حجم الخط:

محتوى الدرس (56)

صفة غسل الميت:

[الأحاديث]

557- عن أم عطية رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةَ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» متفق عليه.

وفي رواية: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».

وفي لفظ للبخاري: «فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، فَأَلْقَيْنَاها خَلْفَهَا».

التوضيح:

- حقوه: الحقو: معقد الإزار، وسمي به الإزار مجازًا؛ لأنه يشد فيه.

- أشعرنها إياه: الشعار: هو الثوب الذي يلي الجسد، وإنما أمر بذلك تبركا به .

- ثلاثة قرون: أي: ثلاث ضفائر.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث برواياته بيان صفة غسل الميت، وذلك يكون كالآتي:

أ - يبدأ المغسِّل فيرفع الميت ويحنيه حنيًا رفيقًا لا يبلغ به الجلوس، فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرُّ بيده على بطنه فيعصره عصرًا رفيقًا، لأجل أن يَخرج منه ما كان مستعدًّا للخروج من النجاسات، ثم يلف الغاسل على يده اليسرى خرقةً أو قفازًا فينجِّيه بها فيغسل فرجه، ويبالغ في تنظيف الفرجين حتى ينقي ما بهما من نجاسة، من غير أن يمس عورته بشيء من جسده.

ب - ينوي الغاسل توضئة الميت وغسله، ويقول: بسم الله، ثم يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلُّها بالماء ويجعلها على أصبعيه ثم يدخل أصبعيه بين شفتيه فيمسح أسنانه وينظفها، ويدخل أصبعيه في منخريه وينظف المنخرين ولا يدخل الماء في فمه ولا في منخريه، وإنما يكتفي ببل الخرقة وينظف بها أسنانه ومنخريه ثلاثًا؛ ليقوم ذلك مقام المضمضة والاستنشاق، ويغسل وجهه ثلاثًا، ويغسل يديه: اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا، ويمسح رأسه إدبارًا وإقبالًا، ثم يُحلّق بأصبعيه على أذنيه فيمسحهما، ويغسل رجله اليمنى إلى الكعب ثلاثًا، واليسرى ثلاثًا.

ج- يأتي بالسدر، فيغسل رأسه برغوته، يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسـر، وكذلك يفعل بلحيته؛ كل ذلك يفعله ثلاث مرات.

د - يغسل شقه الأيمن، فيغسل من كتفه الأيمن حتى نهاية قدمه اليمنى، يدلكه باليد داخل القفاز مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر الذي يستر عورة الميت، ويكون الغسل بالماء والسدر مع ثُفْل السدر، والغسل بالسدر سنة، وإن لم يتيسـر فلا بأس أن يُغسل بأشنان أو صابون.

ثم يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يقلبه فيعيده على ظهره.

ثم يفعل مع الشق الأيسر كذلك، ثم يعم سائر جسده بالماء، ويكرر هذا الغسل ثلاث مرات، أو خمس مرات أو سبعًا، أو أكثر من ذلك على حسب ما يرى الغاسل، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا، ليشده ويطيبه ويبرده.

هـ - في الحديث أنه يُنقض شعر الميت إن كان له شعر، ويُمشط، ويُضفر شعر المرأة ثلاثة قرون: قرنيها، وناصيتها، ويُلقى خلفها.

و - والفرض في غسل الميت: النية، وتعميم البدن بالغسل، ويندب ثمانية أشياء: حني الميت، وإمرار اليد على بطنه، ثم يلف على يده خرقة وينجيه بها، ثم يوضئه، ثم يغسله بماء وسدر، ويغسل رأسه برغوة السدر، ويبدأ بشقه الأيمن، ويغسله وترًا، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا[1].

2 - وفي الحديث استحباب السدر في غسل الميت، وهو متفق على استحبابه، واستحباب شيء من الكافور في الغسلة الأخيرة.

3 - وفيه استحباب الوتر؛ فإن الله وتر يحب الوتر.

4 - وفيه استحباب التيامن؛ وكان النبي ﷺ يعجبه التيامن في شأنه كله، ومن ذلك: غسل الحي والميت.

5 - وفيه مشروعية العمل برأي المرأة فيما هو متعلق بشؤون النساء؛ لقوله : «إن رأيتن ذلك».

6 - وفيه قبول قول أهل الخبرة والمعرفة فيما هو من اختصاص أعمالهم ومهنتهم[2].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

في إشرافه على غسل ابنته زينب رضي الله عنها، وإعطائهن حقوه وأمره لهن بأن يُشعرنها إياه، تظهر محبة النبي ﷺ لبناته ورحمته ورأفته بهن، ورفقه ورحمته أمرٌ معروف في شمائله وأخلاقه .

جواز تغسيل أحد الزوجين للآخر:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٢٩ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المعارج: 29، 30]. قال الرازي: (قال الشافعي -رحمه الله-: يجوز للزوج غسل زوجته... حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها، بيان أنها زوجته قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] سماها زوجة...في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل نهار رمضان). اهـ بتصرف.

[الأحاديث]

558- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها: «لَوْ مُتِّ قَبلي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتك» الحديث، رواه أحمد وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان. [لا يصح؛ ضعَّفه: النووي في خلاصة الأحكام (2/938)، والزيلعي في نصب الراية (2/252)، ورواية البخاري (5666) أصح بلفظ: ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك].

559- وعن أسماء بنت عميس: «أَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ رضي الله عنه» رواه الدارقطني. [لا يصح؛ نقل ابن الجوزي في التحقيق (4/123) عن أحمد إنكاره، وقال الذهبي في تنقيح التحقيق (1/305): هذا منكر، وانظر: البدر المنير (5/374)].

الدلالات الفقهية:

1 - دل الحديثان على أن لكل واحد من الزوجين غسل الآخر، وقد أجمع العلماء على جواز تغسيل المرأة لزوجها[3]، واختلفوا في حكم تغسيل الزوج لزوجته، والذي دل عليه الحديثان هو الجواز، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية[4].

2- لا يغسل الميت إلا المسلم، العاقل، المميز، الأمين الثقة، العارف بأحكام الغسل، والأولى به وصيه العدل، ويصح لأيٍّ منهم غسله عند عدم المشاحة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- العلاقة الزوجية لها خصوصيتها التي تستوجب على كلا الزوجين من الوفاء لبعضهما البعض في حال الحياة والموت قدرًا كبيرًا يليق بهذه العلاقة والميثاق والمودة التي جعلها الله بينهما، كما أنهما أحفظ لسرِّ بعضهما لبعض.

2-وفيه حب النبي لزوجه عائشة رضي الله عنها وهذا من خلقه الكريم.

3-وفي حديث أسماء دلالة على الحرص على الوصية وأنها تكون لأهل الديانة والأمانة.

تكفين الميت:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة: 29] إشارة إلى الكفن. في القرطبي: (قال سعيد بن المسيب والحسن: هما ساقا الانسان إذا التفتا في الكفن، وقال زيد ابن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت).

[الأحاديث]

560- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كُفِّنَ رَسُولُ الله ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» متفق عليه.

561- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» رواه مسلم.

562- وعنه قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحَدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟»، فَيُقَدِّمُهُ فِي اَللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. رواه البخاري.

563- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الله بْنِ أُبَيٍّ جَاء ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، فَأَعْطَاه ُقَمِيصَهُ» متفق عليه.

564- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رواه الخمسة إلا النسائي وصحَّحه الترمذي. [وابن حبان في الصحيح (5423)، والحاكم في المستدرك (1326)، والنووي في خلاصة الأحكام (3386)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (2/ 180)].

565- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُغالُوا فِي الْكَفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا» رواه أبو داود. [وضعَّفه ابن حجر في التلخيص (3/ 1171)].

سبب ورود حديث جابر:

وهو في مسلم، عن جابر بن عبد الله، أن النبي خطب يومًا، فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلاً، فزجر النبي أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي : «إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه».

التوضيح:

- سُحولية: نسبة إلى بلدة في اليمن في محافظة (إب) كانت تُصنع فيها هذه اللفائف.

- من كرسف: أي: من قطن.

- لا تُغالُوا في الكفن: أي لا تبالغوا في كثرة ثمنه، وأصل الغلاء: مجاوزة الحد.

- فإنه يسلب سريعًا: كأنه إشارة إلى أنه سريع البلى والذهاب فلا يبقى ولا ينتفع به الميت.

الدلالات الفقهية:

1 - أجمع العلماء على أن تكفين الميت المسلم فرض[5]، والواجب من ذلك ثوب واحد يستر جميع جسد الميت، إلا المُحرِم فإنه يستر جميع بدنه إلا رأسه.

2 - دل حديث عائشة على أن السنة في تكفين الرجل أن يكون في ثلاث لفائف، و يستحب تكفين المرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فتؤزر بالمئزر، ثم تُلبس القميص، ثم تخمَّر، ثم تلفُّ باللفافتين[6]، ويجوز أن تكفَّن كما يكفن الرجل.

3 - في حديث ابن عمر دليل على مشروعية التكفين في القميص، وكون النبي ﷺ كفن في أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة - كما في حديث عائشة - يدل على جواز الأمرين.

4 - وفي حديث ابن عباس دليل على أن السنة أن يكفن الميت في ثياب بيض، وهو مجمع عليه، والتكفين في غيرها خلاف الأولى[7].

5 - وفي حديث جابر الأول دليل على استحباب إحسان الكفن، والمراد بإحسان الكفن: نظافته وكثافته وستره وتوسطه.

6 - ودلَّ حديث جابر الثاني على أنه يجوز للضرورة تكفين الاثنين فأكثر في الكفن الواحد، وذلك إذا قلَّت الأكفان، وكثر الموتى، ويقدم أكثرهم قرآنًا في اللحد باتجاه القبلة.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - سماحة خُلق النبي ﷺ وكرمه وحياؤه وحلمه؛ حيث كان لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه، ولا يقول: لا، حتى ولو كان الأمر متعلقًا بأشد الناس عداوةً وأذىً له، كعبد الله بن أُبي بن سلول رأس النفاق!

2 - إحسان الكفن من الإحسان إلى الميت، ومن تمام القيام بحقه.

3 - ودلَّ تقديم الأكثر قرآنًا إلى القبلة على أن العلم بكتاب الله يرفع مقام الإنسان، ويعلي مرتبته [8].

4 - الكفن يبلى وتأكله الأرض سريعًا؛ فلا معنى للمغالاة فيه، واختياره من الألبسة الرفيعة الشهيرة؛ فإن هذا من أخلاق الجاهلية، وهو يدخل في باب السرف والخيلاء المنهي عنهما، لا سيما في هذا الموطن الذي استوى فيه الغني والفقير، والشريف والوضيع، فهذا أول منازل الآخرة، والله المستعان[9].

طريقة الاستدلال:

1 - حديث: «البسوا من ثيابكم البياض» فيه أمر، والأمر الأصل فيه الدلالة على الوجوب، ولكن مما ذكره الأصوليون من الصوارف إلى الاستحباب: أن يأتي من فعل النبي ﷺ ترك ذلك الأمر، ففي هذا الحديث الأمر بلبس الثياب البيض، وقد جاء من فعل النبي ﷺ ترك هذا الأمر فعن أبي رمثة قال: «رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران»[10].

2- في حديث جابر الأمر بإحسان الكفن، وفي حديث علي بيان أنه يبلى سريعًا فلا يغالى فيه! فيجمع بين الحديثين بحمل التحسين على صفة الكفن من حيث النظافة والستر، وحمل المغالاة على ثمنه[11].

الصلاة على الميت:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: 103].

وقال الله تعالى في شأن المنافقين لكفرهم: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: 84].

[الأحاديث]

566- وعن بريدة رضي الله عنه -فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ اَلَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا- قال: «ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ» رواه مسلم.

567- وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» رواه مسلم.

568- وعن أبي هريرة رضي الله عنه -فِي قِصَّةِ الْـمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْـمَسْجِدَ- قَالَ: فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا» فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. متفق عليه، وزاد مسلم، ثم قال: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْـمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ الله يُنَوِّرُهَا لَـهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ».

569- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِالله شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمْ الله فِيهِ» رواه مسلم.

التوضيح:

- مشاقص: جمع مِشقَص، وهو نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض.

- تَقُمُّ الْمَسْجِد: أي: تكنسه، وتنظفه.

- آذَنْتُمُونِي: أي: أعلَّمتموني.

الدلالات الفقهية:

1 - الصلاة على الميت فرض كفاية بالإجماع، يجب أن يقوم به البعض ليسقط عن الآخرين[12].

2 - في حديث بريدة دليل على مشروعية الصلاة على من أقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد طهَّره، وقد أجمع العلماء على ذلك، قال القاضي عياض: (ومذهب كافة العلماء: الصلاة على كل مسلم محدود ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد زنا وغيره، إلا ما روي من اجتناب الإمام الصلاة على من قتله فى حدٍ، واجتناب أهل الفضل الصلاة على أهل الفسوق، كل ذلك ردع لأمثالهم لا أن ذلك متعين عليهم) [13].

3 - وفي حديث جابر دليل على أنه لا تُشرع الصلاة على قاتل نفسه، حيث لا توبة له لموته بنفس معصيته، وهو ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية[14]، والجمهور يقررون بأن المنتحر يصلى عليه؛ لأنه لا يزال مسلمًا[15]، وفصَّل الحنابلة والمالكية فقالوا: الإمام أو العالم لا يصلي على من قتل نفسه عمدًا لزجر الآخرين عن هذا الذنب العظيم، ويصلي عليه سائر الناس، وهذا القول هو الراجح، والله أعلَّم[16].

4 - وفي حديث أبي هريرة دليل على جواز الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة، وأن هذا مما يستثنى من حرمة الصلاة عند القبور.

5 - وفيه: استحباب إعلام أقارب الميت، وأصدقائه، ومن له صلة بوفاته، وأنَّ هذا ليس من النعي المنهي عنه.

6 - وفيه إثبات بركته ، وأنَّ الله تعالى يجعله سببًا في تنوير القبور على أهلها، فالمراد بالصلاة هنا الدعاء، لأنَّه لا يصلي على الموتى كلهم.

7 - وفيه النهي عن احتقار المسلم مهما كانت منزلته، ووضعه بين المسلمين.

8 - وفيه فضل العناية بالمساجد وتنظيفها.

9 - لا بد أن يكون المصلَّى عليه مسلمًا؛ فالكافر لا تقبل فيه الشفاعة؛ والدعاء له بالمغفرة اعتداء وظلم في الدعاء، قال الله تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في حديث أبي هريرة بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بأمته، وتفقد أحوالهم، والقيام بحقوقهم، والاهتمام بمصالحهم في دينهم ودنياهم، فليكن عليه الصلاة والسلام قدوة لكل متولٍّ أمرًا من أمور المسلمين.

2 - وفيه أن النبي ﷺ لا يستطيع جلب نفع، ولا دفع ضر لأحد، ولو كان يملك شيئًا من الأمر لنفعهم بلا دعاء، ولكن الله تعالى يكرمه فيقبل دعاءه لمن أراد إسعاده من خلقه[17].

3- في حديث ابن عباس بيان فضل الصلاة على الجنازة، وأنها تكون شفاعة لمن صَلَّى عليه أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا، ومن عامة المسلمين، وجاء في مسلم: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه».

4 - الصلاة على الجنازة شفاعة من المصلين للميت، فينبغي إخلاص الدعاء، وإحضار القلب؛ لعل الله أن يتجاوز عنه ويمحو عنه ذنوبه، عند خروجه من الدنيا.

طريقة الاستدلال:

1 - استدل العلماء على أن الصلاة على الأموات من واجبات الكفاية بأنهم كانوا يصلون على الأموات في حياته ، ولا يؤذنونه -كما في حديث السوداء التي كانت تقم المسجد- وامتنع من الصلاة على من عليه دين، وأمرهم بأن يصلوا عليه.

فدل تركهم لإيذانه، وامتناعه من الآخر على أن صلاة الجنازة ليست فرضًا على الأعيان.

2 - في قوله في حديث ابن عباس: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ..» عموم؛ فكلمة (رجل) نكرة في سياق النفي، وزاد تأكيد العموم بدخول (من) عليها، فأي مسلم مهما عظم ذنبه إذا صلى عليه أربعون موحد شفعوا فيه، ثم قد تُقبل شفاعتهم، وقد لا تقبل لأمر خارج أقوى من شفاعتهم.

3- ذكر الرجل هنا -مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ- من باب التغليب في الألفاظ، وإلا فإن الحكم للرجل والمرأة[18].

موقف الإمام من جنازة المرأة:

[الأحاديث]

570- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا» متفق عليه.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث سمرة دليل على أن الإمام يقف في موازاة وسط المرأة عند الصلاة على جنازتها، وهو قول الشافعية والحنابلة، أما الرجل، فالسنة الوقوف عند رأسه على الراجح، وهو مذهب الشافعية، وإن خالف فوقف في غير هذين الموضعين، فقد خالف سنة الموقف، وأجزأته صلاته؛ لأن هذا الوقوف سنة، وليس شرطًا[19].

2 - تجوز الصلاة على الجنائز دفعة واحدة، وإن أفرد كل جنازة بصلاة جاز، بلا خلاف بين العلماء[20]، وتجعل جنائز الذكور مما يلي الإمام، وجنائز الإناث مما يلي القبلة، ويراعي الإمام أن يقدم أفضلهم من كل نوع، ثم الذي يليه.

الدلالات الإيمانية:

في الحديث حرص الصحابة رضي الله عنهم على فهم الدين ونقله حتى في دقائق المسائل؛ كموقف الإمام من جنازة الذكر والأنثى.

الصلاة على الجنازة في المسجد:

[الأحاديث]

571- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «وَالله لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْـمَسْجِدِ» رواه مسلم.

الدلالات الفقهية:

1 - فيه دليل على جواز الصلاة على الجنازة في المسجد بلا خلاف بين العلماء إذا أمن تلويثه للمسجد[21].

2 - الأفضل الصلاة على الجنازة خارج المسجد في مصلىًّ خاص إذا كان ذلك يسيرًا على الناس، فإن لم يتيسر فيصير المفضول (المسجد) فاضلًا، قال ابن القيم -رحمه الله-: (ولم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد، ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته)[22].

طريقة الاستدلال:

قاعدة: (العبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالح): فالعبادات الفاضلة قد تكون أحيانًا في بعض الظروف مفضولة، والمفضولة تتحول إلى فاضلة، وكل ذلك باقتران المصلحة من عدمها؛ فالذي ينبغي لطالب العلم الاهتمام به هو النظر في المصلحة، فكل عملٍ اقترنت به المصلحة فهو الفاضل وما ضده فمفضول.

ومن ذلك: الصلاة على الجنازة في المسجد مفضولة، لكنها صارت فاضلة لاعتبارات أخرى من تحصيل مصالح لم تكن لتحصل لو صُلِّي على الجنازة في المصلى؛ فلو حصل ذلك لقل المصلون لبعد المصلى أو لبرد ومطر ونحوهما، وهذا مشاهد في عصرنا الحاضر، فمصلحة التكثير أولى.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة