ما نُهِي عن صيامه:
قال الله تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28].
في آية سورة الحج جعل الله أيام العيد والتشريق أيام أكل وشرب والصوم ينافي ذلك.
692- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِلْـمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ»، متفق عليه، واللفظ للبخاري، زاد أبو داود: «غَيْرَ رَمَضَانَ». [وصحَّحها النووي في المجموع (6/392)].
693- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ»، متفق عليه.
694- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»، رواه الخمسة غير الترمذي، وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم، واستنكره العقيلي. [ضعَّفه ابن القيم في زاد المعاد (1/ 61)].
695- وعن نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لله عز وجل»، رواه مسلم.
696- وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم قالا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ»، رواه البخاري.
697- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا»، رواه الخمسة، واستنكره أحمد. [وابن معين فيما نقله ابن حجر في فتح الباري (4/ 129)، وأبو زرعة الرازي والأثرم فيما نقله ابن رجب في لطائف المعارف (ص 69)، وغيرهم].
698- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الـجمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ»، متفق عليه.
699- وعنه عن النبي ﷺ قال: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الـجمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الـجمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»، رواه مسلم.
700- وعن الصماء بنت بسر رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْه»، رواه الخمسة، ورجاله ثقات، إلا أنه مضطرب، وقد أنكره مالك، وقال أبو داود: (هو منسوخ). [أنكره يحيى القطان وأحمد فيما نقله ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/72) وغيرهم].
701- وعن أم سلمة رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَيَوْمُ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّهُما يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْـرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ»، أخرجه النسائي، وصحَّحه ابن خزيمة، وهذا لفظه. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 267) ].
702- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ»، متفق عليه، ولمسلم من حديث أبي قتادة بلفظ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ».
1 - نبيشة بن عبد الله بن عمرو الهذلي، سكن البصرة، ويقال له: نبيشة الخير، وقيل: إن سبب تسميته بذلك أنه اقترح على النبي مفاداة أسرى بدر، أو المنّ عليهم، فقال له النبي ﷺ: «أمرت بخير، أنت نبيشة الخير».
2 - الصماء: بهية أو بهيمة بنت بسر، أخت عبد الله بن بسر، تعرف بالصماء، روت عن النبي ﷺ هذا الحديث في النهي عن صيام يوم السبت إلا في فريضة.
- شَاهِدٌ: أي: مقيم في البلد غير مسافر.
- أيام التشريق: هي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشـر من ذي الحجة، وسميت بذلك؛ لأن الناس كانوا يشرِّقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا، وينشرونها لتجفَّ في الشمس.
- لِحَاءَ عِنَبٍ: اللحاء هو قشر الشجر.
- الأبد: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود.
- لا صام من صام الأبد: إما أن يكون دعاء على الصائم الذي صام الدهر، وإما أن يكون إخبارًا لا دعاء، والمعنى أنه لا يجد مشقة في الصيام؛ لكونه اعتاده حتى خفَّ عليه، فلم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب، فكأنه لم يصم، ولم تحصل له فضيلة الصيام.
- لا صام ولا أفطر: أي: لا صام فحصل أجر الصيام؛ لأن صيامه لم يكن بأمر الشـرع، ولا أفطر، حيث إنه لم يأكل ولم يشرب كفعل المفطرين.
1 - في حديث أبي هريرة دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تصوم تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه وموافقته.
2 - فإذا صامت بلا إذنه صح صيامها وأثمت؛ لاختلاف الجهة، فإن طلب منها أن تفطر وجب عليها ذلك، فإن أبت فهي عاصية، فإن كان غائبًا جاز لها أن تصوم.
وأما الصوم الواجب؛ كرمضان أداءً أو قضاءً، فلا يحتاج إلى إذن الزوج، فتصومه ولو كره ذلك، لا سيما إن ضاق عليها وقت القضاء؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
3 - إن كان زوجها حاضرًا، وقد هجرها ولا يستمتع بها، كما يقع من بعض الأزواج، أو عنده زوجة أخرى استغنى بها، أو كان عاجزًا عن الجماع لمرض ونحوه، فالأظهر أنها لا تستأذنه؛ لأن المنع كان لأجل الاستمتاع، فليس له أن يمنعها؛ لأن المنع كان لاستيفاء حقه، فإذا لم يقدر على الاستمتاع فلا معنى للمنع[1].
4 - الإذن من الزوج لا يشترط فيه التصريح، بل إذا علمت من قرائن الحال ما يدل على الرضا بذلك كفاها ذلك، فإنَّ الإذن العرفي كالإذن اللفظي[2].
5 - وفي حديث أبي سعيد دليل على تحريم صيام يومي عيد الفطر والأضحى، وهذا مجمع عليه [3].
6 - وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم استحبابه للحاج، ولو كان قويًا[4].
7 - وفي حديث عائشة وابن عمر دليل على أنه لا يجوز صيام أيام التشـريق بلا خلاف كما حكاه ابن عبدالبر [5].
8 - وفيه أنه يستثنى من المنع من صيامها: المتمتع والقارن الذي لم يجد الهدي؛ فإنه يجوز له صيام أيام التشريق الثلاثة، وهو قول الجمهور[6].
9- في حديث أبي هريرة الثالث النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، وجمهور العلماء على أنه يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث الوارد فيه[7].
10- ودلَّ حديثا أبي هريرة الرابع والخامس على كراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام، وتزول الكراهة إذا لم يخصص الجمعة بالصوم، بأن يصوم قبله يومًا أو بعده يومًا مواليًا له، وكذلك إذا صادف يوم الجمعة عادة للإنسان، كما لو كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة، ومثل ذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عرفة فإنه يصومه إن لم يكن حاجًا؛ لأنه لم يصمه لكونه يوم جمعة، وإنما لكونه يوم عرفة[8].
11- وفي حديث الصماء دليل على كراهة إفراد صيام يوم السبت، وهو مذهب الجمهور، فإن صام يومًا قبله أو بعده معه لم يكره[9].
12 - وأما حديث أم سلمة، ففيه دليل على جواز صيام يوم السبت ويوم الأحد؛ بل ظاهره يدل على الاستحباب؛ لأن في صيامهما مخالفةً لليهود والنصارى؛ لأن السبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى، فأحب النبي ﷺ أن يخالفهم، فكان يصوم هذين اليومين؛ لأن العيد في شرعنا لا يشـرع صيامه، كما تقدم، ففي صيامهما مخالفة للمشركين، قالوا: وهذا الحديث يدل على نكارة حديث الصماء، وأم سلمة أدرى بأحوال النبي ﷺ من الصماء[10].
13 - ودلَّ حديث عبد الله بن عمرو على النهي عن صيام الدهر، والمراد به: سرد الصوم متتابعًا في جميع الأيام، باستثناء الأيام التي نهي عن صيامها، وهي العيدان والتشريق.
وقد حمله جماعة على التحريم، منهم ابن حزم[11]، والجمهور على عدم كراهة صيام الدهر لمن قوي عليه ولم يفوت به حقًّا، بشرط ألَّا تُصام الأيام التي نهي عنها كالعيدين، وأيام التشريق، قال النووي: (وبه قال عامة العلماء) [12]. ورجَّح شيخ الإسلام القول بكراهة صوم الدهر مطلقًا[13]؛ لظاهر الأدلة التي تدل على الكراهة.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من المقاصد: نهي المرأة عن أن تصوم تطوعًا وزوجها حاضر إلا بإذنه وموافقته؛ لأن حق الزوج واجب على زوجته، ومن حقوقه الاستمتاع بها، وصومها قد يمنعه من ذلك، وصيام غير الفرض مستحب، والقيام بحق الزوج واجب، والواجب مقدم على المستحب.
2 - ينبغي أن يكون بين الزوجين عشرة حسنة، ومعاملة طيبة؛ فكل منهما يعاشر صاحبه بالإحسان والمعروف؛ لتدوم الصحبة، وتستمر العشرة.
3 - عيد الفطر وعيد الأضحى هما عيدا المسلمين، اللذان يظهر المسلمون فيهما السـرور والفرح والبهجة، فهما يوما شكر لله تعالى على صيام شهر رمضان، وعلى القيام بمناسك الحج، وذبح الهدي والأضاحي.
وهما يوما فرح للمسلمين يتوسعون فيهما بالمباحات والطيبات، ولعل من الحكمة في تحريم صومهما، ووجوب فطرهما: تمييز شهر الصيام عن شهر الفطر في عيد الفطر، والتمتع في الأكل من الأضاحي والهدي التي أمر الله تعالى بالأكل منها بقوله: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ [الحج: 36]، والصيام عزوف عن هذه السنة[14].
4 - قال النووي عن صيام يوم الجمعة: (الحكمة في كراهة صومه أنه يوم دعاءٍ، وذكرٍ، وعبادةٍ، فاستحب الفطر فيه؛ ليكون أعون عليها، ولأنّه عيد الأسبوع الذي هدى الله إليه هذه الأمة، حينما أضل عنه اليهود الذين عظَّموا السبت، وأضلَّ عنه النصارى الذين عظَّموا يوم الأحد، فالحمد لله على نعمته وهدايته)[15].
5 - في حديث أم سلمة دليل على مشروعية مخالفة أهل الكتاب، والعلماء اتَّفقوا على تحريم تقديم الهدايا في أعياد الكفار الدينية، وتهنئتهم بأعيادهم التي يتعبدون بها، ففيه خطورة تؤدي إلى الكفر، ولهذا فإنه ينبغي للمسلم مخالفة أهل الكتاب في أعيادهم وعبادتهم، وأن يقصد هذه المخالفة، كما كان النبي ﷺ يصوم السبت والأحد؛ قصدًا ولمخالفة المشركين من أهل الكتاب[16].
6 - في الحديث الأخير إرشاد للأمة إلى مصالحهم، وقصر لهم على ما يطيقون الدوام عليه، فإنَّ أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.
7 - وفيه نهي لهم عن التعمق والتنطع في العبادات؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ ] الحديد:27[، وقال ﷺ: «لا رهبانية في الإسلام». وذلك أنّ من حق النفس اللطف بها[17].
1 - قوله: «وزوجها شاهد» يدل بفهوم المخالفة على أنه إن كان غائبًا جاز لها أن تصوم، ولا تحتاج إلى إذنه، ولأن صيامها في حال غيبته لا يضيع عليه حقًّا من حقوقه.
2 - الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا زالت العلة زال الحكم، ولهذا ذكر العلماء أن زوجها إن كان حاضرًا وقد هجرها ولا يستمتع بها: أنها لا تستأذنه؛ نظرًا إلى المعنى؛ فإن العلة التي من أجلها منعت من صوم التطوع -وهي مراعاة حقوقه، ومنها حق الاستمتاع - مفقودة هنا.
3 - قال الشيخ ابن عثيمين: (وهذا الحديث [يعني حديث النهي عن صوم يوم عرفة للحاج] في صحته نظر، لكن يؤيده أن الناس شكُّوا في صومه ﷺ يوم عرفة، فأرسل إليه بقدح من لبن فشربه ضحى يوم عرفة والناس ينظرون إليه؛ ليتبين لهم أنه لم يصم... ولهذا فالصواب أن صوم يوم عرفة للحاج مكروه، وأما لغير الحاج فهو سنة مؤكدة)[18].
4 - قال الشوكاني: ظاهر حديث أبي قتادة: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقًا، وظاهر حديث عقبة بن عامر: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشـريق عيدنا أهل الإسلام» أنه يكره صومه مطلقًا؛ لجعله قريبًا في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك بأنها عيد، وأنها أيام أكل وشرب، وظاهر حديث أبي هريرة: «نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة» أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بين الأحاديث: بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد، مكروه لمن كان بعرفات حاجًا[19].
5 - منطوق حديث النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، معارض لمفهوم حديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين»؛ لأن هذا الحديث فيه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فيفهم منه جواز ما قبل ذلك، فضلا عن أن ذاك حديث مختلف في صحته، فيقدم هذا عليه، وعلى القول بصحته، فهو محمول على من يصوم نفلًا مطلقًا ابتداءً من النصف من شعبان، أما من له عادة بصيام الإثنين والخميس مثلًا، فلا يدخل في النهي.
6 - حديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام محمول على الكراهة، والصارف للنهي إلى الكراهة قوله: «إلا أن يصوم قبله أو بعده»، فدل ذلك على أن النهي عن صومه ليس للحتم، كما هو الحال في صوم عيدي الفطر والأضحى اللذين لا يجوز صيامهما بحال.