقّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ﷺ، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة، وتملقه، ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا)[11].
قال ابن القيم في الجمع بين هذين الحديثين: (لا تنافي بين الحديثين؛ فكلاهما ساعة إجابة؛ لأنها وإن كانت آخر ساعة بعد العصر، فالساعة التي تقام فيها الصلاة أولى أن تكون ساعة إجابة، كما أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ومسجد رسول الله ﷺ أولى بذلك منه، وهذا القول أولى ممن جمع بينهما بتنقلها، فتأمل)[12].