زكاة عروض التجارة:
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 267].
في الآية الأمر بالإنفاق من طيب ما كسب الإنسان، فيدخل في ذلك النقود وعروض التجارة.
621- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ عَلَى الْـمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»، رواه البخاري، ولمسلم: «لَيْسَ فِي العَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الفِطْرِ».
622- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا؛ أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ»، رواه أبو داود، وإسناده لين. [ضعَّفه ابن حجر في التلخيص الحبير (3/1374)].
623- وعن عمرو بن شعيـب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «مِنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ»، رواه الترمذي والدارقطني، وإسناده ضعيف. [أعلَّه أحمد فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 1312)، والترمذي في السنن (641)، والدارقطني في السنن (3/ 5)، وغيرهم]، وله شاهد مرسل عند الشافعي. [إسناده ضعيف أيضًا].
- الذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْع: هو ما يعرف بـ (عروض التجارة): والعَرْض: المتاع، وكل شيء عَرْضٌ سوى الدراهم، والدنانير، فإنهما عين. والعروض هي ما أعد للبيع والشراء؛ لأجلِ ربحٍ.
1 - دل حديث أبي هريرة على أنه لا زكاة على الإنسان فيما يقتنيه، فلا تجب الزكاة فيما يستعمله الإنسان من أثاث، وأدوات المطابخ، ونحوها، ولا فيما يركبه من حيوان، أو سيارة، ولا في معدات يستخدمها في دكانه، أو مطعمه، أو شركته، أو مؤسسته، أو مصنعه، وغير ذلك مما ليس معروضًا للبيع؛ لأنه لم يعده للبيع، وليس هو في ذاته نقدًا.
2 - وكذلك لا زكاة فيما أُعِدَّ للإيجار من عمارات أو سيارات أو معدات، أو أي شيء آخر يُؤجَّر؛ لأنها لم تعد للتجارة.
3 - في حديث سمرة دليل على وجوب زكاة عروض التجارة، فإذا تاجَر المسلم بأي مال كان، سواء كان ذلك في الثياب، أو التمر، أو العسل، أو الطيب، أو السيارات، أو المواد الغذائية، أو المواد المنزلية، أو الأراضي، أو غير ذلك، فيجب عليه في تلك التجارة الزكاة، وهي ربع العشر.
4 - الحديث الوارد في زكاة العروض ضعيف، ولكن ثبتت الزكاة فيها بعموم الآيات والأحاديث الواردة في الزكاة، وبالإجماع، وقال الخطابي -رحمه الله-: (وهو كالإجماع من أهل العلم، وزَعَمَ بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها، وهو مسبوق بالإجماع)[1].
5 - زكاة العروض إنما تجب على الإنسان إذا كان يريد الربح ببيعه، أما إذا أراد مالكه بيعه لرغبته عنه، فلا زكاة فيه؛ لأنه لم يقصد ببيعه الربح، ولا زكاة فيها حتى ينوي بها التجارة، فإذا حال عليها الحول وجب على مالكها أن يقوِّم ما لديه من عروض بالسعر الذي تباع به، فإذا كان التاجر من أصحاب البيع بالجملة اعتبرها بالجملة، وإذا كان من أصحاب البيع بالإفراد اعتبرها بالإفراد، ويضم هذه القيمة إلى ما لديه من ذهب أو فضة أو نقود مدخرة حال عليها الحول، ويضمها كذلك إلى ما له من ديون عند الناس، ثم يخرج زكاة الجميع، ربع العشر من جميع المال؛ قياسًا على الذهب والفضة [2].
6 - وفي حديث عمرو بن شعيب دليل على وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون، وأنه لا يشترط لها البلوغ والعقل، وهو قول الجمهور[3]، ويدل على ذلك عموم أدلة وجوب الزكاة في الكتاب والسنة.
7 - لا يجوز التصدق صدقة التطوع من مال اليتيم والمجنون؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها، أما الزكاة فهي فريضة تنشغل الذمة بتركها[4].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من المقاصد الشرعية: الحرص على أموال اليتامى بعدم إنفاقها إلا فيما هو خير لهم، وصلاح لأحوالهم، عملًا بقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ [ الأنعام:152، والإسراء: 34]، والشارع هنا احتاط من نقص مال اليتيم من الصدقة الواجبة - وهي الزكاة - فكيف بإنفاقه فيما لا صلاح له في دينه، ولا دنياه؟![5].
2 - ومن الحكم: مراعاة الإسلام لأحوال الضَّعَفة والقاصرين، وفضل رعايتهم والقيام على شؤونهم.
1 - دل على زكاة عروض التجارة عموم قوله ﷺ لمعاذ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم»، فإن قوله (أموالهم) جمع مضاف، وهو يدل على العموم[6] في كل مال.
2 - دل القياس على زكاة عروض التجارة، من حيث إنها يراد بها النماء، فتعلقت بها الزكاة؛ كالسوم في الماشية[7].
3 - وجوب الزكاة وقيم المتلفات والجنايات على غير المكلف كالصبي والمجنون ليس من باب التكليف، وإنما وقع ذلك من باب خطاب الوضع وربط الأحكام بأسبابها[8].
الدعاء للمزكي وحكم تعجيل الزكاة:
قال الله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 103] في الآية أمر بالدعاء للمزكيي.
وقال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 110] بيَّن الله تعالى في الآية الكريمة بصيغة العموم (ما) أن ما يقدمه الإنسان من خير يجده عند الله، ويدخل فيه تقديم الزكاة قبل وجوبها لما في ذلك من تمكين المسلمين المحتاجين من الانتفاع بها قبل وجوب إخراجها.
624- عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللهمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ»، متفق عليه.
625- وعن عليٍّ رضي الله عنه: «أَنَّ العَبَّاسَ رضي الله عنه سَأل النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ»، أخرجه الترمذي والحاكم. [أعلَّه بالإرسال: أبو داود في السنن (1618)، والدارقطني في السنن (3/33)، وغيرهما].
- اللهم صل عليهم: قال البخاري: (قال أبو العالية: الصلاة من الله تعالى على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. وقال الأزهري: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين التضرع والدعاء)[9].
1 - في حديث ابن أبي أوفى دليل على استحباب دعاء المصدِّق لأهل الصدقة عند دفعهم الزكاة، ومن ذلك قوله: اللهم بارك فيه، وفي ماله، أو نحو ذلك، وليس الدعاء بواجب؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر سعاته بالدعاء، وذهبت الظاهرية إلى وجوبه[10].
2 - قال ابن القيم: (يصلى على غير الأنبياء، والملائكة، وأزواج النبي ﷺ وذريته، وأهل طاعته على سبيل الإجمال، ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارًا، فلو اتفق وقوع ذلك مفردًا في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارًا، لم يكن فيه بأس)[11].
3 - لا يجوز تأخير الزكاة عن وقت وجوبها إذا أمكن إخراجها؛ لأن الأمر المطلق في نصوص الزكاة يقتضي الفور، فيجب على المسلم أن يخرج الزكاة عند وجوبها، ويجوز تأخيرها الزمن اليسير إذا كان في ذلك مصلحة للفقير، كما يمكن أيضًا أن يحتفظ المزكي بمال الزكاة بعد تعيين الفقير الذي سيعطيه إياه، وإخباره بذلك، ويكون المزكي كالوكيل عن الفقير، ويقسط هذا المال عليه، أو يشتري به ما يحتاج إليه، إذا كان للمحتاج مصلحة ظاهرة في ذلك[12].
4 - في حديث عليٍّ دليل على أنه يجوز تعجيل الزكاة لحولين إذا كمل النصاب، ويشترط في ذلك: وجود سبب وجوب الزكاة: وهو كمال النصاب، فإن لم يكن عنده نصاب لم يجزئه إخراجه؛ لأنه قدمها على سبب الوجوب، وهو ملك النصاب[13].
5 - لا يجوز تعجيل الزكاة إلى غير مستحقها، ولا يجزئ -ولو صار عند الوجوب من أهلها-كمن عجَّل إخراج زكاته قبل وجوبها فأعطاها لمن يجهل حاله، ثم تبيَّن أنه غير مستحق لها لم يجزئه تعجيله لها، حتى ولو تغيرت حال من أعطي الزكاة، فصار عند وجوب الزكاة على المالك من المستحقين لها، فيلزم المالك أن يخرج الزكاة مرة ثانية، والمالك غير معذور في ذلك لعدم تحرِّيه، إلا إذا أعطى من يظنه فقيرًا، فتبين أنه غني، فيجزئه ذلك؛ لأن الغنى مما قد يخفى، بخلاف غيره.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
استحباب مكافأة المحسن على إحسانه -ولو بالدعاء- لحديث: «...ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تظنوا أنكم قد كافأتموه»[14]، ففي المكافأة والدعاء تشجيع له، وتشجيع لغيره على البذل.
1 - دلَّ قياس الأولى على عدم وجوب دعاء عامل الزكاة لرب المال المخرج للزكاة: وذلك أنه لا يجب على الفقير المدفوع إليه الدعاء لرب المال، فالنائب عنه أولى بعدم الوجوب.
كما دلَّ عليه أيضًا عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فحين بعث النبي ﷺ معاذًا لم يأمره بذلك الدعاء، مع أن ذلك وقت حاجة لبيانه لو كان واجبًا.
2 - من القواعد الفقهية: (أن تقديم الشيء على سببه ملغى، وعلى شرطه جائز)[15].
مثال ذلك: لا يصح لمن عنده (190) درهما أن يزكي عن (200)؛ لأنه لم يكمل النصاب فلم يوجد السبب، وتقديم الشيء على سببه لا يصح. فإن ملك نصابًا، وقدمها قبل تمام الحول جاز؛ لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط؛ لأن شرط الوجوب تمام الحول.
ونظير ذلك: لو أن شخصا كفَّر عن يمين يريد أن يحلفها قبل اليمين ثم حلف وحنث، فالكفارة المقدَّمة لا تجزئ؛ لأنها قبل السبب، ولو حلف وكفر قبل أن يحنث أجزأت الكفارة؛ لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط[16].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 267] في الآية الأمر بالإنفاق من طيب ما كسب الإنسان، كما أن فيها الأمر بالإنفاق مما أخرج الله لنا من الأرض، فيدخل في ذلك المعادن والركاز، وقد بيَّنتْ السُّنة تفاصيل ذلك.
626- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» متفق عليه.
627- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ -فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خَرِبَةٍ-: «إِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ، فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ: الخُمُسُ» أخرجه البيهقي وأصله في أبي داود، وإسناده حسن.
628- وعن بلال بن الحارث رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَ مِنَ الـمَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ»، رواه أبو داود. [قال الشافعي فيما نقله البيهقي في الكبير (8/ 245): ليس هذا مما يُثْبِتُ أهل الحديث].
بلال بن الحارث بن عكيم المزني المدني، أبو عبد الرحمن، قدم على النبي ﷺ في وفد مزينة سنة خمس، وكان ممن حمل لواء مزينة يوم الفتح، توفي سنة (60) في آخر خلافة معاوية وهو ابن ثمانين سنة.
- الرِّكاز: كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض.
- القَبَلِيَّة: اسم مكان، من ناحية الفُرْع على الساحل بين مكة والمدينة.
1 - دل حديث أبي هريرة على أنه يجب إخراج الخمس من الركاز، والركاز هو ما عثر عليه مما دفنه الكفار من أموالهم، سواء كان من الذهب أو الفضة أو الحديد أو النحاس أو غير ذلك، ففيه الخمس، وهذا مجمع عليه[17].
2 - إذا وجد الإنسان ركازًا ليس عليه علامة الكفر، ولم يعلم أنه من الجاهلية، فحكمه إن علم صاحبه وجب رده إليه، أو إعلامه به، والأسهل هنا الإعلام؛ لأنه قد يكون ثقيلا يحتاج إلى حمل، فإذا أعلمته أبرأت ذمتك.
وإن كان صاحبه غير معلوم حيث لم نجد عليه اسمًا، ولم نتوقع أنه لفلان، فإن حكمه حكم اللقطة يعرف لمدة سنة كاملة، فإن جاء صاحبه، وإلا فهو لواجده[18].
3 - حكم خمس الركاز حكم الفيء، ومصارفه مصارف الفيء عند الجمهور؛ وذلك أن الركاز من أموال الكفار التي أخذت دون قتال كالفيء.
4 - وأما أربعة أخماس الركاز، فإنها تكون ملكًا للشخص الذي وجده، فإن النبي ﷺ لما أمر صاحب الركاز بإخراج الخمس؛ دل على أن باقيه لمن وجده.
5 - وفي حديث عمرو بن شعيب بيان أن فيما وُجد في قرية غير مسكونة الخمس كالركاز، وإنما لم يسمه الشارع ركازًا؛ لأنه لم يستخرج من باطن الأرض، بل ظاهره أنه وُجِد في ظاهر القرية، وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية بالمدفون حكمًا: الموجود ظاهرًا بخراب جاهلي، أو طريق غير مسلوك ونحوه [19].
6 - وفيه أنه إن وجده في شارع، أو مسجد، أو قرية مسكونة، فهو لقطة؛ لأن يد المسلمين عليه، وقد جهل مالكه، فيكون لقطة، وإن وجد في ملك شخص، فهو للشخص -إن لم ينفِ ملكه له- فإن نفاه عن ملكه، فهو لمن ملكه عنه[20].
7 - وفي حديث بلال بن الحارث دليل على أن الزكاة تجب في المعادن؛ لأنها من الخارج من الأرض، فهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 267].
8 - من استخرج من معدن نصابًا من الذهب أو الفضة، وجب عليه إخراج ربع عشره، وكذلك لو استخرج من المعادن الأخرى ما قيمته قيمة نصاب الذهب أو الفضة، سواء كان من الجواهر الثمينة، أو من النحاس، أو الحديد، أو غيره فعليه الزكاة، فيخرج ربع عشر قيمته.
9 - المعادن لا تدخل في الركاز؛ لأن الركاز لا يطلق في لغة أهل الحجاز إلا على دفن الجاهلية، والنبي ﷺ يتكلم بلغتهم، ولأنها زكاة تتعلق بالأثمان أو بالقيمة، فاعتبر لها النصاب؛ كالأثمان والعروض، وكذلك هو مفارق للركاز من حيث إن الركاز مال كافر مظهور عليه في الإسلام، فهو كالغنيمة، وهذا وجب مواساةً وشكرًا لنعمة الغنى، فاعتبر له النصاب، كسائر الزكوات، وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة، فأشبه الزروع والثمار[21].
1 - قاعدة: (المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصًا أو دلالة): وعليه يكون في الركاز الخمس بمجرد وجوده؛ لقول النبي ﷺ: «وفي الركاز الخمس»، ولم يقيده بشيء[22].
2 - هل الخمس في الركاز زكاة أو فيء؟ اختلفوا بناء على اختلافهم في (ال) في قوله ﷺ: (الخمس) هل هي لبيان الحقيقة أو هي للعهد؟ فقال بعض العلماء: إنه زكاة، فتكون (ال) لبيان الحقيقة، وأن فيه الخمس زكاةً، ومذهب الحنفية والمالكية والحنابلة أنه كالفيء فتكون (ال) في الخمس للعهد الذهني، أي: الخمس المعهود في الإسلام، وهو خمس الغنيمة الذي يكون فيئًا يصـرف في مصالح المسلمين العامة، ولا يختص بالأصناف الثمانية، وهو الراجح؛ لأن جعله زكاة يخالف المعهود في باب الزكاة[23].
باب صدق
ة الفطر
قال الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ [الأعلى: 14، 15]
عن عطاء وابن سرين: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴾ قال: أدى زكاة الفطر، وعن أمير المؤمنين عمر ابن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية).
وعن عطاء: قلت لابن عباس أرأيت قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ ﴾ للفطر؟ قال: «لم أسمع بذلك، ولكن الزكاة كلها»، ثم عاودته فيها، فقال لي: «والصدقات كلها».
629- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى العَبْدِ وَالْـحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْـمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» متفق عليه.
630- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ»، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: «أرى مدًا من هذا يعدل مدين» متفق عليه، وفي رواية: «أو صاعًا من أقط»، قال أبو سعيد: «أَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ»، ولأبي داود: «لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا».
631- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْـمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»، رواه أبو داود وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم. [في صحته نظر] ولابن عدي، والدارقطني بإسناد ضعيف: «اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم». [ضعَّفه ابن حجر في التلخيص الحبير (3/ 1383)].
- صَاعًا مِنْ أَقِطٍ: الأقط: هو لبن مجفَّف يابس مستحجر يطبخ به.
1 - في الأحاديث دليل على أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، وهي إنما تجب على من ملك فضلًا عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه، وقد أجمع العلماء على أن صدقة الفطر فرض، وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء، إذا أمكنه أداؤها عن نفسه، وأولاده الذين لا أموال لهم، وأجمعوا على أن على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر[24].
2 - وفي حديث ابن عمر دليل على أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم، مع الصغر والكبر، والذكورية والأنوثية، في قول أهل العلم عامة، وتجب على اليتيم، ويخرج عنه وليه من ماله، وتجب على الرقيق [25].
3 - وفيه: أنه يجب على المسلم أن يخرجها عن نفسه، وعمن تجب عليه نفقته؛ كأولاده الصغار الذين لا مال لهم، وعن مماليكه، وعن زوجته، وعلة ذلك أن المملوك والزوجة تجب نفقتهما على المالك والزوج، وهما ممنوعان من العمل في طلب المال إلا بإذنهما، فيلزمهما أداؤها عنهما، وهذا مجمع عليه[26].
4 - وفي حديثي ابن عمر وأبي سعيد بيان مقدار زكاة الفطر، وأنها صاع من التمر أو الزبيب، أو البر، أو الشعير، ويجوز إخراج زكاة الفطر من غالب قوت الناس اليوم، فيجوز إخراجه من الأرز، وإذا كان قوت الناس ليس حبًا ولا تمرًا، بل لحمًا أو لبنًا أو سمكًا، أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، وإذا تعذر الكيل رجع إلى الوزن[27]، وتكون زكاة الفطر من اللحم مثلا 2176 جرامًا.
5 - اختلف العلماء في حكم إخراج القيمة عن العين في زكاة الفطر، فالجمهور على المنع، وأجازه الأحناف مطلقًا[28]، واختار ابن تيمية الجواز للحاجة مثل أن يكون في ذلك مصلحة للفقير[29].
6 - تجب زكاة الفطر بدخول وقت الوجوب، وهو غروب شمس آخر أيام رمضان، ليلة الفطر.
7 - يستحب إخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل الصلاة، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد لظاهر حديث ابن عمر، وأخذ الحنابلة برواية حديث ابن عمر: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم»، فقرروا أنه يجوز تأخيرها إلى ما قبل غروب الشمس من ذلك اليوم، ولكن الحديث ضعيف، فالراجح أن إخراجها بعد صلاة العيد دون عذر محرم، ولا تجزئ، وتعتبر صدقة من الصدقات، وهو قول عند الحنابلة رجَّحه ابن تيمية؛ لحديث ابن عباس[30].
8 - استدل سعيد بن المسيب والحسن البصري بظاهر حديث ابن عباس على أن زكاة الفطر لا تجب إلا على من صام، والجماهير أنها واجبة على من صام وغيره[31].
9 - وفيه أن صدقة الفطر تصرف على المساكين والفقراء دون غيرهم من مصارف الزكاة[32].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حكمة إخراج صدقة الفطر من قوت البلد -والله أعلم-: التسهيل على المخرجين، فكل أهل قطر يخرجون مما عندهم، فلا يكلفون مما ليس لديهم، كما أن إغناء الفقراء يكون من الطعام الذي يأكله جمهورهم[33].
2 - من مقاصد هذا التشريع إغناء الفقراء في يوم العيد؛ لئلا يبتذلوا أنفسهم بالسؤال في يوم يود كل مسلم أن يظهر فيه بمظهر الغنى، وهو يوم فرح وسرور عام للمسلمين[34]، فلا ينبغي للمسلمين أن يوجد بينهم في يوم العيد من هو في حالة جوع وبؤس؛ يشغله عن مشاركة المسلمين في فرحهم وعيدهم.
3 - ومن حكمها وأسرار تشريعها: أنها طهرة للصائم مما حصل في صيامه من لغو الكلام وفحشه.
أجيب على من استدل بظاهر حديث ابن عباس على أن زكاة الفطر لا تجب إلا على من صام: بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، بدليل أنها تجب على من لم يذنب كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة.