كتاب الجنائز
النهي عن تمني الموت وما يستحب فعله عند المحتضر:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157].
538- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: الْـمَوْتِ[1]» رواه الترمذي والنسائي وصحَّحه ابن حبان. [أعلَّه بالإرسال أحمد كما في مسائل أبي داود (1922)، والدارقطني في العلل (1397)].
539- وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْـمَوْتَ لِضُـرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْـحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» متفق عليه.
540- وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الْـمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْـجَبِينِ» رواه الثلاثة، وصحَّحه ابن حبان. [قال الترمذي في السنن (982): هذا حديث حسن، وقال بعض أهل الحديث-يعني البخاري في التاريخ الكبير (4/12) -: لا نعرف لقتادة سماعًا من عبد الله بن بريدة].
541- وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» رواه مسلم والأربعة.
542- وعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اقْرَأوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان. [ضعَّفه الدارقطني كما في التلخيص الحبير (3/ 1156)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 709)].
معقل بن يسار بن عبد الله أبو علي المزني، شهد الحديبة وبايع بيعة الرضوان، سكن البصـرة، وبنى بها دارًا، وأمره عمر بحفر نهر في البصرة، فحفره، فنُسِب إليه وسُمِّي (نهر معقل)، وتوفي بها في آخر خلافة معاوية.
- هاذم اللذات: الهَذْم: القطع، أي: أكثروا ذكر قاطع اللذات.
- يموت بعرق الجبين: كناية عما يكابده المحتضر من شدة السياق الذي يعرق فيه، أو كناية عن كدِّ المؤمن في طلب الحلال والعبادة، حتى يلقى الله تعالى.
- لقِّنوا موتاكم: أي: ذكِّروهم بـ (لا إله إلا الله) عند الاحتضار، كما لو كان يُعَلِّم صبيًّا ويلقنه.
1 - في حديث أبي هريرة دليل على استحباب الإكثار من ذكر الموت؛ لأن ذكره يحث على الطاعات والاستعداد لما بعده، والتوبة قبل نزوله.
2 - وفي حديث أنس التصريح بكراهة تمني الموت لضرٍّ نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررًا فى دينه، أو فتنة فيه، فلا كراهة فيه، وكذلك إذا دنا الموت من الإنسان، ففرح به محبة للقاء الله تعالى وشوقًا إليه.
وفيه أنه إن خاف ولم يصبر على حاله في بلواه بالمرض ونحوه، فليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرًا لي... إلخ، والأفضل الصبر والسكون للقضاء.
3 - دل حديث بريدة على أن الموت بعرق الجبين من العلامات التي تدل على حسن الخاتمة، فمكابدة المؤمن شدَّة النزع، وسياق الموت مما يكفر الله تعالى به ذنوبه، ويرفع به درجاته.
4 - وفي حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، دليل على استحباب تلقين الميت الشهادة حال الاحتضار، من أجل أن يختم له بها، فإن «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا الله وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ»[2].
5 - وينبغي أن ينظر إلى حال المريض مرض الموت، فإن كان قويًا يتحمل، أو كان كافرًا، فإنه يؤمر بكلمة التوحيد؛ فيقال: قل: لا إله إلا الله، اختم حياتك بلا إله إلا الله، وإن كان مسلمًا ضعيفًا فإنه لا يؤمر، وإنما يذكر الله عنده حتى يسمع فيتذكر، فينبغي أن يتفطن الآمر لمثل هذا الفرق ولا يخلط[3].
6 - في حديث معقل بن يسار دليل على استحباب قراءة (يس) على المحتضر، لا الميت، يقول الشيخ ابن عثيمين: (هذا الحديث مختلف فيه، وفيه مقال، ومن كان عنده هذا الحديث حسنًا أخذ به)[4].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الإنسان في هذه الحياة الدنيا: إما أن يكون في ضيق أو سعة، نعمة أو نقمة، فهو محتاج إلى ذكر الموت في كلا الحالتين، فإن ذكره في نعمة لم يغفل، وإن ذكره في نقمة لم يجزع.
2 - الدعاء في حديث أنس جاء مبينًا لمن أراد تمني الموت: أن يفوض الأمر إلى الله تعالى؛ فهو جل وعلا الذي يعلم مصالح العبد، وما هو أولى به في الحياة، أو الموت.
3 - أشار النبي ﷺ إلى المعنى الذي من أجله يُنهى عن تمني الموت، وهو انقطاع الأعمال الصالحة بالموت، ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال، ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان فأي عمل أعظم منه؟! ولذا جاء في البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت: إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا، فلعله أن يستعتب»[5].
4 - عظم كلمة التوحيد -هذه الكلمة الجليلة- بكبر فائدتها؛ فقولها بإخلاص، والعمل بها سبب للنجاة من النار ودخول الجنة، اللهم أحينا عليها، وأمتنا عليها[6].
5 - قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: (وقد ذكر بعض العلماء أن من فائدة قراءة يس تسهيل خروج الروح؛ لأن فيها تشويقا، مثل قوله تعالى: ﴿ ﭐ ٢٥ قِيلَ ادْخُلِ ﴾ [يس: 26]، والتشويق للجنة فيه تسهيل لخروج الروح، ولهذا إذا بشر بالجنة سهل عليه، وأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه)[7].
1 - «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ اَلْـمَوْتَ»: صيغة النهي هذه تدل على التحريم، ولكن حمله العلماء على الكراهية؛ لأنه قال في آخر الحديث: (فإن كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا)، فدل على أن النهي ليس على سبيل الجزم والقطع، وإنما على سبيل الكراهة.
2 - في قوله: «اقرؤوا على موتاكم»: أي: من كان في سياق الموت، وسمي ميتًا باعتبار ما يؤول إليه، وتسمية الشـيء بما يؤول إليه وارد في اللغة العربية، ومنه قول الرائي ليوسف: ﴿ ﭐ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: 36]، وهو لا يعصر خمرًا، وإنما يعصر عنبًا يكون خمرًا.
ما يُشرع ويُباح فعله لمن حضر ميتًا:
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ٢١ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ [المعارج: 19 - 22].
وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ١٥٦ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157].
وقـال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]، ثم قال بعدها: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86].
543- عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ رضي الله عنه وَقَدْ شَقَّ بَصَـرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ، اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ» فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْـمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ» ثُمَّ قَالَ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْـمَهْدِيِّينَ، وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» رواه مسلم.
544- وعن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» متفق عليه.
545- وعنها: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اَلصِّدِّيقَ قَبَّلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ» رواه البخاري.
546- وعن أنس رضي الله عنه قال: «شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تُدْفَنُ، وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ اَلْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ» رواه البخاري.
- شَقَّ بَصَرُهُ: هو الذي حضره الموت، وصار ينظر إلى الشيء دون أن يطرف.
- سُجِّي: غُطِّي.
- حبرة: هو ثوب فيه أعلَّام وخطوط.
- شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ: هي أم كلثوم رضي الله عنها.
1 - في حديث أم سلمة دليل على استحباب تغميض عيني الميت عقب موته مباشرة، وهو أمر مجمع عليه[8]، واستحباب الدعاء للميت عند موته ولأهله وذريته بأمور الآخرة والدنيا، والأفضل الدعاء بالوارد: «اللهم اغفر لفلان -باسمه- وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه».
2 - وفي حديث عائشة رضي الله عنها (الأول) دليل على استحباب تغطية جسد الميت عقب موته وقبل الغسل، وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها، وهذا مجمع عليه، ويستثنى من هذا الحكم الـمُحرِم؛ فإنه لا يغطى رأسه ولا وجهه؛ للحديث المتفق عليه: «ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه».
3 - وفي حديث عائشة رضي الله عنها الثاني دليل على جواز كشف الثوب عن الميت إذا لم يبد منه أذى، وفيه جواز تقبيله لوداعه.
4 - وفي حديث أنس دليل على جواز البكاء على الميت بعد موته، والبكاء على الميت مباح بالإجماع إذا لم يصحبه تسخُّط أو رفع صوت أو نياحة[9].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من رحمة الله تعالى بخلقه أن جعل ملائكته يواسون المسلمين عند مصائبهم، فيؤمِّنون على دعائهم، ويحضرون عندهم.
3 - الحكمة من تسجية الميت صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين[10].
4 - شدة محبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه للنبي ﷺ، وثباته عند وفاته مع أنه أشد الصحابة مصيبة بوفاته وفقده.
قال العلماء في تقبيل أبي بكر للنبي ﷺ بعد موته: (فيه جواز تقبيل الميت؛ لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر، فكان إجماعًا).
وقد ثبت في البخاري: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين، وكان ظئرًا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم، فقبَّله، وشمه.
وروى عبد الرزاق من حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ دخل على عثمان بن مظعون فأكب عليه فقبله، ثم بكى، حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه.
ما يُنهى عن فعله من مات له ميت:
قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ٢١ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ [المعارج: 19 - 22].
547- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقَّة» متفق عليه.
548- وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» متفق عليه.
549- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ النَّائِحَةَ، وَالْـمُسْتَمِعَةَ» أخرجه أبو داود، [ضعيف جدًا، انظر: إرواء الغليل (769)].
550- وعن أم عطـية قالت: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ». متفق عليه.
551- وعن ابن عـمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «الْـمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» متفق عليه.
552- وعن حذيفة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ» رواه أحمد والترمذي وحسَّنه. [إسناده منقطع].
553- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلى الْـمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» متفق عليه.
- الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.
- الحالقة: التي تحلق شعرها، أو تنتفه من شدة الجزع والهلع.
- الشاقَّة: التي تشق جيبها أو ثوبها، تسخُّطًا على قضاء الله.
- دعوى الجاهلية: هي النياحة والدعاء بالويل، وما كانوا يذكرونه تارة من تعظيمه ومدحه، وتارة من الندب عليه مثل قولهم: واجبلاه. والمراد بالجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام، وهذا من عطف العام بعد الخاص.
- ضرب الخدود: لطمها، وقد جاء بالجمع مناسبة لما بعده.
- الجيب: هو ما يُفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس، وشَقُّه يكون بإكمال فتحِهِ إلى آخره تسخُّطًا عند المصيبة.
- النياحة: رفع الصوت بالندب على الميت، وقد يصاحبه التسخُّط بقول أو فعل.
- النعي: إذاعة موت الميت، والإخبار به.
- النَّجَاشِيُّ: الرجل الصالح (أصحمة) الذي كان يحكم الحبشة، أسلم ولم ير النبي ﷺ.
1- دل حديث أبي موسى وما بعده من الأحاديث على أن النياحة من كبائر الذنوب، وهي محرمة بالإجماع[11].
2- وفي حديث ابن مسعود: تحريم لطم الخدود، وشق الجيوب، ونحو ذلك، وهو مجمع على تحريمه كذلك[12].
3 - وفيه تحريم ضرب الوجه، لأنه إذا حرم البعض فالكل بطريق الأولى.
4 - وفيه تحريم إفساد المال أو تنقيصه خصوصًا عند السخط والجزع.
5 - وفيه تحريم دعوى الجاهلية؛ كقولهم: واجبلاه واسنداه واسيداه وأشباهها.
6 - ثبت في الصحيحين عن عمر مرفوعًا: «الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه»، وهو محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يوص بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة، فيكون كالراضي به، أما إذا أوصاهم بتركه فخالفوه، فلا شيء عليه.
7 - في حديث حذيفة دليل على ما يحرم من النعي؛ وهو ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، فقد كانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الأحياء والأسواق، أو يركب المخبر على دابة ويصيح في الناس[13].
8 - في حديث أبي هريرة في نعي النجاشي بيان النعي المباح، وأنه يجوز الإخبار بالوفاة إذا لم يقترن بذلك ما يشبه نعي الجاهلية، وهو قول الجمهور[14]. قال ابن العربي: (يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة، الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره، الثالثة: الإعلام بنوع آخر؛ كالنياحة ونحو ذلك، فهذا يحرم).
9- وفي الحديث إثبات الصلاة على الميت المسلم، وأجمعوا على أنها فرض كفاية، وأن تكبيرات الجنازة أربع، وهو مذهب جمهور العلماء.
10 - وفيه استحباب الصفوف والأمر بها في صلاة الجنازة.
11 - وفيه شرعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد وهو مذهب الشافعي. وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الثواب في المصائب يترتب على الصبر عليها، لا على المصيبة نفسها؛ فإنها ليست من كسب ابن آدم، وإن كان في آلام المصيبة نفسها تكفير للذنوب. والصبر شرعًا: هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخد، وشق الثوب، ونحوها.
2 - من الحكم في تحريم النياحة: أن النائحة تأمر بلسان حالها بالجزع وقد نهى الله تعالى عنه، وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به، وتفتن الحي وتؤذي الميت، وتزيد من حزن القريب، ومن فرح العدو، ولأن فيه الدعاء على النفس بالويل والثبور، والتظلم من الله سبحانه، وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها، وذكر الميت بما ليس فيه، ولا ريب أن التحريم الشديد يثبت ببعض هذا [15].
3 - وفيه معجزة ظاهرة لرسوله ﷺ لإعلامه بموته وهو في الحبشة في اليوم الذي مات فيه.
1 - «أن رسول الله ﷺ برئ من...» قال ابن الملقن: (هذا القول منه ﷺ دليل على تحريم هذه الأفعال؛ لإِشعارها بالسخط لقضاء الله تعالى وقدره. وذلك كبيرة من كبائر الذنوب، حيث اقتضى فعل هذه الأشياء التبري من فاعلَّها ولعنه، وخروجه من طريقة المصطفى ﷺ، وإن اعتقد معتقد حل فعلها كان كافرًا).
2 - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» فيه أمران:
الأول: أن النفي الذي حاصله التبري يقع بكل واحد من الثلاثة، ولا يشترط وقوعها كلها معًا.
الثاني: هذه الصيغة تدل على أن الأمر المنفي معها من الكبائر.
الحث على التعجيل بقضاء دين الميت:
قال الله تعالى في أول آية من آيات توزيع الإرث على أصحاب الفروض: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [النساء: 11]. ثم كرر ذكر الوصية والدَّيْن في الآية التالية بعد ذكر أصحاب كل فرض من فروض الميراث. قال ابن كثير: (أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أن الدَّيْن مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فَحْوَى الآية الكريمة). اهـ
554- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «نَفْسُ الْـمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَـى عَنْهُ» رواه أحمد والترمذي وحسَّنه. [صحَّحه ابن معين فيما نقله ابن أبي خيثمة في التاريخ (2801)، ويحيى القطان، وقال ابن عدي كما في ذخيرة الحفاظ (5762): هذا الحديث لا بأس به].
- مُعلقة بدَينه: قِيلَ: أَيْ: مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: (أَيْ: أَمْرُهَا مَوْقُوفٌ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِنَجَاةٍ وَلَا هَلَاكٍ حَتَّى يُنْظَرَ، هَلْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ أَمْ لَا؟)[16].
في حديث أبي هريرة حث الورثة على قضاء دين الميت؛ فإن نفسه معلقة بدينه حتى يقضـى عنه، وهذا مقيد بمن كان له مال يستطيع أن يقضي منه دَيْنه، وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضـي عنه، بل ثبت أن إرادة المديون وعزمه على القضاء موجبة لتولي الله سبحانه لقضاء دينه[17].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - ينبغي الحذر من التفريط في حقوق الناس، ومن ذلك التساهل في الإكثار من الدَّين لغير ضرورة وكذا التساهل والمماطلة في قضائه، فالشرع جاء بالتشديد في حقوق الناس.
2 - إذا كان الأمر في الدين المأخوذ برضا صاحبه، وعن طريق المعاملة المباحة هكذا، فكيف يكون حال من أخذ المال غصبًا، ونهبًا، وسلبًا، ونحوها؟![18].
اتفق العلماء على أن الخطاب المعلق بغاية إذا تحقق ما بعد الغاية ينتهي ما قبلها، والعكس كذلك، وهكذا إذا تم قضاء الدين عن الميت انفك تعلق نفسه [19].
وجوب غسل الميت وستره إذا جُرِّد:
قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [النور: 30]، وهذا عام يشمل حال تغسيل الميت.
555- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال -في الذي سقط عن راحلته فمات-: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبِيْهِ» متفق عليه.
556- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لمَّا أَرَادُوا غَسْلَ رسولَ الله ﷺ قَالُوا: وَالله مَا نَدْرِي، نُجَرِّدُ رَسُولَ الله ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ لَا؟» الحديث. رواه أحمد وأبو داود. [صحَّحه ابن حبان (6627)، وحسَّنه النووي في خلاصة الأحكام (2/935)].
1 - تغسيل الميت المسلم واجب، وهو فرض كفاية بالإجماع[20].
2 - وفي حديث ابن عباس الأمر بالكفن للميت، وهو واجب بإجماع.
3 - وفيه جواز تكفين الميت في ثوبين، لكن الأفضل ثلاثة أثواب.
4 - وفيه أن الكفن مقدم على الدَّين وغيره؛ حيث لم يسأل النبي ﷺ عن دَين مستغرق ولا غيره.
5 - تتمة حديث ابن عباس: «ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة مُلَبيًا». وفي أول روايته مما لم يذكر هنا أنه كان مُحرمًا. وفي بعض الروايات أن ذلك كان بعرفة؛ مما يفيد أنه كان في الحج.
ويستفاد من ذلك كله عدم وضع الطيب للميت المحرم، وعدم تغطية رأسه.
ويستفاد من قوله وكفنوه في ثوبيه أن الميت المُحْرِم يكفن في ثياب إحرامه.
7 - وفي حديث عائشة دليل على أن لرسول الله ﷺ خاصية ليست لغيره من الموتى، وهي أنه لم يجرد حين مات.
8 - من الآداب التي اتفق عليها العلماء مع الميت عقب موته: أنه يُشد لحييه؛ لإقفال فمه، وتليين مفاصل اليدين، والرجلين، وذلك بأن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل من: غسله، وتكفينه، وتمديده، وخلع ثيابه، ثم تُخلع ثياب الميت، ويستر بثوب يكون شاملًا للبدن كله[21].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في تتمة حديث ابن عباس: «فإنه يبعث يوم القيامة مُلبيًا» ما يفيد أن من شرع في عمل صالح من طلب علمٍ، أو جهاد، أو غيرهما، ومن نيته أن يكمله، فمات قبل ذلك؛ بلغت نيته الطيبة، وجرى عليه ثمرته إلى يوم القيامة.
2 - وفيه حرص الصحابة رضي الله عنهم على سؤال أهل العلم فيما أشكل عليهم حيث سألوا النبي ﷺ.
1 - قول الصحابة: «والله ما ندري، نجرّد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟»: يدل بمنطوقه على أنهم كانوا يجردون الموتى، وإنما ترددوا في شأن النبي ﷺ لخصوصيته.
2 - قاعدة: (ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزَّل منزلة العموم في المقال): استدل بهذه القاعدة على أن الكفن مقدم على الدَّين وغيره، حيث لم يسأل النبي ﷺ في حديث ابن عباس عن الميت هل عليه دين أو لا؟ وهل دينه مستغرق أو لا؟