باب صل
اة العيدين
قال الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ [الأعلى: 14، 15] قال ابن كثير: (وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية). اهـ
وقال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2] قال ابن كثير: (ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه).
قال في اقتضاء الصراط المستقيم عن قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان: 72]: (عن مجاهد قال: هو أعياد المشركين، وكذلك عن الربيع بن أنس قال: أعياد المشركين. وجاء مثله عن الضحاك).
وذكر ابن تيمية قول الله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48][1].
489- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رواه الترمذي. [معلول أخطأ فيه يحيى بن يمان، وصوَّب وقفه على عائشة: الدارقطني فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (4/1610)].
490- وعن أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من الصحابة: «أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ»، رواه أحمد وأبو داود - وهذا لفظه- وإسناده صحيح. [صحَّحه ابن المنذر وابن السكن فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (3/1097)، والبيهقي في الكبير (6/621)، وغير واحد].
491- وعن أنس رضي الله عنه قال: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الـمَدِينَةَ، وَلَـهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا. فَقَالَ: «قَدْ أَبْدَلَكُمُ الله بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الفِطْرِ»، أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
- رَكْبًا: الرَّكْب جمع راكب، وهو اسم من أسماء الجمع؛ كالنفر والرهط.
1 - دل حديث عائشة على أن يوم الفطر هو اليوم الذي يجمع معظم المسلمون على الفطر فيه، سواء صادفه حقيقة أم لا، ويوم الأضحى هو الذي يجمعون على التضحية فيه، سواء صادف تاريخه حقيقة أم لا.
2 - وفي الحديث الثاني بيان كيفية قضاء صلاة العيد، وأن الناس إذا لم يعلموا بالعيد إلا بعد زوال الشمس، فلا تُقضى صلاة العيد بعد الزوال، ولكن في اليوم التالي يخرجون إلى الصلاة صباحًا ليصلوها جماعة إلى ما قبل الزوال[2].
3 - وفي الحديث الثالث دليل على أن أعياد المسلمين اثنان، وهما: عيد الفطر، وعيد الأضحى.
4- وفيه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- يؤخذ من الأحاديث دلالة مقاصدية عظيمة: وهي وجوب اتحاد المسلمين، وجمع كلمتهم؛ ليكونوا أمةً واحدة في نصرة دينهم، وإعلاء كلمة ربهم ونشر دينه، وليتحدوا في وجه عدوهم، فها هي شريعة الإسلام لا تعترف إلا بالأحكام العامة، ولا ترى للشاذ عن جماعة المسلمين حكمًا بنفسه، فلا صفة له معتبرة، حتى ولو تيقن صدق نفسه، فيد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فأحكام الإسلام تعلمنا الاتحاد والاجتماع، وعدم الاختلاف والتفرق، قال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103][3].
2 - ومن المقاصد: التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم من بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين[4].
3 - أبطل الإسلام كل أعياد الجاهلية؛ لأنها أعياد لا تعود إلى معنًى كريم، ولا إلى ذكرى يحسن إحياؤها وتذكرها، وحينما أبطل تلك الأعياد؛ لم يحرم المسلمين من المتع المباحة، وأنواع الفرح والسرور، فأبدلهم بها أعيادًا إسلامية كريمة.
4 - من مقاصد الدين إيجاد البدائل، فالنبي ﷺ يوفي النفوس غرائزها وما جبلت عليه من حبها لتراثها الأول، ومن حاجتها إلى إشباع رغبتها من وجود أيام أُنس وفرح وسرور تعبر فيه عن مشاعرها، وتميل فيه إلى راحتها وأفراحها، فهو ﷺ لم يبطل عيدي الجاهلية حتى أعد البديل بما يغني عنه بما هو خير منه؛ لئلا يبقى تشوُّف النفوس وشوقها إلى أعيادها القديمة حين حُرمَت منها، وفي هذا عبرة لعلماء المسلمين إذا نهوا الناس عن شيء أوجدوا بديله الشرعي ليحل محله، ويقوم مكانه، فتحصل به الكفاية عن الحاجة إلى الأول[5].
استدل الشافعية بحديث عائشة على أن أول شوال ليس يوم الفطر مطلقًا، وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس، وكذلك يوم النحر، وكذلك يوم عرفة هو اليوم الذي يظهر للناس أنه يوم عرفة، سواء كان التاسع أو العاشر، وقال الشافعي في (الأم)[6] عقب هذا الحديث: فبهذا نأخذ. قال: وإنما كلف العباد الظاهر، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا.
قال الله تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28] هذا هو العيد: يوم ذكر وأكل وشرب وفرح.
492- عن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». أخرجه البخاري، وفي رواية معلقة -ووصلها أحمد-: «وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا» [ولفظ البخاري: «ويأكلهن وترا»].
493- وعن بريدة رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ»، رواه أحمد والترمذي، وصحَّحه ابن حبان. [وابن خزيمة في الصحيح (1426)].
1 - السنة تناول تمرات في عيد الفطر تؤكل وترًا قبل الذهاب إلى الصلاة.
2 - وفي حديث بريدة أن السنة عدم الأكل قبل صلاة الأضحى، والأكل من الأضحية بعدها.
3 - يستحب تأخير صلاة عيد الفطر حتى يتسع وقت إخراج الفطرة المستحب إخراجها فيه، وتعجيل صلاة الأضحى كي يتسع وقت التضحية، ولا يشق على الناس أن يمسكوا عن الأكل حتى يأكلوا من ضحاياهم.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من حكمة تعجيل الأكل يوم الفطر: حتى لا يظن اتصال الصيام إلى صلاة العيد، وكذلك فيه المبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى بالفطر.
2 - من المقاصد أن من وفقه الله يستطيع أن يجعل من العادات -كالأكل والشـرب والنوم وغيرها- عبادات تقربه من الله تعالى، وتزيد في حسناته، فهذا كله راجع إلى النية وحسن القصد، وهي مسألة عظيمة هامة تحتاج فطنة وسؤال التوفيق من الله سبحانه وتعالى[7].
في حديثي أنس وبريدة قرن للأفعال بصيغة (كان) التي تدل على المداومة، وقد جاء ما هو صريح في المداومة على ذلك فيما رواه ابن حبان عن أنس قال: «ما خرج رسول الله ﷺ يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا».
قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]
وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ ذَٰلِكَ ۖ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32] فالخروج إلى المصلى مشيًا وإقامة صلاة العيد في المصلى فيه إظهار لهذه الشعيرة، وهذا يدل على التعظيم.
وقال الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ [الأعلى: 14، 15].
وقال الله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2].
494- وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ، وَالْـحُيَّضَ فِي الْعِيدَيْنِ؛ يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْـمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْـحُيَّضُ الْـمُصَلَّى»، متفق عليه.
495- وعن جابر رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ العِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ»، أخرجه البخاري.
496- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى العِيدِ مَاشِيًا»، رواه الترمذي وحسَّنه. [الحديث ضعَّفه ابن حجر في فتح الباري (2/451)، والنووي في المجموع (5/10)، وغيرهما].
- العواتق: جمع عاتق، وهي الجارية ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج، وسميت عاتقًا لأنها عتقت من امتهانها في الخدمة، والخروج في الحوائج.
- ذوات الخدور: هن الأبكار، والخدور: البيوت.
1 - في حديث أم عطية دليل على وجوب الخروج لصلاة العيد على كل مكلف قادر على الخروج إلى الصلاة، والقول بأن صلاة العيد واجبة على الأعيان هو مذهب الحنفية[8]، وذهب الحنابلة إلى أنها فرض كفاية، أما المالكية والشافعية فهي عندهم سنة مؤكدة [9].
2 - الراجح -والله أعلم- هو القول بوجوب صلاة العيد على الأعيان، قال شيخ الإسلام: (ولهذا رجَّحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان. وقول من قال: لا تجب في غاية البعد؛ فإنها من شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع لها التكبير، وقول من قال: هي فرض كفاية لا ينضبط؛ فإنه لو حضـرها في المصـر العظيم أربعون رجلًا لم يحصل المقصود؛ وإنما يحصل بحضور المسلمين كلهم كما في الجمعة) [10].
3 - وفي الحديث أن حضور مجالس الذكر والخير مشروع لكل أحد، حتى الحائض والجنب، ومن في معناهما، إلا في المسجد[11].
4- وفيه أنه يشرع خروج النساء في العيدين من غير فرق بين الشابة وغيرها، ما لم تكن معتدة، أو كان في خروجها فتنة، أو كان لها عذر، خلافًا لمن كره خروج الشابة بإطلاق.
5 - وفي حديث جابر دليل على أن السنة الذهاب إلى صلاة العيد من طريق، والعود من طريق آخر.
6 - ودلَّ حديث علىٍّ رضي الله عنه على أن السنة أن يخرج المسلم إلى صلاة العيد ماشيًا، لا راكبًا، إلا لعذر؛ كبعد مسافة ونحو ذلك، وهو قول أكثر أهل العلم[12].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من الحكَم في الخروج لصلاة العيدين بهذه الصورة المذكورة في الحديث: إظهار هذه الشعيرة من شعائر المسلمين، وإظهار شكر نعمة الله تعالى، وتكثير سواد المسلمين واجتماعهم وإرغام الكافرين، وحصول النفع والأجر بشهود الصلاة واستماع الذكرى في خطبة العيد.
2- من الحِكَم التي شرع لأجلها مخالفة الطريق يوم العيد:
- التسليم على أهل الطريقين.
- نيل بركة مشيه في الطريقين.
- إظهار شعائر الإسلام في كل فجاج الطرق.
- أن يشهد له الطريقان.
1 - دل القياس على أن صلاة العيد فرض عين؛ وذلك أنها من أعلام الدين الظاهرة، وأعلام الدين الظاهرة فرض كصلاة الجمعة، وغيرها.
2 - القول بكراهة خروج الشابة إلى صلاة العيد على الإطلاق فيه رد للأحاديث الصحيحة بالآراء الفاسدة، وتخصيص الشابة يأباه صريح الحديث المتفق عليه وغيره[13].
3 - من أفعال النبي ﷺ ما تردد بين الجبلة والشرع: وذلك كذهابه ص لصلاة العيد من طريق، ورجوعه من طريق آخر، وكحجه راكبًا؛ فإن الظاهر أنه ما فعل هذا إلا لكونه مطلوبًا شرعًا، إلا أن الجبلة أيضًا تقتضيه، فالجبلة تقتضي الركوب، وترغب في التغيير. والظاهر ترجيح جانب الندب على جانب الإباحة، لتعلقه بعبادة، وإمكانية تعليل جانب التعبد بما ذكرناه سابقًا، ولهذا نص الفقهاء على استحباب الذهاب لصلاة العيد من طريق، والعودة من آخر.
صفة صلاة العيدين والخطبة فيهما:
قال الله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة:185]، أما القراءة فيه فكالجمعة.
497- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ: يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الـخُطْبَةِ»، متفق عليه.
498- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ العِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَمَا»، أخرجه السبعة.
499- وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي قَبْلَ العِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»، رواه ابن ماجه بإسناد حسن. [إسناده ضعيف؛ فيه عبد الله بن محمد بن عقيل].
500- وعنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْـمُصَلَّى، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ -وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ- فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ»، متفق عليه.
501- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة»، أخرجه أبو داود، وأصله في البخاري. [صحَّحه الحافظ في فتح الباري (2/452)].
502- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قَالَ نَبِيُّ الله ﷺ: «التَّكْبِيرُ فِي الفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى وَخَمْسٌ فِي الآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا»، أخرجه أبو داود، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه.
503- وعن أبي واقد الليثي قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ بِـ ﴿ ﭐ ق ﴾ [ق:1] وَ ﴿ اقْتَرَبَتِ ﴾ [القمر:1]»، أخرجه مسلم.
504- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، فقال: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم»، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟! قال: «لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير»، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن. متفق عليه واللفظ لمسلم.
505- وعن أبي هريرة: «أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِيدِ فِي الـمَسْجِدِ»، رواه أبو داود بإسناد لين. [قال الذهبي في ميزان الاعتدال (3/316): فرد منكر].
- المصلى: هو موضع بالمدينة معروف، غربي المسجد النبوي، كان بينه وبين باب المسجد ألف ذراع.
- التَّكبِيرُ فِي الفِطر: أي: والأضحى، فذكره لا يقتضي الحصر.
- سَبْعٌ فِي الأُولَى، وخَمْسٌ فِي الآخِرَة: أي: سبع تكبيرات عدا تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات عدا تكبيرة الانتقال.
- والْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا: أي: أن القراءة لا تكون إلا بعد التكبيرات في الركعة الأولى والثانية.
- من سطة النساء: أي: من سفلة النساء، وقيل: من الوسط الذي هو الخيار، فيكون المعنى: من علية النساء وخيارهن.
- سفعاء الخدين: الأسفع والسفعاء: من أصاب خده لون يخالف لونه الأصلي من سواد أو خُضرة أو غيرهما.
- الشكاة: أي: الشكوى.
- العشير: الزوج.
- أقرطتهن: جمع قِرْط - بكسر القاف- وهو ما عُلِّق في شحمة الأذن؛ سواء كان من الذهب، أو الخرز، أو غير ذلك.
1 - في حديث ابن عمر دليل على أن الواجب تقديم الصلاة على الخطبة في صلاة العيد، وهو مجمع عليه[14].
2 - ودلَّ حديث ابن عباس وأبي سعيد على أن صلاة العيد ليس لها راتبة، لا قبلية ولا بعدية[15].
3 - إذا كانت صلاة العيد في المسجد، فالسنة ألا يجلس المسلم عند الدخول حتى يصلي ركعتين؛ لعموم قوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» متفق عليه.
4 - وفي حديث أبي سعيد الثاني دليل على أن السنة الخروج إلى المصلى لصلاة العيد، وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد الحرام؛ فإن الأئمة لم يزالوا يصلون العيد بمكة بالمسجد الحرام، فصلاة العيد فيه أفضل بلا خلاف[16].
6 - وفي حديث ابن عباس الثاني دليل على أنه لا يشرع النداء لصلاة العيد، وهذا مجمع عليه[17].
7 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، وهو أمر متفق عليه في الجملة[18].
8 - وفيه أنه يُكبِّر في الأولى سبعًا مع تكبيرة الافتتاح، دون تكبيرة الركوع، وفي الثانية خمسًا دون تكبيرة النهوض، وهو مذهب الحنابلة والمالكية، ومذهب الشافعية أنها سبع تكبيرات دون تكبيرة الإحرام[19]والجمهور على أن يرفع الإمام، والمأموم أيديهم مع كل تكبيرة.
9 - التكبيرات الزوائد سنة بالإجماع، فلا تبطل الصلاة بتركها عمدًا ولا سهوًا[20]، وإذا دخل المأموم مع الإمام وقد فاته بعض التكبيرات الزوائد، فإنه يكبر مع الإمام، ويمضـي معه حيث كان، ويسقط عنه ما فاته من التكبيرات.
10- وفي حديث أبي واقد دليل على أن السنة أن يقرأ الإمام في صلاة العيد في الركعة الأولى بسورة (ق) وفي الثانية بسورة (القمر)، وفي مسلم أيضًا من حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى بسورة (الأعلى)، وفي الثانية بسورة (الغاشية)، فكلاهما سنة، فللإمام أن يفعل هذا أو ذاك.
11- وفي حديث جابر دليل على البداءة بالصلاة قبل الخطبة، وأن السنة ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد، وفيه مشروعية قيام الخطيب للخطبة.
12- وفيه: أنه يسن إفراد النساء بموعظة، إذا كنّ بعيدات لا يسمعن الوعظ، أو كنَّ محتاجات لتذكير يخصهن.
13- وفيه: جواز ثقب أذن المرأة، وتحريم كفران النعمة؛ لأنه ﷺ جعله سببًا لدخول النار.
14- حضور خطبة العيد سنة على الصحيح، وهو قول عامَّة الفقهاء [21].
15- ودلَّ حديث أبي هريرة على جواز صلاة العيد في المسجد، والحديث ضعيف، إلا أنه قد روى البيهقي بسند صحيح عن عليٍّ رضي الله عنه: «أنه استخلف أبا مسعود الأنصاري ليصلي بضعفة الناس يوم العيد في المسجد»، وعليه؛ فإن حصل للناس عذر يمنع الخروج إلى المصلى من بُعْد، أو مطر، أو خوف، أو ضعف، أو مرض، أو غير ذلك، فإنهم يصلون في المسجد.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- يظهر أن الحكمة من تخصيص الفرائض بالأذان: تمييزها بذلك عن النوافل وإظهار شرفها، وأشار بعضهم إلى معنى آخر: وهو أنه لو دعا النبي ﷺ إليها لوجبت الإجابة، وذلك مناف لعدم وجوبها، وهذا حسن بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان[22].
2- من مقاصد صلاة العيدين: إظهار شكر الله تعالى على نعمه، والتذكير بها في الخطبة والحث على شكرها وعلى إشاعة روح التآخي والتسامح والتواصل بين الناس.
3 - الحكمة -والله أعلم- من قراءة (ق)، و(القمر): أنهما اشتملتا على أخبار ابتداء الخلق، والبعث، والنشور، والمعاد، والقيامة، والحساب، والجنة، والنار، والترغيب، والترهيب، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس في العيد ببروزهم في البعث، وخروجهم من الأجداث، كأنهم جراد منتشر، وغير ذلك من الحكم[23].
4- من مقاصد الخطبة: الأمر بتقوى الله، والحث على طاعته، والموعظة والتذكير.
5- أفاد حديث جابر أنه يجوز الإغلاظ في النصح بما لعله يبعث إلى إزالة العيب، أو الذنب اللذين يتصف بهما الإنسان، وأنه ينبغي على الخطيب العناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه من المخاطبين، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها.
6- وأفاد أيضا أن الصدقة مما يدفع العذاب، ويطفئ غضب الرب سبحانه، ويزكي النفس ويطهرها من درن الذنوب والمعاصي.
7- ينبغي للمرأة المسلمة أن تسعى في إنقاذ نفسها من النار، وأن تحرص على اجتناب كل ما يوجب سخط الله تعالى، مثل كثرة الشكوى وكفران جميل الزوج إذا بدر منه ما يسوء، إضافةً إلى ما ورد فيه الوعيد من المخالفات النسائية الشائعة.
1- ذكر الراوي للخليفتين مع النبي ﷺ فيما يقرره من السنة إنما هو على وجه البيان لتلك السنة، وأنها ثابتة معمول بها بعد وفاة النبي ﷺ لم تنسخ، وأن العمل بها من الخليفتين الراشدين بمحضر من مشيخة الصحابة، وليس ذكرهما من باب الاشتراك في التشـريع، فمعاذ الله بهم عن ذلك[24].
2 - مطلق النفل يوم العيد في غير وقت النهي لم يثبت فيه منع بدليل خاص، ولهذا جاز في غير المصلى لعموم الأدلة.
3 - مذهب الشافعية أن صلاة العيد في المسجد أفضل إذا كان المسجد واسعًا لا يضيق بأهله، ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام، فالعلة عندهم في الصلاة بالمصلى تدور على الضيق والسعة، لا لذات الصحراء؛ لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أوْلى. والذي يظهر خلاف ذلك؛ وذلك أن النبي ﷺ لا يترك الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل، ولأننا قد أمرنا باتباع النبي ﷺ والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر[25].
4- ترك النبي ﷺ لفعل من الأفعال يكون حجة، فيجب ترك ما ترك بشرطين:
الشرط الأول: أن يوجد السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده ﷺ، وأن تقوم الحاجة إلى فعله، فإذا كان الحال كذلك، وتركه ﷺ ولم يفعله؛ كان تركه لهذا الفعل سنة يجب الأخذ بها، ومتابعته في ترك هذا الفعل. أما إن انتفى المقتضي، ولم يوجد السبب الموجب لهذا الفعل، فإن ترك النبي ﷺ حينئذ لا يكون سنة.
الشرط الثاني: انتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه ﷺ قد يترك فعلًا من الأفعال -مع وجود المقتضي له- بسبب وجود مانع يمنع من فعله؛ وذلك كتركه ﷺ قيام رمضان مع أصحابه في جماعة لخشيته أن يُفرض عليهم، فترك النبي ﷺ الفعل مع وجود المقتضـي له وانتفاء الموانع يكون في هذه الحالة سنة؛ وذلك كترك النبي ﷺ الأذان لصلاة العيدين[26].
5- من طرق الترجيح: ترجيح ما اشتمل على زيادة؛ فإذا كان أحد الخبرين مشتملًا على زيادة، والآخر لم يشتمل عليها؛ قُدِّم المشتمل على الزيادة؛ لاشتماله على زيادة علم لم يشتمل عليها الأخر؛ وذلك كتقديم رواية من روى أن رسول الله ﷺ وسلم كبر في صلاة العيد سبعًا، على من روى أنه كبر أربعًا، ونحو ذلك.