صفة صلاة الجنازة:
572- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكَبِّرُهَا» رواه مسلم.
573- وعن علـي رضي الله عنه: «أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ» رواه سعيد بن منصور، وأصله في البخاري.
574- وعن جابر رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» رواه الشافعي بإسناد ضعيف.
575- وعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: «صَلَّيْتُ خَلَفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكْتِابِ فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ» رواه البخاري.
576- وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: «اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْـمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ اَلْـخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ اَلْـجنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ» رواه مسلم.
577- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اللهمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، اللهمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدِهِ» أخرجه الأربعة. [أعلَّه البخاري فيما نقله الترمذي في السنن (1024)، وأبو حاتم في العلل (1047)، والدارقطني في العلل (5/241)، وغيرهم].
578- وعنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْـمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» رواه أبو داود، وصحَّحه ابن حبان.
579- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي ﷺ صلَّى على قبر بعدما دُفن، فكبَّر عليه أربعًا» متفق عليه واللفظ لمسلم.
عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، مِن نُبَلاء الصحابة، قيل: شهد خيبر مسلمًا، وكانت راية أشجع معه يوم فتح مكة، نزل حمص وبقي إلى أول خلافة عبد الملك بن مروان، ومات سنة (73).
- وأكرم نزله: النُّزُل ما يقدم إلى الضيف من الطعام، أي: أحسن له النصيب من الجنة.
- ووسع مدخله: أي: قبره.
- وأهلًا خيرًا من أهله: خيرية الزوج هنا ليست خيرية في العين، بل خيرية في الوصف، والتبديل كما يكون بالعين يكون بالصفة.
- لا تحرمنا أجره: أي: أجر موته، فموت المؤمن مصيبة يطلب فيها الأجر.
1 - في حديث زيد بن أرقم دليل على أن التكبير على الجنازة يكون أربعًا، وخمسًا، وفي حديث عليّ رضي الله عنه أنه كبر ستًا، وفي ذلك دليل على جواز ما زاد على الأربع، قال ابن القيم -رحمه الله-: (وهذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها، والنبي ﷺ لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده)[1]، وهذا هو الذي رجَّحه الشيخ ابن عثيمين أيضًا[2].
2 - أجمع العلماء على أن المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها[3]، والشافعية والحنابلة على أنه يرفع يديه في كل تكبيرة، وقد صح الرفع فيها عن ابن عمر موقوفًا وابن عباس [4].
3 - في حديثي جابر وابن عباس دليل على أن السنة قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وأنه يقرأها بعد التكبيرة الأولى.
4 - عقب التكبيرة الثانية: يصلي على النبي ﷺ، والأفضل الصلاة الإبراهيمية، وبعد الثالثة والرابعة يدعو كما سيأتي.
5 - في حديثي عوف بن مالك وأبي هريرة دليل على مشروعية الدعاء للميت في صلاة الجنازة، وهو ركن عند المالكية والشافعية والحنابلة، لكن عند المالكية يدعو عقب كل تكبيرة حتى الرابعة، ومحله عند الشافعية والحنابلة بعد الثالثة[5].
6 - في حديث أبي هريرة الأخير دليل أن القدر الواجب من الدعاء يتحقق بأدنى دعاء للميت، والأفضل الدعاء بما ورد في السنة من الأدعية.
7 - في حديث ابن عباس جواز الصلاة على القبر لمن لم يُصَلِّ على الجنازة، وقد سبق[6].
8 - وفيه أن صفة الصلاة على القبر لا تختلف عن صلاة الجنازة المعتادة، والتكبير فيها أربع تكبيرات.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - سورة الفاتحة هي أم القرآن وفاتحته، وقراءتها بعد أول تكبيرة من صلاة الجنازة في غاية المناسبة؛ ذلك أن صلاة الجنازة دعاء وشفاعة للميت، فأدب الدعاء أن يقدم بين يديه الثناء على الله تعالى، وأحسن الثناء ما في فاتحة الكتاب.
2 - يَحسُن من الإمام أن يجهر في بعض القراءة، أو الذكر في الصلاة؛ ليعلم المأمومين حكم ذلك.
3 - في حديث أبي هريرة الثاني: أنه ينبغي للمصلي أن يخلص للميت الدعاء؛ ليكون أرجى للإجابة، إذ إن المقصود من صلاة الجنازة هو الشفاعة والدعاء للميت، فإن كان الميت طفلًا، فإن الدعاء يكون لوالديه.
4 - في قوله: «وأبدله أهلًا خيرًا من أهله»: الإبدال نوعان: إما إبدال أعيان؛ وهذا يكون بالحور العين بدل زوجة الحياة الدنيا. والثاني: إبدال أوصاف؛ وذلك بأن تكون زوجة الدنيا هي زوجة الآخرة، إلا أن الله تعالى أبدل أخلاقها السيئة بأخلاق حسنة، وصفاتها الخَلْقية بالجمال والحسن التام؛ فإن الله تعالى أبدل لزكريا صفات أكمل منها؛ فقال الله تعالى: ﴿ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ [الأنبياء:90].
5 - في حديثي عوف بن مالك وأبي هريرة أن النبي ﷺ لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا، ولو كان شيء من ذلك لأعطاه لمن يريد نفعه بدون طلب من الله تعالى.
6 - في حديث أبي هريرة الأول: قوله: «ولا تضلنا بعده»: فيه الخوف من الفتنة في حال الحياة. والفتنة: إما فتنة شبهة وضلال، وإما فتنة شهوة؛ فالإنسان في حال الحياة معرض لذلك، وكان من دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، والإنسان قد يصاب بالفتنة من حيث لا يشعر، وقد يظن أنه على حق؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأعرف:30]، فيجب على الإنسان محاسبة نفسه، وطاعة الله تعالى، وإظهار الفقر بين يديه، فهذا من أسباب العصمة[7].
1 - قوله: «لتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة»: أي: أنها سنة النبي ﷺ وطريقته، ثم قد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة، وهي هنا واجبة بأدلة أخرى[8]، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
2 - قاعدة: الحكم المعلق على معنى كلي يكفي أدنى المراتب لتحقيق المسمى فيه على الأصح؛ فالواجب في الدعاء للميت في الثالثة هو أدنى ما يتحقق به مسمى الدعاء، فإن أتى بالوارد فهو الأفضل.
3- قال ابن القيم: (وردت السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي ﷺ في الصلاة على القبر، عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس، وردّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها»، وهذا الذي قاله هو النبي ﷺ الذي صلى على قبر، فهذا قوله، وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الآخر؛ فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر) [9].
الإسراع بالجنازة وفضل اتباعها:
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ [عبس: 21]، عقبه بالفاء، وفيه إشارة إلى سرعة الدفن بعد الموت.
580- عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أَسْرِعُوا بِالْـجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» متفق عليه.
581- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَهِدَ الْـجنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْـجبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» متفق عليه، ولمسلم: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ».
582- وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ جَبْلَ أُحُدٍ» رواه البخاري.
- فإن تَكُ صالحة: أصله فإن تكن حذفت النون للتخفيف، والضمير يعود على الجنازة.
- فخير: أي: فثمة خير تقدمون الجنازة إليه، فحاله في القبر حسن طيب؛ فأسرعوا بها.
- فشر تضعونه عن رقابكم: معناه: أنها بعيدة من الرحمة، فلا مصلحة لهم في مصاحبتها.
1 - في الحديث الأول الأمر لمن يحمل الميت بالإسراع في المشي، والأمر بالإسراع للندب؛ خلافًا لابن حزم، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت، أو مشقة على الحامل والمشيع[10]، والجمهور على أن المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد.
2 - في الحديثين الأخيرين بيان فضل اتباع الجنازة مع الصلاة عليها، وأن من صلى عليها وتبعها نال أجرًا عظيمًا؛ حيث يكتب له بالصلاة عليها قيراط، فإن اتبعها وحضـر الدفن كتب له قيراط آخر، وبينت رواية البخاري أمرين زائدين، هما:
أ - أنه يشترط لتحصيل قيراط الدفن: عدم الانصراف من الدفن حتى يفرغ منه؛ لقوله ﷺ: «حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها».
ب - أن القيراط الواحد مثل جبل أحد أجرًا.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- في الحديث إشارة إلى طلب مصاحبة الأخيار، والابتعاد عن الأشرار؛ حيث أمر بالإسراع بوضع الجنازة عن الأعناق إذا كانت غير صالحة، وبعدًا عن ملابستها فترة أطول، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البطالة وغير الصالحين.
2 - الإنسان مكوَّن من روح وجسد، والروح هي الأصل في الإنسان، فهي مناط التكليف، ومدار الأمر والنهي، وهي المخاطبة والمطالبة، وما الجسد إلا لباس لها، وشكل الظاهر، وهي اللب، فإذا فارقت روحه جسده، بقي بلا نفع، ولا فائدة في بقائه بين ظهراني أهله جيفة، فكلما مكثت تشوهت وتعفنت؛ لذا أمر الشرع بالإسراع بمواراتها.
3 - في الحديث حسن التعبير عن الشر، والألفاظ المستكرهة، بقوله ﷺ: «وإن تك سوى ذلك»، فينبغي للمتكلم أن يختار من اللفظ أحسَّنه وألطفه.
4 - قوله: «إيمانًا واحتسابًا»: يعني: أن الذي حمله على شهود الجنازة واتباعها نية الطاعة، وهذا قيد لا بد منه في كل عبادة؛ لأن ترتيب الثواب على العمل يستدعي سبق النية، وتابع الجنازة قد يخرج على سبيل المكافأة المتبادلة، أو على سبيل المحاباة والمجاملة، ونحو ذلك، وينبغي استحضار النية هنا لأمرين:
الأول: القيام بحق الميت، من الصلاة عليه، واتباع جنازته، ودفنه.
الثاني: القيام بحق أهله، إعانةً وتعزيةً لهم.
5 - قال شيخ الإسلام: (لو قُدِّر أن الميت لا يستحق التشييع، فإنه يتبعه لأجل أهله؛ إحسانًا إليهم، وتأليفًا لقلوبهم، أو مكافأة لهم، وغير ذلك، كما فعل ﷺ مع عبد الله بن أُبَيّ).
6 - ينبغي للمسلم الإعداد لما بعد الموت؛ عسى أن يستقبل ما يحب، فيقول: قدِّموني قدِّموني!
7 - ينبغي للمسلم المسارعة في الخيرات واكتساب الحسنات، ومن العجيب أن نرى البعض قد يستهين ويقل احتسابه لثواب اتباع الجنازة والصلاة عليها، مع أنه يرجع منها بثواب كالجبلين العظيمين!
يؤخذ من الروايات الواردة: «حَتَّى تُدْفَنَ»، «حتَّى تُوضَعَ فِي اَللَّحْد»، «حتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا» أنه لا بد من تحقق الدفن لتحقق أجر القيراط، وقد قرر الفقهاء أن الشارع إذا علق حكمًا بغاية، أنه لا يخرج المكلف من عهدته إلا باستيفائها.