با
ب اللباس
قال الله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الكهف: 31].
وقال الله تعالى: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ﴾ [الزخرف: 71].
هؤلاء الآيات ونحوهن استدل بهن الشنقيطي في أضواء البيان عند تفسير آية (14) من سورة النحل على تحريم لبس الذهب والحرير للرجال في الدنيا، فمن تنعَّم بها في الدنيا منع من هذا التنعُّم المذكور في الآيات.
أما عن إباحتهما للنساء في الدنيا فقد قال الله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18].
525- عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْـحَرِيرَ»، رواه أبو داود، وأصله في البخاري.
526- وعن حذيفة رضي الله عنه قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْـحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ»، رواه البخاري.
527- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم -أو المقسم- ونصـر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام. ونهانا عن خواتيم - أو عن تختم - بالذهب، وعن الشـرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القَسِّي، وعن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج»، متفق عليه.
528- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: «كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي»، متفق عليه، وهذا اللفظ لمسلم.
529- وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْـحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِها»، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصحَّحه. [أعلَّه الدارقطني في العلل (3/397) بالانقطاع].
530- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ يلبس خاتمًا من ذهب فنبذه، فقال: لا ألبسه أبدًا، فنبذ الناس خواتيمهم» متفق عليه.
أبو عامر الأشعري: عبد الله بن هانئ، وقيل: ابن وهب، وليس هو عم أبي موسى الأشعري، معدود فيمن نزل الشام من الصحابة من قبائل اليمن، وتوفي في خلافة عبد الملك.
- يستحلون الحِر: الحِر: بكسر الحاء والراء الخفيفة، وهو الفرج؛ والمعنى: يستحلون الزنا[1].
- تشميت العاطس: الدعاء له بالرحمة.
- إبرار القسم: جعل الحالف بارًّا في حلفه، كما إذا حلف: والله ليدخلن زيدٌ الدار اليوم، فينبغي له أن يدخل؛ لئلا يحنث القائل.
- المياثر: جمع ميثرة، غطاء للسرج من الحرير يوضع على ظهر الفرس، ورحل البعير.
- القَسِّي: ثياب من الكتان المخلوط بالحرير.
- الإستبرق: ما غلظ من الحرير.
- الديباج: نوع من الحرير رقيق.
- حُلَّةً سِيرَاء: ثوب من الحرير الخالص.
- فشققتها: أي: قطعتها ففرقتها.
- نبَذ: رمى.
1 - في الأحاديث دليل على أنه يحرم لبس ثياب الحرير للرجل، وهذا أمر متفق عليه[2].
2- دل حديث حذيفة على تحريم الجلوس على الحرير، والاستناد إليه، وهو مذهب الجمهور، والجلوس يسمى لبسًا كذلك؛ لحديث أنس المتفق عليه: «فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس»، فلبس كل شيء بحسبه[3].
3- يجوز افتراش النساء للحرير؛ فقد أحل لهن لبسه، ومنه الافتراش، ومن قال بمنعهن عن افتراشه، فلا حجة له[4].
4 - في حديث البراء بن عازب دليل على استحباب عيادة المريض، وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، وسواء القريب والأجنبي[5].
5 - وفيه: استحباب اتباع الجنائز للصلاة عليها ودفنها، وهو فرض كفاية بالإجماع[6].
6- وفيه: استحباب تشميت العاطس، وهو سنة على الكفاية، إذا فعله بعض الحاضرين سقط الأمر عن الباقين، وشرطه أن يسمع قول العاطس: (الحمد لله).
7 - وفيه: استحباب إبرار قسم المقسم، قال النووي: (وإنما يندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة أو خوف وضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيء من هذا لم يبر قسمه، كما ثبت أنه ﷺ قال لأبي بكر في قصة تعبير الرؤيا: «لا تقسم» ولم يخبره) [7].
8 - وفيه: وجوب نصر المظلوم بقدر الاستطاعة، وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويتوجه الأمر به على من قدر عليه، ولم يخف ضررًا.
9 - وفيه: مشروعية إجابة الدعوة، واستحباب إفشاء السلام بين المسلمين، ورد السلام فرض بالإجماع، فإن كان السلام على واحد؛ كان الرد فرض عين عليه، وإن كان على جماعة؛ كان فرض كفاية في حقهم؛ فإذا رد أحدهم، سقط الحرج عن الباقين[8].
10- وفيه: تحريم تختم الرجال بخواتم الذهب، وسيأتي، وفيه تحريم الشـرب بآنية الفضة، وسبق تفصيل الكلام عليه في كتاب الطهارة.
11- وفيه: تحريم لبس القسي، والحرير، والإستبرق، والديباج، فكله حرام على الرجال، سواء لبسه للخيلاء أو غيرها، إلا أن يلبسه للحكة؛ فيجوز، وأما النساء؛ فيباح لهن لبس الحرير بجميع أنواعه[9].
12- الميثرة إن كانت من حرير فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير، ولكن تقييدها بالأحمر أخص من مطلق الحرير، فيمتنع إن كانت حريرًا، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير، فالنهي فيها للزجر عن التشبه بالأعاجم[10].
13- في حديث أبي موسى دليل على جواز لبس النساء للذهب والحرير، وهو جائز بالإجماع[11].
14- وفيه وفي حديث ابن عمر تحريم الذهب على الرجال سواء كان خالصًا أو مخلوطًا بفضة[12].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- في حديث أبي عامر بيان معجزة من معجزات النبي ﷺ؛ فإنه ﷺ قال: «ليكونن من أمتي ...»، ولم يوجد ذلك إلا في الأزمنة الأخيرة التي طغت فيها أخلاق الفرنج على أخلاق الأمة الإسلامية، فوجدت هذه الأمور في البلاد التي يدعي قادتها الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون[13].
2 - من مقاصد الشريعة: الحث على كل ما يقوِّي الروابط ويوثق الصلات بين أفراد المجتمع المسلم، وإحياء روح التعاون والإحسان، فللمسلم حقوق على أخيه لا ينبغي تضييعها.
3- من مقاصد النهي عن الذهب والحرير للرجال، وعن آنية الذهب والفضة عمومًا: أنها من عادات الأعاجم المترفين، وأنها من دواعي الكبر والتباهي بمظاهر الدنيا، والإخلاد إلى الدنيا والاطمئنان إليها، والإيغال في الرفاهية الزائدة، وكسر نفوس الفقراء، وإضاعة المال.
4- يقول ابن القيم رحمه الله: (بين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة، ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله، ويؤثر كل منهما في الآخر، ولهذا نهي عن لباس الحرير والذهب، وجلود السباع؛ لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع، وتأثير القلب والنفس أمرٌ خفي يعرفه أهل البصائر من نظافتها، ودنسها، ورائحتها، وبهجتها، وكسفها، حتى إن ثوب البَرّ ليُعرف من ثوب الفاجر، وليسا عليهما!!) [14].
5- ومن مقاصد إباحة الحلي والحرير للنساء: لأن هذا من خصائصهن، كما قال الله عنهن: ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ ﴾ [الزخرف: 18]، فالمرأة مجبولةٌ على الزينة، وهو أمر مشروع لها ما لم يكن في ذلك سرَفٌ أو مخيلة، أو إظهار زينتها فيما لم يأذن به الشرع.
1 - قال الصنعاني: (استُدل بحديث عليٍ رضي الله عنه على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنه ﷺ أرسلها لعلي رضي الله عنه ، فبنى على ظاهر الإرسال، وانتفع بها في أشهر ما صنعت له -وهو اللبس - فبيّن له النبي ﷺ أنه لم يبح له لبسها)[15].
2 - يؤخذ حكم الإباحة من النصوص الشرعية بطرق عدة، قال ابن القيم: (وتستفاد الإباحة من الإذن، والتخيير، والأمر بعد الحظر، ونفي الجناح والحرج والإثم، والإخبار بأنه معفو عنه، وبالإقرار على فعله في زمان الوحي، وبالإنكار على من حرم الشـيء، والإخبار بأنه خلق لنا كذا وجعله لنا، وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل من قبلنا له غير ذام لهم عليه)[16].
3 - من الألفاظ الدالة على التحريم: (يستحلون)، ومعناها: يجعلون الحرام حلالًا.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78] هذه الآية دليل على جواز الترخُّص للحاجة، والله أعلم. وأما كف الثياب بالحرير لغير حاجة فنقف عند الهدي النبوي.
531- عن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْـحَرِيرِ، فِي سَفَرٍ، مِنْ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا»، متفق عليه.
532- وعن عمر رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ لُبْسِ الْـحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ»، متفق عليه، واللفظ لمسلم.
533- وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق: «أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ الله ﷺ مَكْفُوفَةَ الْـجيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ، بِالدِّيبَاجِ»، رواه أبو داود، وأصله في مسلم. وزاد: «كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْـمَرْضَى يُسْتَشْفى بِهَا». وزاد البخاري في الأدب المفرد: «وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْـجُمُعَةِ».
أرسلت أسماء إلى ابن عمر أنه بلغها أنه يُحرِّم العَلَمَ في الثوب -موضع الإصبعين والثلاث والأربع- فأجاب بأنه سمع عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له»، فخفت أن يكون العَلَم منه، فأخرجت أسماء الجبة ... الحديث.
- مكفوفة: أي: عمل على كميها وجيبها وفرجيها كفاف من حرير.
- والفرجين: الفرجان الشقان من قدام وخلف.
1 - في حديث أنس دليل على جواز لبس الحرير عند الحاجة إلى ذلك، ومن ذلك الحكة، فإن الحرير يخفف الحكة؛ لنعومته وملاسته، وكذلك يجوز لبس الحرير للحاجة في غير الحكة، وللضرورة من باب أولى [17].
2 - دل حديث عمر على حالة أخرى يجوز فيها لبس الحرير، وهي فيما إذا كان علمًا، أي: كان الثوب مطرَّزًا ومطعمًا بالحرير الذي لا يتجاوز عرضه أربع أصابع، وهو حكم مجمع عليه[18].
3 - قصدت أسماء من إخراج جبة النبي ﷺ بيان أن هذا ليس محرمًا، وفي قولها: «كان يلبسها للوفد والجمعة» دليل على استحباب التجمل بالزينة للوافد ونحوه.
4 - قال الصنعاني: (وأما خياطة الثوب بالخيط الحرير، ولبسه، وجعل خيط السبحة من الحرير، وكيس المصحف، وغشاية الكتب، فلا ينبغي القول بعدم جوازه؛ لعدم شمول النهي له)[19].
5 - ويدل حديث أسماء أيضًا على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ حتى بعد وفاته، ولكنه لا يلحقه أحد في ذلك، فلا يجوز التبرك بآثار أحد، مهما سمت منزلته بالعلم والصلاح[20].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- من مقاصد الشريعة: التيسير على الناس، كما في إباحة اليسير من الحرير للرجال، بحيث يكون تابعًا لا أصلًا، وكذا إباحته للحاجة؛ كالمريض ونحوه.
2- العناية بالمظهر أمرٌ مشروع ما أخطأتك اثنتان: سرَفٌ أو مخيلة.
1 - (قاعدة: الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة): حديث أنس حجة على من منع استخدام الحرير للحكة، ويقاس غيرها من الحاجات عليها، وإذا ثبت الجواز في حق هذين الصحابيين؛ ثبت في حق غيرهما ما لم يقم دليل على اختصاصهما بذلك، والقاعدة: أن ما ثبت حكمه على الواحد، كان حكمه على الجماعة إلا ما ظهرت خصوصيته، فالترخيص لعبد الرحمن بن عوف والزبير يُعَدُّ ترخيصًا لغيرهما إذا حصل له عذر مثل عذرهما[21].
2 - قاعدة: (تحريم الشيء تحريم لجميع أجزائه إلا ما استثناه الدليل): قال شيخ الإسلام: (تحريم الشيء مطلقًا يقتضي تحريم كل جزء منه، كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضـى ذلك، وكذلك تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يقتضـي المنع من أبعاض ذلك، وكذلك النهي عن لبس الحرير اقتضى النهي عن أبعاض ذلك، لولا ما ورد من استثناء موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع في الحديث الصحيح)[22].
534- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِيِّ وَالْـمُعَصْفَرِ»، رواه مسلم.
535- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: «أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟!» رواه مسلم.
536- وعن البراء رضي الله عنه قال: ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ، شعره يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، ليس بالطويل ولا بالقصير. متفق عليه.
- القَسِّيِّ؛ بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة: هي ثياب مضلعة بالحرير كانت تُجلب من مصر، تُعمل بالقس.
- والْمُعَصْفَر: هو المصبوغ بالعصفر، وهو نوع من النبات تصبغ به الثياب، فتكون حمراء.
- اللمة: هي الشعر إذا تجاوز شحمة الأذن.
1 - في حديث عليٍّ رضي الله عنه دليل على كراهية لبس الثوب المعصفر، والنهي خاص بالرجال، وأما النساء فإن العلماء لا يختلفون في جواز لباسهن لذلك[23].
2 - والراجح أن النهي عن لبس الأحمر المصمت للتحريم، واختاره ابن القيم[24]، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين، وقد أخرج مسلم قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو عندما رأى عليه ثوبين معصفرين، فقال: «إنّ هذه من ثياب الكفَّار فلا تلبسها».
3 - وفي حديث البراء دليل على جواز لُبس الأحمر من الثياب إذا كانت الحمرة غير خالصة في الثوب، والحلة الحمراء محمولة على أنها ذات خطوط حمر مع سواد في بقية الثوب؛ جمعًا بين الأدلة[25].
ظاهر النهي تحريم لبس المعصفر حيث لا صارف له عن ذلك، ويدل عليه قوله: «أمك أمرتك بهذا؟» الذي يشير إلى أن هذا من لباس النساء وزيِّهن، وعلَّل النهي أيضًا بأنها من لباس الكفَّار، وفي هذا من التشنيع ما فيه.
إباحة اللباس ما لم يكن فيه خيلاء أو إسراف:
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36].
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
537- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «كل واشرب وتصدق والبس في غير مخيلة ولا سرف، إن الله يحب أن تُرى نعمته على عبده»، رواه أحمد وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم.
- مَخِيْلَة: الخيلاء: هي الكبر والعجب، مأخوذة من التخيُّل؛ لأن المختال يظن أنه بصفةٍ عظيمة بلباسه أو مركبه أو نحو ذلك.
1 - في الحديث دليل على أن الأصل في اللباس والزينة: الإباحة، ولعل الحافظ -رحمه الله- أتى بهذا الحديث لأن الإنسان إذا عرف تحريم الحرير بسبب نعومته وليونته قد يظن أن بقية الثياب أيضًا كذلك، وهذا الحديث ينفي ذلك، بل أظهر نعمة الله عليك في مطعمك وفي ملبسك وفي مسكنك، وفي جميع حالاتك، من غير خيلاء ولا إسراف، بل مستحضرًا نعمة الله عليك، مقتصدًا في أمرك، متواضعًا للخلق.
2 - استحباب إظهار نعمة الله على العبد في لباسه، وطعامه، وشرابه، ومسكنه، وكل مظهر من المظاهر المباحة في الحياة، ويجب أن يكون هذا بغير قصد الخيلاء والفخر، وكسـر قلوب الفقراء واحتقارهم[26].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من مقاصد الشريعة: مراعاة حاجات النفس وما جُبلت عليه بلا إفراط ولا تفريط؛ يقول القرطبي رحمه الله: (إن قال قائل: تجويد اللباس هوى النفس، وقد أُمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق، وقد أُمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب: ليس كل ما تهواه النفس يذم، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو على وجه الرياء في باب الدين، فإن الإنسان يحب أن يُرى جميلًا، وذلك حظ للنفس لا يلام فيه، ولهذا يسرِّح شعره، وينظر في المرآة، ويسوي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل، وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس في شيء من هذا ما يُكره ولا يُذَمُّ) [27].
قاعدة: (الأصل في الأشياء الإباحة): إلا إذا أتى ما يدل على تحريم ذلك الشـيء؛ قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام: 119]، قال شيخ الإسلام: (والتفصيل: التبيين، فبيِّنٌ أنه بيَّنَ المحرمات، فما لم يبيِّن تحريمه فليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال؛ إذ ليس إلا حلال أو حرام)[28]. وعن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو»[29].