حجم الخط:

محتوى الدرس (68)

متى يجوز ترك الصوم؟

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 184]

رخص الله تعالى في الآية للمريض والمسافر أن يفطرا، وأوجب عليهما القضاء، كما رخص للذي لا يطيق الصيام -كالشيخ الكبير- أن يفطر ثم يخرج فدية.

[الأحاديث]

674- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ». وفي لفظ: «فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَشَرِبَ»، رواه مسلم.

675- وعنه قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلِّل عليه، فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، قال: «ليس من البر الصيام في السفر»، متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم».

676- وعن أنس رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حار، وأكثرنا ظلًا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون فضـربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»، متفق عليه.

677- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة»، متفق عليه.

678- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم»، متفق عليه.

679- وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: يَا رَسُولَ الله، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ الله، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ»، رواه مسلم وأصله في المتفق عليه من حديث عائشة، أن حمزة بن عمرو سأل.

680- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ»، رواه الدراقطني والحاكم وصحَّحاه. [وهو في البخاري (4505) بمعناه].

ترجمة الرواة:

1 - أبو الدرداء: عويمر بن زيد بن قيس الخزرجي الأنصاري، أسلم يوم بدر، آخى النبي بينه وبين سلمان، وهو أحد من جمع القرآن، شهد ما بعد أحد من المشاهد، واختلف في شهوده أحدًا، وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان، وكان فقيهًا عاقلًا حكيمًا، وكان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء، توفي سنة (32) بالشام.

2 - حمزة بن عمرو الأسلمي، كان كثير الصيام في السفر، وكانت له كرامات زمن النبي ﷺ، وهو الذي بشر كعب بن مالك بتوبته، وما نزل فيه من القرآن، قدم الشام غازيًا، وكان البشير بوقعة أجنادين إلى أبى بكر الصديق، توفي سنة (61)، وهو ابن (71)، وقيل: ابن (80) سنة.

التوضيح:

- كراع الغميم: الكراع هو الطرف من كل شيء، والمراد هنا: جبل أسود طويل على يسار الطريق، شبيه بالكراع في وادٍ على طريق مكة إلى المدينة، يبعد عن مكة (64) كيلًا، ويعرف عند أهل تلك الجهة ببرقاء الغميم، وهو وادي عُسفان، وينتهي مصبه في البحر الأحمر.

- الأبنية: جمع بناء، وهي البيوت التي يسكنها العرب في الصحراء.

- الركاب: الإبل.

- وأكثرنا ظلا صاحب الكساء: يعني أنه لم يكن فساطيط ولا أخبية، وأن أكثرهم ظلا من له كساء يلقيه على رأسه اتقاء لحر الشمس.

الدلالات الفقهية:

1 - في هذه الأحاديث بيان لحكم صيام المسافر، وأن له أن يصوم، وله أن يفطر، ونُقل الإجماع عليه[1].

2 - وفيها رد على من يقول بعدم جواز الصوم في السفر.

3 - للصائم المسافر ثلاث حالات[2]:

الحالة الأولى: أن يكون الفطر أرفق به، بحيث لو صام شق عليه الصوم بعض الشـيء ولم يضره، ففي هذه الحال يستحب له أن يفطر؛ لحديث جابر رضي الله عنه في الرجل الصائم الذي اجتمع الناس عليه وقد ظُلِّل عليه، فقال ﷺ: «ليس من البر الصوم في السفر»، وفي رواية: «وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها».

الحال الثانية: أن يشق الصيام عليه مشقة شديدة غير محتملة، أو كان الصيام سيضـره، فيجب عليه في هذه الحال أن يفطر، ويحرم عليه الصوم؛ لحديث جابر رضي الله عنه الأول: «أولئك العصاة، أولئك العصاة».

الحالة الثالثة: ألا يشقَّ عليه الصيام، ويستوي عنده الصوم والفطر، ففي هذه الحال يجوز له أن يصوم، ويجوز له أن يفطر؛ لحديث حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه، ولحديث أنس رضي الله عنه.

4 - للمريض الصائم ثلاثة أحوال أيضًا:

الحالة الأولى: ألا يتأثر بالصوم، مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر.

الحالة الثانية: إذا كان يشق عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم، ويسن له أن يفطر.

الحالة الثالثة: إذا كان يشق عليه الصوم ويضره، كرجل مصاب بمرض الكلى أو مرض السكر، وما أشبه ذلك، فالصوم عليه حرام[3].

5 - في حديث حمزة الأسلمي دليل على السؤال عن العلم في كل ما يعرض للإنسان من جوازه وأفضليته.

6 - اشترط جمهور الفقهاء لجواز فطر المسافر ألا يكون سفره في معصية؛ وذلك لأن الفطر رخصة وتخفيف، فلا يستحقها عاص بسفره، بأن كان مبنى سفره على المعصية، كما لو سافر لقطع طريق مثلًا.

7 - ودلَّ أثر ابن عباس على أن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أن يصوم له أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، وليس عليه القضاء بالإجماع[4].

8 - في حكم الشيخ الكبير: المريض العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا لا يُرجى زواله، فله أن يفطر ويجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكينًا.

9 - في حديث جابر الثاني تفقد الإمام أحوال رعاياه، وعدم إهمالهم، وسؤاله عن حقيقة الأمر والسبب المقتضي لتغير الحال المعهودة.

10- وفيه دلالة على استحباب التمسك بالرخصة والعمل بها إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على وجه التشديد على النفس والتنطع.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - يُسر الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال الناس واستطاعتهم.

2 - يستحب لمن هو قدوة في الأعمال الشرعية -وهم العلماء وأهل الدين- أن يبينوا للناس الأحكام الشرعية في أقوالهم وأعمالهم؛ ليكونوا قدوة في ذلك، وليحصل بهم التأسي، وراحة الضمير عند العامة، فالنبي ﷺ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، فشرب[5].

3 - عندما يغيب حس الأولويات، والمعرفة بمراتبها؛ يضيع الأجر، فالجاهل بمراتب الأعمال يهتم بعمل قليل الأجر على حساب عمل كثير الأجر، ويضيع الجهد الكبير للحصول على حسنات قليلة، كما في حديث أنس: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»، بل قد يصل الأمر إلى حد تضييع أصل الأجر نفسه؛ كالمرأة التي كانت تؤذي جيرانها[6]، فقد خرج أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «هي في النار».

4 - في حديث أنس الآنف دلالة على أنه إذا تعارضت المصالح قُدم أولاها وأقواها؛ فإن الصوم مصلحة، والفطر أيضًا والحالة هذه مصلحة، ولكن مصلحة الفطر حينئذ أولى لتعديها، وقصور مصلحة الصيام.

5 - ذكر ابن الجوزي أمثلة متعددة لدى العُبَّاد بالخصوص، كلها ناتج عن قلة الفقه بمراتب الأعمال، ومما قال: (وقد لبَّس إبليس على جماعة من المتعبدين، فأكثروا من صلاة الليل، وفيهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم ينام قبيل الفجر، فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلانًا، فلا يقدر على الكسب لعائلته) [7].

طريقة الاستدلال:

1 - قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ يقتضـي جواز الإفطار على مسمى المرض والسفر، إلا أن المريض الذي لا يضـره الصوم مخصوصٌ إجماعًا، ولا يعرف له مأخذ أقوى من الإجماع[8].

2 - في حديث أنس وغيره أن اطلاعه -عليه الصلاة والسلام- على الشيء وتقريره إياه من غير نكير شرعٌ، فإنه أقرهم على الصوم والفطر.

3 - أُطلق السفر في النصوص، ولم يُذكر له حد، فيرجع فيه إلى العرف، والمسافة القريبة لا تسمى سفرًا في العرف[9].

4 - الراجح أن الصوم أفضل للمسافر إذا لم يشق عليه؛ لأن هذا فعل الرسول ﷺ، ولأنه أسرع في إبراء الذمة، ولأنه أسهل على المكلف؛ فالصوم والفطر مع الناس أسهل، ولأن به يدرك الزمن الفاضل وهو رمضان[10].

5 - قول الرسول : «ليس من البر الصوم في السفر» خاص بالرجل الذي رآه النبي ﷺ قد ظلل عليه، فإن قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أجيب: الخصوصية نوعان: خصوصية شخصية، وخصوصية نوعية.

فالخصوصية الشخصية: أن يقال: إن هذا الحكم خاص بهذا الرجل لا يتعداه إلى غيره، وهذا يحتاج إلى دليل خاص، وهذا هو الذي يقال فيه: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فآية اللعان وردت في قصة رجل معين، وآية الظهار كذلك، فالعبرة بالعموم، فكل أحد يثبت له هذا الحكم.

والخصوصية النوعية: وإن شئت فقل: الخصوصية الحالية، أي: التي لا يثبت بها العموم إلا لمن كان مثل هذا الشخص، أي: مثل حاله، فيقال: ليس من البر الصوم في السفر لمن شق عليه، كهذا الرجل، ولا يعم كل إنسان صام[11].

6 - في الأخذ بقول جماهير العلماء بصحة صيام المسافر مطلقًا: إعمال لجميع الأحاديث، وأمَّا الأحاديث التي ظاهرها تحريم صيام المسافر، فليست محمولة على البطلان، بل هي محمولة على من يتضرر بالصوم، وفي بعضها التصريح بذلك، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث[12].

الجماع في رمضان:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ [البقرة: 187].

إباحة الله تعالى للصائم الجماع في الليل، مفهومه بقاء الأمر في نهار رمضان على الحرمة، أما المجامع في نهار رمضان فقد أوجب عليه كفارة عظمى لا تجب إلا في نوع واحد من النكاح المحرم لعارض، وهو الظهار؛ لأنه في الظهار حرم ما أباحه الله له من زوجته، والمواقع في رمضان فعل ما حرمه الله عليه منها، وكلاهما من الزور، فكانت كفارتهما واحدة. هذا معنى كلام ابن تيمية في شرح العمدة.

[الأحاديث]

681- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ الله! قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»، رواه السبعة واللفظ لمسلم.

682- وعن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ»، متفق عليه، وزاد مسلم في حديث أم سلمة: «ولا يقضي».

التوضيح:

- هلكت: أي: وقعت في الإثم الذي يهلك.

- عرق فيه تمر: العرق: ما يسع خمسة عشر صاعًا، والصاع أربعة أمداد، فتكون الخمسة عشر صاعًا ستون مدًّا، لكل مسكين مدٌّ.

- ما بين لابتيها: أي: لابتي المدينة، وهما حرَّتاها الشرقية، والغربية، والحَرَّة: أرض تعلوها حجارة سود.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على أن الجماع في الفرج -ولو لم يحصل إنزال- من المفطرات بلا خلاف [13].

2 - وفيه: أن من جامع زوجته في نهار رمضان وجبت عليه أغلظ الكفارات، والكفارة هي: عتق رقبة، والجمهور على أنه يشترط فيها الإيمان، والرقاب غير متيسرة اليوم، ولهذا كان على من لم يجد: صيام شهرين متتابعين لا يتخللهما فطر، إلا لعذر شرعي: كأيام العيدين، وأيام التشريق، أو لعذر حسِّي: كالمرض، والسفر لغير قصد الفطر، والحيض والنفاس للمرأة، فإن أفطر لغير عذر ولو يومًا واحدًا لزمه استئناف الصيام من جديد؛ ليحصل التتابع، فإن لم يستطع: فيطعم ستين مسكينًا من قوت غالب البلد، وما سبق مجمع عليه في الجملة، واختلفوا في قدر ما يطعم كل مسكين: فقيل: نصف صاع، وقيل: إن لكل مسكين مدبر، أو نصف صاع من تمر أو شعير....[14].

3 - من جامع ناسيًا هل يفطر وتجب عليه الكفارة؟ أم لا يجبان؟ أو يجب القضاء دونها؟ فيه ثلاثة مذاهب، والراجح: أنهما لا تجبان كما سلف فيمن أكل متعمدًا.

4 - فيه أيضا دلالة على أنه لا يجب في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارة واحدة، إذ لم يذكر له ما على المرأة، وهو الأصح عند الشافعي، ومذهب داود وأهل الظاهر، وذهب مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد في أصح الروايتين، والشافعي في أحد قوليه: إلى وجوبها على المرأة إن طاوعته.

5 - يستنبط من الحديث أن من ادَّعى عذرًا يُسقِط عنه شيئًا أو يفتَح له أخذ شيء يقبل قوله ولا يكلف إقامة البينة على ذلك؛ فإن هذا الرجل ادَّعى الفقر، وادَّعى أنه ما أصيب إلا من الصوم.

6 - وفي حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا من جماع من غير احتلام، ثم يصبح صائمًا، وهذا يدل على أنه لا بأس أن يصوم الجنب.

7 - أجمع العلماء على صحة صوم من أصبح جنبًا من احتلام، واختلفوا فيمن أصبح جنبا من جماع: فالجمهور من الصحابة والتابعين على صحة صومه؛ لهذا الحديث الذي ذكره المصنف[15].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- في الحديث عدم تعنيف التائب على ما وقع منه من معصية.

2- حسن خلق النبي ﷺ، وكرم الوفادة عليه؛ فقد جاء هذا الرجل خائفًا يشكو الهلاك، فراح من عنده فرحًا مغتبطًا، معه ما يطعمه أهله[16].

3 - يُسر الشريعة، ورحمة الله بعباده وتيسيره عليهم، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

طريقة الاستدلال:

1 - ظاهر الحديث أنه لا يشترط في الرقبة كونها مؤمنة؛ لأنه أطلق ولم يقيدها بالإيمان، والجمهور على اشتراط الإيمان، من باب حمل المطلق على المقيد؛ لأن الله تعالى اشترط الإيمان في كفارة القتل.

2 - تُقدَّم رواية من باشر القصة على غيره، ومن كان ألصق بالنبي ﷺ في تلك الحال؛ فالمباشر أحق بالمعرفة من الأجنبي، ولذلك قدم الصحابة أخبار أزواج النبي ﷺ في صحة صوم من أصبح جنبًا على خبر من روى خلاف ذلك[17].

3 - استدل من رأى صحة صوم من أصبح جنبًا من جماع بحديث عائشة وأم سلمة المتقدم، وبقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ [البقرة: 187]؛ فإنه يقتضتي جواز الوطء ما دام الليل إلى آخر جزء منه، ومن ضرورة من وطأ إلى آخر جزء منه أن يصبح جنبًا.

قضاء الصوم الواجب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185].

وقال الله تعالى: ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: 29].

في قوله سبحانه ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي: فيجب عليه، وهو عطف على قوله سبحانه ﴿ فَلْيَصُمْهُ . ولما أطلق أيام القضاء صارت السَّنة كلها محلًا له، والأصل المبادرة بإبراء الذمة.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ في الآية لام الأمر الدالة على الوجوب، فأفادت وجوب الوفاء بالنذر، سواء كان صومًا أو غيره.

[الأحاديث]

683- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»، متفق عليه.

684- وعنها رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، متفق عليه.

685- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال ﷺ: «لو كان على أمِّك دَيْن أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يقضى»، متفق عليه.

وفي رواية: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان ذلك يؤدي عنها؟» فقالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك».

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة رضي الله عنها دليل على جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان دون عذر، والأفضل التعجيل عند عدم العذر، والجواز متفق عليه عند المذاهب الأربعة[18]، فإذا بقي من شعبان بقدر الأيام التي عليها فقط، فحينئذٍ يلزم القضاء متتابعًا، ولا يجوز التأخير.

2 - قولها: «ما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»: دليل على أنه لا يؤخر إلى ما بعد رمضان، والاستطاعة هنا الاستطاعة الشرعية، أي: لا أستطيع شرعًا[19].

3 - من مات وعليه صيام من رمضان فإنه لا يخلو من حالين:

أحدهما: أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، ويسقط عنه الصيام.

الحال الثاني: أن يموت بعد إمكان القضاء، فالواجب عليه عند أكثر أهل العلم أن يطعم عنه لكل يوم مسكين؛ لقول ابن عمر: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا، وقال الشافعي في القديم وغير واحد من أهل العلم: يصام عنه، لعموم حديث عائشة الثاني، وهو الأرجح.

4 - قصر الحنابلة الصيام الذي يجوز قضاؤه عن الميت على صوم النذر؛ لحديث ابن عباس الآنف، ولكن عموم الحديث، ورواية حديث ابن عباس الأولى تدل على أن الميت يصوم عنه وليه في الصوم الواجب مطلقًا، سواء أكان صوم رمضان، أو صيام النذر، أو الكفارة، وهو قول جماعة من أصحاب الحديث، وأبي ثور، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين[20].

5 - الأمر بالقضاء محمول على الاستحباب، كما أنه ليس خاصًا بالولي، بل كل من صام عنه فإنه يكفي، ويجزئ عنه، ولكن أولى من يتولى أداء ذلك عنه هو وارثه الذي له عليه حق البر، وهذا من أعظم البر والإحسان[21].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في الحديث حسن عشرة عائشة رضي الله عنها، وعظيم محبة النبي ﷺ لها، وحسن أدبها في مراعاته ومعاشرته.

2 - أهمية القيام بحقوق الوالدين والأقربين من الأحياء والأموات، وفضله عند الله عز وجل.

طريقة الاستدلال:

1 - ظاهر قوله: «من مات وعليه صيام..»: أن الميت يصوم عنه وليه في الصوم الواجب مطلقًا، سواء أكان صوم رمضان، أو صيام النذر، أو الكفارة؛ لعموم الحديث.

2 - في قوله: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» مسألتان:

الأولى: أن الأمر هنا محمول على الاستحباب، وصرفه عن ظاهره الذي قد يشير إلى الوجوب قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18].

الثانية: يُفهم من ظاهر الحديث أن القضاء خاص بالولي، ولكن قرر العلماء على أنه خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب وقوع ذلك من قريب الميت، ودلَّ على ذلك أنه تبرع، فأشبه قضاء الدين عنه، فيجزئ من الولي وغيره.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة