حجم الخط:

محتوى الدرس (61)

زكاة النقدين والحلي:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103].

وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣٤ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 34، 35].

والكنز هو المال الذي لم تؤد زكاته.

[الأحاديث]

610- عن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ -وَحَالَ عَلَيْهَا الْـحَوْلُ- فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْـحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْـحَوْلُ»، رواه أبو داود، وهو حسن، وقد اختلف في رفعه.

611- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ الْـحَوْلُ»، رواه الترمذي والراجح وقفه. [ينظر: علل الدارقطني (6/315)، العلل المتناهية (2/ 495)، خلاصة البدر المنير (1 / 291)].

612- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟» قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ الله بِهِمَا يَوْمَ القِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَار؟». فَأَلقَتْهُمَا. رواه الثلاثة، وإسناده قوي، وصحَّحه الحاكم من حديث عائشة. [لا يصح، وأعلَّه بالإرسال النسائي في السنن الكبرى (2465)، وقال الترمذي فيما نقله ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (3/ 71): لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء].

613- وعن أم سلمة: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَـقَالَ: «إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ، فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»، رواه أبو داود وصحَّحه الحاكم. [أعلَّه البيهقي في الكبير (8/202)؛ إسناده منقطع، عطاء لم يسمع من أم سلمة].

التوضيح:

- الحول: العام، مأخوذ من حال يحول: إذا مضى، ومنه قيل للعام أو السنة حول؛ لأنه يمضي.

- مَسكتَان: المسَكة: أسورة، من قرون الأوعال، أو من عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب أو فضة أو غيرهما، كما هو الأمر هنا.

- أوضاحًا: الأوضاح: حُليٌّ من الفضة، فإذا كانت من غير الفضة نُص على ذلك؛ فيقال -كما في حديث أم سلمة-: (أوضاحًا من ذهب).

الدلالات الفقهية:

1 - في حديثي عليٍّ وابن عمر دليل على أنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، واشتراط مضي الحول لإيجاب الزكاة - في الجملة - هو قول عامة أهل العلم[1].

2 - وفي حديث ابن عمر دليل على أن المال الذي حصل للرجل في أثناء الحول من هبة أو ميراث ومثله، ولا يكون من نتائج المال السابق، لا يلحق بالمال السابق بل يستأنف له مدة حوله، وهو قول الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يلحق بالمال الأول في حولان الحول. أما المستفاد الذي يكون من نتائج المال السابق فلا اختلاف في أنه يلحق بالمال الأول في المدة[2].

2 - لا يشترط حولان الحول في زكاة الخارج من الأرض -من الزرع والثمار والحبوب- بل يجب أداؤه حين الحصاد والقطع بعد يبسه وتصفيته بلا خلاف[3]؛ لقوله تعالى: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام: 141].

3 - يستثنى من اشتراط الحول أيضًا بجانب الحبوب والثمار:

أ - نتاج السائمة: فإن حول أولاد السائمة -من بهيمة الأنعام- هو حول أمهاتها، فتزكى مع أمهاتها إن بلغت الأمهات نصابًا، وتضم إليها في العدد، ولو لم يمر عليها الحول، وهو قول عامة أهل العلم[4].

ب - ربح التجارة: فحوله حول رأس المال - كالحال في نتاج السائمة - فلو ملك المسلم نصابًا من النقود واتجر به وربح فإنه يزكي الجميع، ويحسب الربح مع رأس المال، ولو لم يمر عليها الحول، وهو قول عامة أهل العلم[5].

جـ، د - الركاز، والمعدن، فيجب أداء زكاته فورًا من حين العثور عليهما، ولا يعتبر لهما الحول، وسيأتي الكلام عليهما.

4 - وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه دليل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وما يقوم مقامهما من الأثمان؛ كالأوراق النقدية المختلفة، وأنه لا شيء في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، وهو ما يساوي اليوم بحساب الجرامات: (595) جرامًا من الفضة، ولا شيء في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالًا، وهو يعادل اليوم بحساب الجرامات (85) جرامًا من الذهب الخالص عيار 24، أما عيار 21 فنصابه 97 جراما، وعيار 18 نصابه 113 جرامًا.

5 - لا تجب الزكاة في الأوراق النقدية حتى تبلغ قيمتها الأقل من نصاب الذهب أو الفضة؛ لأن ذلك هو الأحظ للفقراء، فإذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول، فإنه يجب فيها ربع العشر كزكاة الذهب والفضة، ويمكن معرفة مقدار الزكاة الواجب في المال بقسمة المبلغ على (40).

6 - اتفق العلماء على وجوب الزكاة في الحلي المكنوز المقتنى؛ لأنه مرصد للنماء، فصار كغير المصوغ، ولا يخرج عن التنمية إلا بنية اللبس.

7 - اختلف الفقهاء في الحلي المستعمل استعمالًا مباحًا كحلي الذهب للمرأة وخاتم الفضة للرجل، فذهب المالكية والحنابلة والشافعي في القديم وأحد القولين في الجديد وهو المفتى به في المذهب إلى عدم وجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل، وذهب الحنفية والشافعي في القول الآخر في الجديد وأحمد في رواية إلى وجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل، ورجَّحه الشيخ ابن باز، والمحدث الألباني، والشيخ ابن عثيمين[6].

الدلالات الإيمانية:

1- في تشريع الزكاة مراعاة لحق الفقراء والمحاويج في مال الأغنياء، وفيه تحقيق للتكافل، وبه تحصل الألفة والمودة بين طبقات المجتمع.

2- مراعاة الشريعة الإسلامية لأهل الغنى؛ فلم يطالبوا إلا بالقليل من أموالهم، مع ما في إخراج الزكاة من البركة والطهارة والجزاء الأخروي، والله هو المعطي ابتداء وانتهاء فله الشكر.

طريقة الاستدلال:

1 - أُخذ وجوب زكاة الحلي من الوعيد الوارد في حديث عمرو بن شعيب؛ لأن الواجب ما فيه وعيد على الترك[7]، واستفيد وجوب الزكاة في الحلي المستعمل من حديث عمرو ابن شعيب أيضا؛ لأنه وارد في حلي ملبوس في يد البنت.

2 - المشكوك في وجوبه غير واجب؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا يجوز تكليف الناس بالشك، ومع هذا فيستحب فعله احتياطًا، ومن ذلك هنا: زكاة الحلي على القول بعدم وجوبها، قال شيخ الإسلام: (أصول الشريعة تدل على أن المشكوك في وجوبه -كما لو شك في وجوب زكاة أو كفارة أو صلاة أو غير ذلك- لا يجب فعله، ولا يستحب تركه، بل يستحب فعله احتياطًا)[8].

زكاة الزروع والثمار:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: 141]. في الآية الأمر بإخراج حق الزروع والثمار وقت الحصاد، وفي السُّنة بيان أنصبتها ومقادير ما يؤخذ منها.

[الأحاديث]

614- عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» رواه مسلم.

615- وعن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ»، رواه مسلم، وأصله متفق عليه.

616- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا: العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ: نِصْفُ العُشْـرِ»، رواه البخاري، ولأبي داود: «أو كَانَ بَعْلًا: العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أَوِ النَّضْحِ: نِصْفُ العُشْرِ». [أعلَّه أحمد فيما نقله ابن رجب في شرح علل الترمذي (2/666)، وغيره].

617- وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمَا: «لَا تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ»، رواه الطبراني والحاكم. [تفرَّد به أبو حذيفة النهدي عن الثوري، وهو سيِّء الحفظ].

618- وعن معاذ رضي الله عنه قال: «فَأَمَّا القِثَّاءُ، وَالْبِطِّيخُ، وَالرُّمَّانُ، وَالْقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ»، رواه الدارقطني وإسناده ضعيف. [وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (3/1333): (فيه ضعف وانقطاع)].

619- وعن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ إِذَا خَرَصْتُمْ، فَخُذُوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبُعَ»، رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/549)، وغير واحد].

620- وعن عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال: «أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا» رواه الأربعة، وفيه انقطاع. [أعلَّه بالإرسال أبو حاتم وأبو زرعة في العلل (617)].

ترجمة الرواة:

1 - سهل بن أبي حثمة بن ساعدة الخزرجي الأنصاري، ولد في السنة الثالثة من الهجرة، مات النبى ﷺ وهو ابن ثمان سنين، وحفظ عنه، وتوفي في المدينة أول ولاية معاوية.

2 - عتاب بن أسيد بن أبي العيص القرشي، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي ﷺ على مكة حين خروجه إلى حنين، وكان رجلًا صالحًا خيِّرًا فاضلًا، توفي آخر سنة (22) أو أول سنة (23).

التوضيح:

- خمسة أوسق: الوسق: يعادل ستين صاعًا نبويًا، وهذا مجمع عليه[9]، والصاع النبوي يعادل أربع حفنات بحفنة يدي الرجل المعتدل، وقُدِّر الصاع بالمقاييس المعاصرة بكيلوين وخمسة وثلاثون جرامًا من البر الجيد، وعليه فإن خمسة أوسق من البر الجيد تعادل: (610.5) كيلو جرام.

- عثريًّا: العَثَرِيُّ: هو النَّباَت الذي يعثر على الماء بعروقه بلا عمل من صاحبه.

- النضح: أي: بنضح الماء بتعب أو كلفة، بالمكائن، وغيرها من الآلات.

- بعلًا: البعل: ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقي من السماء ولا غيرها.

- السَّانية: الناضح الذي يسقى عليه من الإبل أو البقر.

- خرصتم: الخرص: حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل، وفي شجر العنب وزنًا بعد أن يطوف به الساعي، ثم يقدره تمرًا، وزبيبًا، ثم يعرِّف المالك قدر الزكاة.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث جابر وأبي سعيد دليل على أن نصاب الزكاة في الزروع والثمار هو خمسة أوسق، وأنه لا زكاة فيها إذا لم تبلغ ذلك، وهو قول الجمهور، قال النووي: (ولا خلاف بين المسلمين في النصاب، إلا ما قال أبو حنيفة وبعض السلف من أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، وهذا مذهب باطل منابذ لصـريح الأحاديث الصحيحة)[10]، وتعتبر الخمسة أوسق بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمر.

2 - وفيهما دليل على أنه يشترط أيضًا أن يكون الزرع والثمر مما يُكال ويُدَّخر؛ أي: إنه يمكن أن ييبس ويبقى فترة من الزمن دون أن يفسد[11].

3 - ودلَّ حديث أبي سعيد بمفهومه على أنه يشترط أن يكون المزروع حبّا أو ثمرًا، فلا زكاة في غيرهما مما ينبته الآدمي.

4 - استدل الحنفيةُ بعموم حديث ابن عمر على وجوب الزكاة فيما قل أو كثر من الحبوب والثمار، وأنه لا يُشترط النصاب، والراجح مذهب الجمهور، وهو أنه يشترط النصاب وهو خمسة أوسق[12].

5 - وفيه دليل على أن الواجب هو إخراج العشر في زكاة الزروع والثمار إذا لم تُسْقَ بكلفة ومؤونة، ونصف العشر فيما سُقي بكلفة ومؤونة.

6- فإن سقي نصف السنة بكلفة، ونصفها بغير كلفة، ففيه ثلاثة أرباع العشـر. وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا يعلم فيه مخالف؛ لأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر [13].

7 - ودلَّ حديث أبي موسى ومعاذ على إيجاب الزكاة في الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، والوجوب فيها مجمع عليه[14]، لكن تخصيص هذه الأربع بالزكاة قول مرجوح؛ فإن الحديث مختلف في صحته، والراجح وجوب الزكاة في كل حبٍّ وثمرٍ يكال ويدخر مما ينبته الآدمي في أرضه إذا بلغ نصابًا قدره خمسة أوسق.

8 - ودلَّ حديث معاذ على أنه لا زكاة في سائر الخضروات والفواكه، وهو قول الجمهور[15]، لترك النبي ﷺ أخذ الزكاة منها.

9 - وفي حديث سهل دليل على أن الخرص مستحب، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية[16]، وفيه أن على الخارص أن يترك لصاحب الثمار ثلث أو ربع الكمية المخصصة للزكاة بعد خرصها.

10- ودلَّ حديث عتاب على أن الخرص خاص بالنخيل والأعناب فقط، وأن العنب تؤخذ زكاته زبيبًا، كما تخرج زكاة النخل تمرًا، وفيه دليل على أنه لا يخرج الحب -من بر أو شعير أو ذرة أو غيرها- في الزكاة إلا مصفى، ولا يخرج الثمر -من تمر أو زبيب- أو غيرهما في الزكاة إلا يابسًا؛ لأنه حال الكمال والادخار.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - هذا كله من العدل الرباني بين عباده؛ فإن الزكاة هي مواساة ومساواة، فلا تجب إلا في أموال الأغنياء، وأما الفقراء فلا تجب عليهم[17].

2 - التقسيم في الأحكام مُراعَى فيها حالة المزكِّي، وهو أساس العدل والمساواة في أحكام الله تعالى[18].

3 - لعل من حكم ترك الخارص ثلث كمية زكاة الثمار أو ربعها: أن ذلك لأجل التوسعة على رب المال؛ لأنه يحتاج إلى الأكل هو وأضيافه وجيرانه وأهلهُ، ويأكل منها المارة، وفيها الساقطة، فلو استوفى الكل أضرَّ بهم، ويجتهد في ذلك بحسب المصلحة، فيُنظر: إن كان كثير العيال والأضياف تُرك له الثلث، وإلا تُرك له الربع، ولا يُهدي رَبُ المال من الزرع قبل إخراج زكاته[19].

4 - ولعل من حِكَم هذا الترك أيضًا: الاحتياط لحق صاحب الزرع؛ خشية زيادة كمية الخرص عن المقدار الفعلي لزكاة ثمره.

طريقة الاستدلال:

1 - خصص عموم الأدلة في زكاة الحبوب والثمار قوله ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، وهذا يدل على أن وجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض، ليس لكل شيء، ولا كل نوع؛ بل هو مخصوص نوعًا، ومقدَّر كمًّا[20].

2 - استدل الحنابلة بدليل السبر والتقسيم على أنه يشترط أن يكون الزرع والثمر مما يُكال ويُدَّخر، أي أنه يمكن أن ييبس ويبقى فترة من الزمن دون أن يفسد؛ لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر؛ كما أن غير المدخر لا تكمل ماليته؛ لعدم التمكن من كمال الانتفاع به في المآل.

3 - دل مفهوم المخالفة في حديث أبي سعيد على أنه لا زكاة فيما ليس بحب، كالزعفران والعصفر والقطن وغيرها من الأزهار، وكالجزر والبطاطا والخيار والقثاء وغيرها من الخضر والبقول.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة