باب صلاة الاستسقاء
قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ١٠ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ١١ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح:10-12].
وقال الله تعالى عن هود عليه السلام: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ [هود: 52].
وقال الله سبحانه: ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ﴾ [البقرة: 60].
وقال الله تعالى مخاطبًا هذه الأمة ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60].
514- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي العِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ»، رواه الخمسة وصحَّحه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان.
515- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ قُحُوطَ الْـمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْـمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الـمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جدْب دِيَارِكُمْ، واستئخار المطر عن إبَّانِ زمانه عنكم، وَقَدْ أَمَرَكُمْ الله أَنْ تَدْعُوَهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: الْـحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللهمَّ أَنْتَ الله، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الغَنِيُّ وَنَحْنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أقبَل عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ الله سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ»، رواه أبوداود، وقال: (غريب وإسناده جيد). [صحَّحه ابن حبان في الصحيح (991)، والحاكم في المستدرك (1242)].
516- وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد، وفيه: «فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ، يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ».
517- وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ؛ لِيَتَحَوَّلَ القَحْطُ»
518- وعن سعد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي الاسْتِسْقَاءِ: «اللهمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلًا، يَا ذَا الـجلَالِ وَالْإِكْرَامِ»، رواه أبو عوانة في صحيحه. [ضعَّفه الحافظ في التلخيص الحبير (2/99)].
519- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خَرَجَ سُلَيْمَانُ عليه السلام يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ تَقُولُ: اللهمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ»، رواه الدارقطني[1]، وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه الألباني في إرواء الغليل رقم 670].
- متبذِّلًا: التبذل: ترك التزين والهيئة الحسنة الجميلة تواضعًا.
- مترسِّلًا: الترسُّل: التمهل، والتأني.
- متضرعًا: التضرُّع: المبالغة في السؤال والرغبة.
- قُحُوطَ المَطَر: أي: احتباسه وانقطاعه.
- وبلاغًا: أي: نتبلغ به، ونتوصل به إلى مطلوبنا.
- اللهم جَلِّلْنا: أي: ارزقنا سحابًا يكون عامًّا شاملًا.
- قصيفًا: القصيف: الصوت الشديد، وهو يدل على كثافة السحاب، وغزارة المطر.
- دلوقًا: خروج الشيء من مخرجه سريعًا، أي: فتفرغ السحابة كل ما فيها من الخير على الأرض بدلقه عليها.
- ضحوكًا: أي: يكون مريحًا حال سقوطه غير مفزع.
- رذاذًا: أي: ينزل خفيفًا غير مؤذ.
- قِطْقِطًا: القِطقِط، بالكسر: المطر الصغار، أو المتتابع العظيم القطر.
1 - دلَّت الأحاديث على مشروعية الاستسقاء عمومًا، ولا خلاف بين العلماء في ذلك[2].
2 - ودلَّت على أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثابتة، وهو قول الجمهور خلافا لأبي حنيفة الذي قصره على الدعاء فقط [3].
3 - ودلَّت على مشروعية الخطبة لصلاة الاستسقاء؛ لأنها في معنى صلاة العيد، وكان جل خطبته الدعاء والتضرع، فلم تكن كسائر الخطب من هذا الوجه، وظاهر حديث عائشة الذي معنا أنه خطب خطبة واحدة، وهو مذهب الحنابلة[4].
4 - وظاهر حديث عائشة وعبد الله بن زيد أنه خطب قبل الصلاة، وهو قول ابن حزم، ورواية عن أحمد[5]، وجاء عن أبي هريرة ما يدل على الخطبة بعد الصلاة، قال: «خرج نبي الله ﷺ يومًا يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا» أخرجه أحمد، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، ولو قدم الخطبة على الصلاة جاز عندهم، وعن أحمد أنه مخيّر في الخطبة قبل الصلاة وبعدها؛ ، ورجَّحه ابن عثيمين[6] .
5 - لا يشرع لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة، وهذا أمر مجمع عليه[7].
6 - يشرع الاستسقاء لأربعة أمور: الأول: للمَحْل والجدب، والثاني: عند الحاجة إلى الشرب لشفاههم أو دوابهم ومواشيهم، والثالث: استسقاء من لم يكن في محل ولا حاجة إلى الشرب، وقد أتاهم من الغيث ما إن اقتصـروا عليه كانوا في دون السعة، والرابع: استسقاء من كان في خصب لمن كان في مَحْل وجدب[8].
7 - وفيه دليل على أنه ينبغي على الإمام أن يحدد للناس زمانًا ومكانًا مناسبين للخروج لصلاة الاستسقاء، وأن السنة أن تُصلى صلاة الاستسقاء في الصحراء، وأن أفضل وقت لها هو وقت الضحى؛ كصلاة العيد، وتجوز في غيره.
8 - قال الفقهاء: ويستحب الخروج لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين وستر وصلاح، والشيوخ أشد استحبابًا؛ لأنه أسرع للإجابة، فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها، فأما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن الخروج؛ لأن الضـرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله[9].
9 - دل حديث عبد الله بن زيد، ومرسل محمد الباقر على استحباب تحويل الرداء في الاستسقاء حين استقبال القبلة وقبل الدعاء للإمام والمأمومين، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية[10]، ويدعو الإمام سرًّا حال استقبال القبلة، وكذلك الناس[11]، ولا يشرع تحويل الرداء للنساء.
10- إن سُقي الناس حمدوا الله، وإن لم يسقوا أعادوا الاستسقاء ثانيًا وثالثًا حتى يسقوا، ويندب لهم التوبة والإقلاع عن المعاصي، والاستكثار من فعل الخير؛ ليكون أرجى للإجابة.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - يُسن أن يُكثر الإمام في الخطبة من الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، ويعظ الناس، ويأمرهم بتقوى الله تعالى، والخروج عن المظالم، والتوبة من المعاصي، وتحليل بعضهم بعضًا، والصيام والصدقة، وترك التشاحن؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات[12].
2- في حديث ابن عباس بيان كيفية الخروج للصلاة، فيخرج الإمام والناس في تواضعٍ، وتبذُّلٍ وتخشُّعٍ، وتضرُّعٍ ليكون حالهم أقرب إلى الرحمة، واستجابة الدعاء.
3 - الحكمة من تحويل الرداء: التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه إلى الخصب والسعة.
4 - في حديث أبي هريرة أن سائر المخلوقات -حتى أصغرها- فُطِرت على معرفة بارئها وخالقها، وألهمت أنه لا ينفعها ولا يضرها إلا ربها، فألقت حوائجها بين يديه، ورفعت فاقتها وفقرها إليه، فلا تلتجئُ إلا إليه وحده، فلا غِنَى لأحدٍ عن رحمة ربه كائنًا من كان؛ فالله تعالى إذا رأى من عباده صدق التوجه إليه، والتعلق به؛ رحمهم فسقاهم وأعطاهم، ورفع البلاء عنهم، فخزائنه لا تنفد، وخيره لا ينقطع، وعطاؤه لا يُحْظَر.
1 - إنما جازت الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها؛ لورود الأخبار بكلا الأمرين، فيحتمل أن النبي ﷺ فعل الأمرين.
2 - قوله ﷺ في بعض الروايات: «ويحول الناس» عام لكل أحد، وخرجت منه النساء تخصيصًا لهن بالقواعد العامة المطردة في حق النساء من وجوب التستر.
3 - قاعدة مقاصدية: قال ابن القيم -رحمه الله-: (دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها: على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر؛ فما استجلبت نعم الله، واستدفعت نقمه بمثل طاعته، والإحسان إلى خلقه.
وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول السـرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع ... ومن تفقه في هذه المسألة، وتأملها حق التأمل؛ انتفع بها غاية النفع)[13].
قال الله تعالى: ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 56، 57].
520- وعن أنس رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الـمَسْجِدَ يَوْمَ الـجمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللهمَّ أَغِثْنَا، اللهمَّ أَغِثْنَا...»، فَذَكَرَ الْـحَدِيثَ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا، متفق عليه.
521- وعنه أن عمر رضي الله عنه: كَانَ إِذَا قَحِطُوا اسْتَسْقى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ، وَقَالَ: اللهمَّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. فَيُسْقَوْنَ. رواه البخاري.
522- وعنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ»، أخرجه مسلم.
1 - في الأحاديث دليل على نوعين آخرين من أنواع الاستسقاء غير صلاة الاستسقاء: الأول: الاستسقاء بالدعاء مجردًا بلا صلاة، وقد اتفق العلماء على جوازه[14]، والنوع الثاني: دعاء الإمام في خطبة الجمعة كما في حديث أنس الأول.
2 - وفي الحديث أيضًا دليل على جواز مكالمة الخطيب حال الخطبة عند الحاجة، وفيه مشـروعية تكرار الدعاء، وإدخال الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، وترك تحويل الرداء والاستقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء[15].
3 - جواز تعداد النقم التي تحل بالمسلم إذا لم يقصد بذلك التسخط من قضاء الله وقدره، وإنما قصد إظهار الحال لمن يستطيع نفعه في حاله، من طبيب يعالجه، أو غني يتصدق عليه، فهذا الرجل شكا إلى النبي ﷺ أن يدعو الله تعالى، والدعاء أمر مقدور للنبي ﷺ، وهو أقرب من يستجيب الله له دعاءه، وأقره النبي ﷺ على طلبه، ودعا فحصل المطلوب.
4 - في الحديث الثاني دليل على مشروعية المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، حتى يكون ظهر الكفين من شدة الرفع إلى الأعلى وبطونهما إلى الأرض، وقيل: إن الحديث على ظاهره، وأن السنة في كل دعاء لرفع بلاء: أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله؛ جعل بطن كفيه إلى السماء[16].
5 - في الحديث الثاني دليل على أنه يستحب أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه من الأحياء؛ لأن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس رضي الله عنه ؛ عم رسول الله ﷺ، واستسقى معاوية والضحاك بيزيد بن الأسود الجرشي[17].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره؛ إما لضعَّفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله، وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول مانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة، والسهو واللهو، وغلبتها عليها[18].
2- قيل: إن الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره: للتفاؤل بقلب الحال ظهرًا لبطن كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول؛ وهو نزول السحاب إلى الأرض[19].
3 - رفع اليدين في الدعاء مستحب في سائر مواطن الدعاء، وليس مقصورًا على الاستسقاء، وهو من أسباب الإجابة، قال النووي: (ثبت رفع النبي ﷺ ليديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصـر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا في الصحيحين أو أحدهما)[20].
قاعدة: لا تعارض بين أفعال النبي ﷺ: أفعال النبي ﷺ المختلفة في الشـيء الواحد لا تعتبر متعارضة، وإنما دالة على مشروعية كلا الأمرين، فيجوز الخروج إلى الصحراء للاستسقاء والدعاء كما ثبت عن النبي ﷺ، ويجوز الخروج والدعاء بلا صلاة، كما فعله عمر بمحضـر من الصحابة، ويجوز الاستسقاء بالدعاء تبعًا للصلوات الراتبة، كخطبة الجمعة كما فعله النبي ﷺ [21].
قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ﴾ [ق: 9] تنبيهًا لاغتنام البركة التي في ماء المطر.
وقال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الروم: 46] وهذا توجيه لهم ليشكروا الله تعالى على هذه النعم.
523- عن أنس رضي الله عنه قال: أَصَابَنَا - وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ - مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الـمَطَرِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»، رواه مسلم.
524- وعن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الـمَطَرَ قَالَ: «اللهمَّ صَيِّبًا نَافِعًا»، أخرجه البخاري.
- فحسر ثوبه: أي: فكشف بعض بدنه.
- حديث عهد بربه: أي: بتكوين ربه، وإيجاده له، فلم يلابس شيئًا بعد.
- صيِّبًا: أي: منهمرًا متدافعًا.
- نافعًا: أي: فيه الخير، حال كونه بعيدًا من الضرر والإفساد.
1 - في حديث أنس دليل على أنه يستحب أن يتعرض الإنسان لبركة المطر أول نزوله، ويخرج شيئًا من بدنه، إما من ساقه، أو من ذراعه، أو من رأسه حتى يصيبه المطر؛ اتباعًا لسنة النبي ﷺ، وقوله: «إنه حديث عهد بربه»؛ لأن الله خلقه الآن، فهو حديث عهد بخلق الله[22].
2 - في حديث عائشة دليل على استحباب الدعاء الوارد عند نزول المطر، وقد ورد في السنة أدعية كثيرة في الاستسقاء غير هذا، ومنها: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل»، ومنها: «اللهم اسق عبادك، وبهائمك، وانشـر رحمتك، وأحيي بلدك الميت»، ومنها: «اللهم اسقنا غيثًا مريئًا مريعًا طبقًا عاجلًا غير رائث، نافعًا غير ضار».
لماذا لم نعمم العلة ونقول باستحباب التعرض وملابسة كل شيء جديد يحدثه الله تعالى؟
الجواب: إن هذه علة قاصرة على معلولها، دل عليها النص فلا نتعداه[23].