حجم الخط:

محتوى الدرس (67)

مبطلات الصيام ومباحاته وتأكيد النهي عن المحرمات:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183].

وقال الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة: 286].

في آية الصيام إشارة إلى أن إتيان المحظور كقول الزور أو العمل به يتنافى مع التقوى التي هي مقصود الصيام، وبقي ما سوى ذلك على الإباحة.

وفي الآية الأخرى دليل على رفع الحرج عن المكلَّف في حالي النسيان وعدم القدرة، ومن ذلك الصائم إذا ما أكل أو شرب ناسيًا، أو ذرعه القيء لا شيء عليه.

[الأحاديث]

666- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْـجَهْلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، رواه البخاري.

667- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أملكَكُم لِإِرْبِهِ»، متفق عليه، وزاد مسلم في رواية: «فِي رَمَضَانَ».

668- وعنها رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اِكْتَحَلَ وَهُوَ صَائِمٌ»، رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، وقال الترمذي: «لَا يَصِحُّ فِي هَذَا البَاب شَيْءٌ».

669- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»، رواه البخاري.

670- وعن شداد بن أوس رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: «أَفْطَرَ الْـحَاجِمُ وَالْـمَحْجُومُ»، رواه الخمسة إلا الترمذي، وصحَّحه أحمد وابن خزيمة وابن حبان. [وإسحاق، وابن المديني، وعثمان الدارمي فيما نقله البيهقي في الكبير (9/ 24) وغيرهم].

671- وعن أنس بن مالك قال: أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ؛ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ»، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رواه الدراقطني وقوَّاه. [قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (6/ 231) وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (3/ 276): هذا حديث منكر].

672- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ»، رواه الخمسة، وأعلَّه أحمد، وقواه الدراقطني. [ضعَّفه البخاري فيما نقله الترمذي في السنن (720)، وأبو داود فيما نقله البيهقي في الكبير (8/ 472)، وغير واحد].

673- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَسِـيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ»، متفق عليه.

وللحاكم: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ»، وهو صحيح.

ترجمة الراوي:

شداد بن أوس بن ثابت بن المنذر، كانت له عبادة واجتهاد، أوتي علمًا وحلمًا، وكان حافظًا للسانه، وكان إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلى من ذكر النار، نزل فلسطين ومات بها سنة (58).

التوضيح:

- قول الزور: هو كل قول باطل، فيدخل فيه شهادة الزور، وكل كلام محرم من الكذب، والسبِّ، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك.

- والعمل به: العمل بالزور: هو العمل بكل فعل محرم فيه عدوان على الناس، وظلم، وخيانة.

- والجهل: هو السَّفَه، ومجانبة الرشد في القول والعمل.

- ويُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِم: المراد بالمباشرة: التقاء البشرتين باللمس والقبلة وغير ذلك.

- أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِه: الأَرَبُ: هو الشهوة وحاجة النفس. والإِرْبُ: هو العضو الذكري.

- أفطر الحاجم والمحجوم: قيل: إنهما يفطران حقيقة، وقيل: قاربا أن يفطرا بسبب الضعف في المحجوم، وأما الحاجم، فلأنه يمص الدم، فربما بلع الدم عند المص.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة دليل على أنه يجوز للصائم أن يقبِّل زوجته وأن يباشرها، ولا يفسد ذلك الصيام إذا لم ينزل بالإجماع، وأما إذا قبَّل فأنزل فإنّه يفطر، بالإجماع[1].

2 - وفيه أيضًا: جواز الحديث والإخبار عن الأشياء التي يستحيا منها عند الحاجة؛ كإظهار الحق فيها، أو بيان الحال للطبيب المعالج، أو ذكر ذلك في مجال القضاء، وفصل الخصومات، والتعليم.

3 - إذا ظن الإنزال بالقبلة، بأن كان شابًا قوي الشهوة، شديد المحبة لأهله، فهذا لا شك أنه على خطر إذا قبل زوجته في هذه الحال، فمثل هذا يحرم عليه أن يقبِّل؛ لأنه يعرض صومه للفساد[2].

4 - وفي حديث عائشة رضي الله عنها في الكحل دليل على جواز الاكتحال للصائم، وهو قول الحنفية، والشافعية، وهو اختيار ابن تيمية[3]، ولا يؤثر الكحل على صيامه، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا؛ لأن العين ليست منفذًا إلى الجوف.

5 - ومثل الكحل: قطرة العين؛ لأنها في معناه، وكذلك قطرة الأذن؛ لأن الأذن ليست منفذًا للطعام، وأما قطرة الأنف فإنها تفطر إذا بالغ فدخلت القطرة إلى جوفه، لقوله ﷺ: «وبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، وذلك لأن الأنف منفذ إلى الجوف.

6 - دل حديث ابن عباس على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تؤثر على الصيام، وهو قول الجمهور[4]. بينما دل حديث شداد بن أوس على أن الحجامة تفطر الصائم، سواء أكان حاجمًا أو محجومًا، و هو قول الحنابلة، ورجَّحه ابن تيمية[5]، والراجح مذهب الجمهور، ويؤيده ما في حديث أنس - على ضعَّفه- ففيه بيان أن النهي عنه منسوخ.

7 - الحجامة مكروهة ولا تفسد الصيام، ومثل الحجامة في الكراهة فصد العِرق، وسحب الدم الكثير بواسطة الإبر المستعملة في المستشفيات، بجامع أن في جميعها إخراجًا للدم من البدن، وذلك يسبب الإنهاك والضعف للصائم، وقد يؤثر في قدرته على الصوم.

8 - وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على أن الصائم إذا تقيَّأ متعمدًا فسد صومه وعليه القضاء، وهذا مذهب الجمهور في الجملة، وحكى ابن المنذر عليه الإجماع[6].

9 - في حديث أبي هريرة الأخير دليل على أن من أكل أو شرب ناسيًا فصومه صحيح، ولا إثم عليه؛ لعدم القصد والتعمد، وهو قول الجمهور، خلافًا لمالك[7].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - دل حديث أبي هريرة على أنه يحرم على الصائم الرفث -وهو السخف وفاحش الكلام- ونهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصًا بالصائم، بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك، ولكن الصائم آكد، فهذه الآثام تقطع ثواب الصوم، وتفسد ثمرته، فتصيِّره بمنزلة من لم يصم[8].

2 - قوله: «فليس لله حاجة...»: فيه إثبات الحكمة من الشـرائع، وأن منها تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستقامة الطباع؛ كما قال الله تعالى عن الصلاة: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ]العنكبوت:45[.

3 - المقصود من شرعية الصيام ليس نفس الامتناع فقط عن المفطرات، والجوع والعطش، بل ما يتبع ذلك من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة حتى تصير مطمئنة، فإن لم يحصل له شيء من ذلك لم يبال الله بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول[9].

4 - وفيه: بيان فضيلة زوجات النبي ﷺ، وبركتهن على الأمة، فقد نقلن من الأحكام الشرعية ما لم يطلع عليه أحد غيرهنَّ[10].

5 - الحكمة من كراهة الحجامة للصائم، حاجمًا كان أو محجومًا: أن الحجامة تسحب الدم الذي في بدن الصائم، مما يسبب له إنهاكًا وضعفًا، مع ضعف الصيام. وأما الحاجم: فلأن الحاجم كان يمص قديمًا الدم بفمه عبر قرن أو ما يشبهه، فقد يصل إلى جوفه شيء من دم الحجامة.

6 - معنى إطعام الله تعالى وإسقائه: أن الله تعالى من لطفه يسّر له هذه الأكلة أو الشربة حين أنساه صيامه وحاله، فصار هذا الرزق المباح مسوقًا من الله؛ كما جاء في رواية الترمذي: «إنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه»[11].

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْـجَهْلَ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور والعمل به؛ ليتم أجر صيامه.

2 - دل القياس النبوي على أن القبلة في الصيام لا تفسد الصوم إذا لم يصاحبها إنزال، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: هششت فقبلت، وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا عظيمًا: قبلت وأنا صائم! فقال: «أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟!» قلت: لا بأس به، قال: «فمه؟» رواه أبو داود وصحَّحه الألباني، فشبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقدمات الشهوة، وإنّ المضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر، وإن كان معها نزول أفطر[12].

3 - دل العمل بالأصل على جواز الاكتحال للصائم؛ لأن الأصل صحة الصيام إلا بدليل صحيح صريح يدل على فساده، والكحل لا يفطر ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب، والعين ليست منفذًا لهما. والكحل مما تعم به البلوى ويحتاج الناس إلى معرفة حكمه، فلو كان يفطر الصائم لبيَّنه النبي ﷺ كما بيَّن غيره من المفطرات، فلما لم يبينه دلَّ على أنه لا يؤثر على الصائم[13].

4 - الأفعال التي ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف، ففي قوله: «فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه»: أمره بإتمام الصوم تخصيصًا له بهذا الحكم، وأضاف إطعامه وإسقاءه إلى الله؛ لأنه لم يتعمد ذلك ولم يقصده، وما يكون مضافًا إلى الله لا يُنْهى عنه العبد، فإنما يُنْهى عن فعله المختار، ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير؛ ونحو ذلك[14].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة