حجم الخط:

محتوى الدرس (63)

باب صAdobe Systemsدقة التطوع

فضل صدقة التطوع:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 280].

في الآية الترغيب في الصدقة بذكر خيريتها.

[الأحاديث]

632- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ...» فَذَكَرَ الْـحَدِيثَ، وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» متفق عليه.

633- وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ اِمْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ»، رواه ابن حبان والحاكم. [وصحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (2431)، وابن حبان في الصحيح (3310)، والحاكم في المستدرك (1537)].

634- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ الله مِنْ خُضْرِ الـجنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ الله مِنْ ثِمَارِ الـجنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ الله مِنْ الرَّحِيقِ الـمَخْتُومِ»، رواه أبوداود، وفي إسناده لين. [أعلَّه بوقفه على أبي سعيد: أبو حاتم في العلل (5/ 313)، والترمذي في السنن (2449)].

التوضيح:

- كل امرئ في ظل صدقته: أي: يوم القيامة حين تدنو الشمس من الرؤوس.

- من خضر الجنة: أي من الثياب الخضر فيها، وخصَّها لأنها أحسن الألوان.

- الرحيق: هو الخالص من الشراب الذي لا غش فيه.

- المختوم: هو الذي تختم أوانيه، وهو عبارة عن نفاستها، ومعنى: من الرحيق المختوم: أي: يسقيه من خمر الجنة الذي ختم عليه بمسك جزاء وفاقًا.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - المال مال الله عز وجل وقد استخلف تعالى عباده فيه ليرى كيف يعملون، ثم هو سائلهم عنه إذا قدموا بين يديه: من أين جمعوه؟ وفيمَ أنفقوه؟ فمن جمعه من حله وأحسن الاستخلاف فيه فصرفه في طاعة الله ومرضاته أثيب على حسن تصـرفه، وكان ذلك من أسباب سعادته، ومن جمعه من حرام أو أساء الاستخلاف فيه فصرفه فيما لا يحل عوقب، وكان ذلك من أسباب شقاوته إلا أن يتغمده الله برحمته، ومن أعظم ما شرع الله تعالى النفقة منه وحث عباده على تطلُّب أجره: الصدقةَ التي شرعت لغرضين جليلين: أحدهما: سد خَلَّة المسلمين وحاجتهم، والثاني: معونة الإسلام وتأييده[1].

2 - في حديث أبي هريرة إثبات البعث والجزاء الأخروي، وهو مما علم من الدين بالضرورة.

3 - وفيه فضل السر في صدقة التطوع، وفضل الحرص على إخفائها؛ ليكون صاحبها من السبعة السعداء الذين يستظلون بظل عرش الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل يقيهم من ألسنة الشمس المحرقة إلا ظل الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 271][2]. فإعطاء الفقير الصدقة في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها، لما في إخفائها من الستر عليه وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هى اليد السفلى وأنه فقير لا شيء له فيزهدون فى معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة، مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءَاة وطلب المحمدة من الناس[3].

4 - وقد تكون صدقة العلانية أفضل في بعض الحالات، ومن ذلك إذا علم أنه إن تصدق علانية كان ذلك سببًا في دفع غيره للتصدق؛ لكونه ممن يقتدى به، ونحو ذلك.

5 - ودلَّ حديث عقبة بن عامر على أن الصدقة من الأعمال الجليلة، والرتب الرفيعة التي يكون أصحابها في المحشر في ظل صدقاتهم تحميهم من شدة الحر، وتدفع عنهم وهج الشمس، وقوله ﷺ: «في ظل صدقته» يحتمل أن المراد حقيقة الظل، وأنه تعالى يجعلها ذات ظل، فتظل صاحبها من حر الموقف، أو المراد في كنفها وحمايتها وأنه بسببها ينجو، والحمل على الحقيقة أولى.

6 - وفي حديث أبي سعيد إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، والنصوص في ذلك كثيرة، والمراد أنه يختص بنوع من ذلك أعلى، وإلا فكل من دخل الجنة كساه الله من ثيابها وأطعمه وسقاه من ثمارها وشرابها، ويظهر أن المراد المسلم المعصوم، وقوله: «كَسَا مُسْلِمًا» يحتمل إلحاق الذمي العاري الجائع به[4].

7 - وفيه: أن أفضل ما تكون الصدقة إذا وافقت حاجة في المتصدق عليه؛ كأن يكسى على عري، أو أن يطعم على جوع، أو أن يسقى على ظمأ، فإن النفع يكون أعظم[5].

طريقة الاستدلال:

1 - يقول الصنعاني -رحمه الله- في قوله ﷺ: «سبعة يظلهم الله» وقوله: «ورجل تصدق»: «واعلم أنه لا مفهوم يعمل به في قوله: «ورجل تصدق»، فإن المرأة كذلك، إلا في الإمامة. ولا مفهوم أيضًا للعدد، فقد وردت خصال تقتضي الظل، وأبلغها المصنف في الفتح إلى ثمان وعشرين خصلة، وزاد عليها الحافظ السيوطي حتى أبلغها إلى سبعين، وأفردها بالتأليف، ثم لخصها في كراسة سماها: بزوغ الهلال في الخصال المقتضية للظلال»[6].

2 - قاعدة: قد يعرض للعمل المفضول من المصالح ما يصيِّره أفضل من الفاضل، فإسرار العمل من أسباب مضاعفة الثواب، كما أن إعلانها قد يكون سببًا للمضاعفة، كالأعمال التي تحصل فيها الأسوة والاقتداء.

أفضل الصدقات ومراتبها:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219].

وقال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: 215].

في قوله تعالى: ﴿ قُلِ الْعَفْوَ بيان أن الصدقة تكون مما زاد عن حاجة الإنسان وحاجة من يعول، وفي هذا المعنى ورد قوله ﷺ: «وخير الصدقة عن ظهر غنى». وفي الآية الأخرى ذكر مراتب مواضع الصدقة فقدم الأقارب حسب مراتبهم على غيرهم.

[الأحاديث]

635- وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.

636- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قِيلَ يَا رَسُولَ الله: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ الْـمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، أخرجه أحمد وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.

637- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَصَدَّقُوا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ»، رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان والحاكم.

638- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الـمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا» متفق عليه.

639- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَـدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ» رواه البخاري.

التوضيح:

- عَنْ ظَهْرِ غِنًى: معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيًا بما فضل معه.

- جُهد المُقِّل: هو الفقير الصابر على الجوع، والمعنى: أفضل الصدقة قدر ما يحتمله حالُ قليلِ المال.

الدلالات الفقهية:

1 - قال النووي -رحمه الله-: (وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دَين عليه، ولا له عيال لا يصبرون، بشـرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة، والفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه)[7].

2 - ودلَّ حديث أبي هريرة الثاني على أن أفضل النفقات النفقة على النفس، فالعيال، فالزوجة، فالأقربين.

3 - اتفق الفقهاء على أنه يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها للسائل وغيره بما أذن الزوج صريحًا، كما يجوز التصدق من مال الزوج بما لم يأذن فيه، ولم ينه عنه إذا كان يسيرًا عند جمهور الفقهاء[8].

4 - وفي حديث أبي سعيد دليل على جواز أن تتصدق المرأة على زوجها الصدقة الواجبة، وجاء في رواية قولها: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي، وأيتام في حجري؟ فقال: «نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة». وهو أوضح في صدقة الواجب لقولها: « أيجزئ؟» ولقوله: «صدقة وصلة»؛ إذ الصدقة عند الإطلاق تتبادر في الواجبة، وهو دليل على جواز صرف زكاة المرأة في زوجها، وهو قول الجمهور[9].

5- وأما الزوج فاتفقوا على أنه لا يجوز له صرف صدقة واجبة في زوجته؛ لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن الزكاة، كما أن الزوج إذا دفع زكاته إلى زوجته يوفر على نفسه النفقة، فكأن زكاته عادت إليه فلم يخرجها [10].

6 - للإنسان أن يتصدق ولو من أشيائه الخاصة، فيؤثر غيره على حاجته، ولكن ذلك مقيد بما لا يخل، أو بما لا ينقص مؤنته ومؤنة من يعول، فإنْ فعَله؛ فإنه آثم[11].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في حديث حكيم بن حزام بيان علو شأن الصدقة، وأنها من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله عز وجل، والرفعة للصدقة تشمل صاحبها، فهو بأفضل المنازل.

2 - اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي المعطاة، فالعليا خير من السفلى؛ لأنها المحسنة، وتلك المحسن إليها، ولأنها المنفقة، وتلك المنفق عليها.

3 - وفيه دليل على أن من أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وهي ما يبقى صاحبها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وإنما كانت هذه أفضل ممن تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يندم غالبًا، أو قد يندم إذا احتاج، ويودُّ أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا، فإنه لا يندم عليها بل يُسَرُّ بها[12].

4 - وفي الحديث أنه ينبغي التعفف، وعدم طرق أبواب المسألة، والعلم بأن ذلك وإن جاز لأناس رخص لهم الشارع بذلك، فإنه مما لا ينبغي للدعاة وأهل الصلاح سلوكه بحال؛ لأن سبيلهم التعفُّف والتجمُّل، وعدم إظهار الشكوى والفقر، بل ستره وكتمانه؛ اتصافًا بقوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة: 273][13].

5 - وفيه أن من لم يطلب العفاف والغنى لم يوفق إليهما، بل يبقى قلبه متعلقًا بما حرم الله تعالى من الشهوات، ويفتح له أبوابًا إلى المحرمات، وهذا هو مفهوم قوله ﷺ: «ومن يستعفف يعفُّه الله، ومن يستغن يغنه الله»[14].

6 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أن من أفضل الصدقة جهد المقل، وهو ما يعطيه المقل على قدر طاقته، وفي الحديث قال النبي ﷺ: «سبق درهم مائة ألف درهم»، قالوا: يا رسول الله وكيف؟ قال: «رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مالٌ كثير، فأخذ من عُرضِ ماله مائة ألف درهم، فتصدق بها»[15]، فالأجر على قدر حال المعطي.

7 - في الحديث دليل على أن النفقة على النفس، وعلى الولد، وعلى الخادم، وعلى كل من يعوله الإنسان تكون صدقة، إذا كان معها حضور النية الصالحة، إلا أن مثل هذه النفقات تكون غالبًا بدافع المودة، والشفقة، والدافع الغريزي. ولكن الموفَّق الفطن لا يغفل عن استحضار النية الصالحة عند الإنفاق، والقيام بالواجب الذي أمر الله به ونهي عن إضاعته؛ امتثالًا لأمر الله تعالى ورغبةً فيما عنده، واحتسابًا لثوابه، فإذا أنفق بهذه النية الصالحة؛ نال الفائدتين[16].

طريقة الاستدلال:

1 - لا تنافي بين حديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وحديث أن أفضل الصدقة «جهد المقل»؛ فمراد الأول: عدم وجوب الصدقة إلا على الغني، ومراد الثاني: كون صدقة الفقير على سبيل التطوع أكثر ثوابًا؛ باعتبار كونها أشق [17].

2- قاعدة: (الإذن العرفي كالإذن اللفظي)[18]: وعليه يجوز للمرأة التصدق من مال زوجها إذا علمت رضا الزوج بذلك، ولو لم يأذن فيه صراحة، أما إذا منعها من الصدقة من ماله، ولم يكن العرف جاريًا بذلك، أو اضطرب العرف، أو شكت في رضاه، أو كان شخصًا يشحُّ بذلك، لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه.

حكم مسألة الناس والحث على العمل:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 8].

وقال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [التوبة: 59].

وقال تعالى: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء: 32].

في الآيات الأمر بتوجيه الرغبة والسؤال إلى الله، والاكتفاء به سبحانه عمن سواه، فهو الكافي وحده، وفي آية سورة النساء أمر بسؤال الله تعالى، فسؤال غيره مخالف للأمر الإلهي وهذا منهي عنه.

[الأحاديث]

640- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأل النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ ولَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَـحْمٍ»، متفق عليه.

641- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يسَأل النَّاسَ أَمْوَالَـهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأل جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»، رواه مسلم.

642- وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِي بِحُزْمَةٍ مِنَ الْـحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأل النَّاسَ أَعْطَوهُ أَوْ مَنَعُوهُ»، رواه البخاري.

643- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الـمَسْألةُ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأل الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ»، رواه الترمذي وصحَّحه. [وابن حبان في الصحيح (3386)، والألباني في صحيح الترمذي (1/367)].

ترجمة الراوي:

الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي، أبو عبد الله: الصحابي الشجاع، أحد العشرة المبشرين بالجنة، حواري رسول الله ﷺ وأول من سل سيفه في الاسلام، أسلم وهو ابن ست عشرة سنة، وهاجر الهجرتين، كان له ألف مملوك يؤدون الضريبة فيتصدق بها ولا يدخل بيته منها درهم، قتل في رجب سنة (36).

التوضيح:

- لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لحْمٍ: أي: أن كل مسألة تذهب من وجهه قطعة لحم، حتى لا يبقى فيه شيء.

- فإنما يسأل جمرًا: معناه أنه يعاقب بالنار، فيصير ما يأخذه جمرًا يكوى به في النار.

- الكدُّ: هو السعي والتعب في الطلب، والمراد بالكدِّ هنا: الخدش.

الدلالات الفقهية:

1 - مقصود الباب وأحاديثه النهي عن السؤال. واتفق العلماء عليه إذا لم تكن ضرورة، واختلف العلماء في مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما: أنها حرام لظاهر الأحاديث، والثاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسؤول فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق[19].

2 - حرمة سؤال الناس أموالهم لمن عنده كفاية.

3 - ليس الاحتطاب مرادًا بعينه، وإنما المراد أن طلب الكسب بأي طريق مباحة أفضل من سؤال الناس، وأنواع المكاسب كثيرة، وكل ميسر لما خلق له.

4 - دل حديث سمرة على جواز أن يسأل المحتاج السلطان؛ لأنه ولي بيت مال المسلمين، والتعفُّف أفضل.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - حديث ابن عمر يحتمل أن يكون المراد به أنه يأتي ساقطًا لا قدر له ولا جاه، أو أنه يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه عقوبة له في موضع الجناية؛ لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه يبعث ووجهه عظم؛ ليكون ذلك شعاره الذي يعرف به[20].

2 - الجزاء من جنس العمل؛ فحيث كان وجهه هو الذي يسأل، ويقابل الناس عند السؤال؛ صار العذاب يوم القيامة مُنْصَبًّا عليه.

3 - وفي الحديث تشبيه حاله في الآخرة بحاله في الدنيا عند السؤال، فإن السائل يسأل بوجه ذليل منكسر متعب، يتصبب عرقًا عند ذل المسألة، فيأتي يوم القيامة بذلك الوجه الذي تعب فيه بالسؤال[21].

4 - في الأحاديث ترجيح الاكتساب على السؤال ولو كان بعمل شاق كالاحتطاب، ولو لم يقدر على بهيمة يحمل الحطب عليها بل حمله على ظهره[22]، وقد جاء الثناء على المستعفين المستغنين عن سؤال الناس كثيرًا في القرآن والسنة.

5 - لا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدًا شيئًا إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي ﷺ أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا، حتى إنَّ عصا أحدهم لتسقط منه وهو على راحلته، فلا يقول لأحد: ناولينها، بل ينزل ويأخذها. وأما سؤال المال، فمحرم، فلا يجوز أن يسأل من أحد مالًا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك[23].

6 - ودلَّ حديث الزبير على اهتمام الإسلام بالحث على العمل وكسب الرزق، ومحاربته البطالة والكسل، بجميع أشكالهما، سواء كانت البطالة بطالة إجبارية؛ كعدم الحصول على العمل مع وجود الرغبة والقدرة، أو بطالة اختيارية بسبب عدم الرغبة وتفضيل الكسل والخمول، وقد ذم السلف الصالحُ العاطلَ عن العمل، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إني لأكره الرجل فارغًا، لا في عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة»، وقال بعض السلف: «كسب فيه دناءة، خير من مسألة الناس»[24].

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «فلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثر»: ليس على ظاهره من الأمر بذلك، وإنما هو للتهكم، ومثله ما عطف عليه، أو هو للتهديد من باب قوله تعالى: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت:40]، وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار[25].

2 - في حديث ابن عمر دليل على تحريم السؤال وقبحه مطلقًا، ولكن قيَّده الحديث الثاني بمن يسأل تكثرًا، يعني: من سأل وهو غني، لا من سأل لحاجة، فإنه يباح له ذلك.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة