حجم الخط:

محتوى الدرس (50)

Adobe Systemsباب صلاة الخوف

صفة صلاة الخوف:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ۖ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [النساء: 102].

[الأحاديث]

482- عن صالح بن خوات عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ يَوْمَ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ صَلَاةَ اَلْـخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ اَلْعَدُوّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ اَلْعَدُوّ، وَجَاءَتِ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ»، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، ووقع في المعرفة لابن منده، عن صالح بن خوات عن أبيه.

483- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا اَلْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ الله يُصَلِّي بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى اَلْعَدُوّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ اَلطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.

484- وعن جابر رضي الله عنه قال: «شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ الله صَلَاةَ اَلْـخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ الله وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقِبْلَة، فَكَبَّرَ اَلنَّبِيُّ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ اَلرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ اِنْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيه، وَقَامَ اَلصَّفُّ الْـمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ اَلْعَدُوّ، فَلَمَّا قَضَى اَلسُّجُودَ، قَامَ اَلصَّفُّ اَلَّذِي يَلِيهِ»، فذكر الحديث، وفي رواية: «ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ اَلصَّفُّ اَلْأَوَّلِ وَتَقَدَّمَ اَلصَّفُّ اَلثَّانِي»، وذكر مثله، وفي آخره: «ثُمَّ سَلَّمَ اَلنَّبِيُّ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا» رواه مسلم. ولأبي داود عن أبي عياش الزرقي مثله وزاد: «أَنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ». [صحَّحه الدارقطني في السنن (2/409)، والحاكم في المستدرك (1269)، وغيرهما].

ترجمة الرواة:

1 - صالح بن خوات بن جبير بن النعمان الأنصاري، تابعي مشهور، وأبوه صحابي جليل، قيل: إنه شهد بدرًا، وثَّقه النسائي، وتوفي في حدود (90) للهجرة، وروى له الجماعة.

2 - أبو عياش الزرقي: اسمه: زيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل غير ذلك، الزرقي الأنصاري، صحابي، روى حديثًا في صلاة الخوف، شهد أحدًا وما بعدها، وتوفي بعد الأربعين.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على مشـروعية صلاة الخوف في الجهاد، وجماهير العلماء على مشروعيتها، ونقل العلماء إجماع الصحابة على فعلها[1].

2 - تعددت صفات صلاة الخوف في السُّنة، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله-: (كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز، وقال: ستة أوجه أو سبعة يروى فيها كلها جائزة)[2].

3 - الصفة الواردة في حديث صالح بن خوات في حال كون العدو في غير جهة القبلة، وهي: أنه إذا حضرت الصلاة وخاف المجاهدون العدو جعلهم الإمام طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم يقوم الإمام إلى الركعة الثانية ويتم الذين معه صلاتهم ويسلمون ثم يذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيدخلون مع الإمام في الركعة الثانية له ويصلي بهم فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الركعة الثانية وهو ينتظرهم فإذا لحقوه سلم بهم[3].

4 - الصفة الواردة في حديث ابن عمر في حال كون العدو في غير جهة القبلة أيضًا، وهي: أن يجعل الإمام المجاهدين طائفتين: واحدة في وجه العدو والأخرى يصلي بهم ركعة، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية لم يتم المقتدون به الصلاة، وإنما يذهبون إلى مكان الطائفة التي في وجه العدو وهم في الصلاة فيقفون سكوتا، وتجيء الطائفة الأخرى فتصلى مع الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا لأنفسهم، ثم ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الصلاة وأتموا[4].

5 - الصفة الواردة في حديث جابر، وأبي عياش الزرقي فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، وهي: أن يصُفَّ الإمام المجاهدين خلفه صفين فأكثر، فيكبر بهم تكبيرة الإحرام جميعًا، ويركع بهم، فإذا سجد، سجد الصف الأول معه وحرس الصف الآخر، فإذا قام الإمام إلى الركعة الثانية سجد الصف المتأخر، ثم يلحقون بالإمام ويتقدمون مكان الصف الأول ويتأخر الصف الأول.

فإذا سجد الإمام في الركعة الثانية سجد معه الصف الذي يليه، فإذا جلس الإمام ومن معه للتشهد سجد الصف الحارس، ثم يلحقون بالإمام في التشهد ويسلم بهم جميعًا[5].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

في الأحاديث دليل على أهمية الصلاة في وقتها، وأهمية صلاة الجماعة، ففي صلاة الخوف تُركت كثير من الأركان والواجبات لأجل المحافظة على الوقت والجماعة، واغتُفرت فيها حركة الذهاب والإياب، فكيف بعد هذا نتساهل بالوقت، أو الجماعة في حالة الأمن والدعة؟![6].

طريقة الاستدلال:

1 - لا تعارض بين أفعال النبي ، فيجوز في صلاة الخوف جميع ما حفظ. قال شيخ الإسلام: (ما ثبت عن النبي ﷺ من أنواع الاستفتاحات في الصلاة ومن أنواع صفة الأذان والإقامة وصفة صلاة الخوف وغير ذلك كله حسن يشرع العمل به لمن علمه)[7].

2 - قاعدة: (إذا ظهرت مشقة في أمر فيرخَّص فيه ويوسع، فإذا زالت المشقة عاد الأمر إلى ما كان)؛ أي: إنه إذا حصلت ضرورة عارضة للشخص أو الجماعة أو طرأ ظرف استثنائي وأصبح معه الحكم الأصلي للحالات العادية محرجًا للمكلفين ومرهقًا لهم حتى يجعلهم في ضيق من التطبيق، فإنه يخفف عنهم ويوسع عليهم حتى يسهل ما دامت تلك الضرورة قائمة، فإذا انفرجت الضرورة وزالت عاد الحكم إلى أصله.

وهذا التخفيف هنا في صلاة الخوف والتوسعة فيها إنما شرع من أجل المشقة الزائدة عن المعتاد والضيق الطارئ، فإذا زال السبب الداعي إلى ذلك -وهو الخوف- عادوا إلى الصلاة على هيئتها التي كلفها أصلًا[8].

من أحكام صلاة الخوف:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء: 101] دلَّت الآية على جواز قصر الصلاة عند الخوف.

وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103].

قال ابن عاشور: (ومعنى: ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ صلّوها تامّة ولا تقصـروها، هذا قول مجاهد وقتادة، فيكون مقابل قوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء: 101]).

[الأحاديث]

485- وللنسائي من وجه آخر عن جابر رضي الله عنه: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ»، ومثله لأبي داود، عن أبي بكرة. [صحَّحه ابن حبان في الصحيح (2881)، والبيهقي في الخلافيات (4/80)، وغيرهما].

486- وعن حذيفة رضي الله عنه أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى في اَلْـخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصحَّحه ابن حبان. [زيادة «ولم يقضوا» شاذة[9]، وقال الشافعي فيما نقله ابن عبد البر في التمهيد (15/268): هو على خلاف جميع أحاديث صلاة الخوف].

487- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضـر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة»، رواه مسلم.

488- وعن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «لَيْسَ فِي صَلَاةِ اَلْـخَوْفِ سَهْوٌ»، أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف. [ضعَّفه الدارقطني في السنن (2/405) وغيره، بل قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (6/14): موضوع].

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث جابر أنه إذا حضرت الصلاة جعل الإمام المجاهدين طائفتين؛ طائفة في وجه العدو، والطائفة الأخرى معه يصلي بها جميع الصلاة سواء كانت ركعتين أو ثلاثا أو أربعًا، ثم يسلم بهم فيذهبون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلى بهم تلك الصلاة مرة ثانية تكون لهم فريضة وله نافلة[10].

2 - يجوز الأخذ بهذه الصفة عند الشافعية، والحنابلة[11]، وقال ابن قدامة: (وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة إمامه، ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين) [12].

3 - حديث جابر وأبي بكرة دليل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، لأن صلاة الإمام انقضت مع الطائفة الأولى، فكانت صلاة الطائفة الثانية مفترضين خلف متنفل.

3 - في الحديث دليل على أن العدل يكون حسب الإمكان والطاقة، فإن الذين صلى بهم الفرض أفضل من الطائفة الذين صلى بهم وهي نافلة، ولكن هذا الذي كان بإمكانه من العدل بينهم[13].

4 - في ظاهر حديثي حذيفة وابن عباس دليل على مشروعية صلاة الخوف ركعة واحدة في حال السفر، وصفة ذلك كما يلي: أنه إذا حضرت الصلاة قسم الإمام المجاهدين إلى طائفتين طائفة في وجه العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة، ثم يذهبون إلى مواقع الطائفة الأخرى وتأتي الطائفة الأخرى فيصلى بهم ركعة، ثم يسلم بهم ولا يقضون، فله ركعتان ولكل طائفة ركعة[14].

5 - قال بجواز الأخذ بهذه الصفة جمع من الصحابة والتابعين، وابن حزم، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ لأنه لما سقط شطر الصلاة لأجل المشقة في السفر، وجب أن يسقط بالخوف شطر آخر لتزايد المشقة، والجمهور لا يجوزون الأخذ بهذه الصفة[15].

6 - اتفق الفقهاء على أن المجاهدين يصلون في حالة شدة الخوف رجالًا وركبانًا، إلى القبلة وإلى غير القبلة، إيماء بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الركوع في حال شدة الخوف، وحصول القتال والتحام الجيوش والضرب والطعن[16].

7 - صلاة الخوف جائزة في الحضر إذا احتاج الناس إلى ذلك؛ لنزول العدو قريبًا من البلد، وهذا قول الجمهور[17].

8 - وفي حديث ابن عمر دليل على أن صلاة الخوف لا سهو فيها؛ لأن صلاة الخوف مبنية على التخفيف، ويتجاوز فيها عن بعض الواجبات، بل عن بعض الأركان، فلهذا يسقط عنها السهو، قال الصنعاني: (ولكن الحديث ضعيف، ولم يقل به أحد من العلماء)[18]، وعليه؛ فصلاة الخوف كغيرها من الصلوات في مشروعية سجود السهو فيها عند حصول موجبه.

طريقة الاستدلال:

1 - الخوف لا تأثير له في إسقاط بعض الركعات عند مالك، فإن كان في الحضـر صليت أربعًا، وإن كان في السفر صليت ركعتين، والرخصة في تغيير الهيئة فقط، أما قصـر الصلاة الوارد في الأحاديث فلأجل السفر عنده[19].

2 - الحديث الضعيف ليس حجة في الأحكام، وخاصة إذا كان في مقابل العموم، وعلى خلاف الأصل، كالسهو في صلاة الخوف.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة