ليلة القدر:
قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: 185].
وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ٢ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ٣ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ٤ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1-5].
في آية البقرة أن القرآن نزل في رمضان، وفي سورة القدر أنه نزل في ليلة القدر، والقرآن يصدِّق بعضه بعضًا، فليلة القدر في رمضان.
712- عن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الـمَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ»، متفق عليه.
713- وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «تحرُّوا ليلة القدر في الوتر من العشـر الأواخر من رمضان»، رواه البخاري.
714- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشـر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه - قال: «من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر»، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فأبصـرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين، متفق عليه.
715- وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، رواه أبو داود، والراجـح وقفه. [كما قال أحمد فيما نقله ابن رجب في لطائف المعارف (ص76)، والدارقطني في العلل (3/272) وغيرهما]، وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولًا أوردتها في فتح الباري.
716- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله: أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللهمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، رواه الخمسة غير أبي داود، وصحَّحه الترمذي والحاكم. [أعلَّه بالانقطاع الدارقطني في العلل (9/ 88)، والبيهقي في الكبير (14/119)].
- أُروا: أي: أراهم الله تعالى.
- ليلة القدر: اختلف العلماء في سبب تسميتها بذلك؛ فقيل: إن ذلك من عِظَم القدر والشرف والشأن، والعمل فيها له قدرٌ عظيمٌ، وقيل: لأن الله تعالى يقدِّر فيها الأرزاق والآجال وما هو كائن، ولهذا سميت بأنها: ليلة الحكم والفصل، وقيل: لأنها تكسب من أحياها قدرًا عظيمًا لم يكن له قبل ذلك، وتزيده شرفًا عند الله تعالى.
- السبع الأواخر: أي: البواقي، وهي من ثلاث وعشرين إن كان الشهر ناقصًا، ومن أربع وعشرين إن كان الشهر تامًّا.
- تواطأت: أي: توافقت.
- مُتَحَرِّيها: التَحَرِّي: قصد وطلب ما هو أجدر وأولى؛ والمعنى: الأجدر والأولى أن تلتمسوها في السبع الأواخر.
- عريش: العريش: ما يُستظل به
- فوكف المسجد: أي: قطر من سقفه.
- العَفْو: الصفح عن الذنوب، ومن أسماء الله تعالى العفُوُّ.
1 - أجمع من يعتد به من العلماء على دوام ليلة القدر ووجودها إلى آخر الدهر، وشذ قوم فقالوا: كانت خاصة برسول الله ﷺ ثم رفعت.
2 - في حديث ابن عمر دليل على جواز العمل بالرؤيا الصالحة إذا دلَّت القرينة على صدقها ولم تخالف الشرع، ومن القرينة أن تتفق الرُّؤى على شيء؛ فهذا مما يشهد بصدقها.
3 - وفيه أيضا دلالة على العمل بقول الأكثر والكثير في الرؤيا وغيرها من الأحكام، بشـرط ألا يخالف نصًّا ولا إجماعًا، ولا قياسًا جليًا.
4 - وفيه وفي حديث عائشة دليل على أن ليلة القدر في رمضان، وأنها في العشر الأواخر منه، ومن حرص عليها، فإنه يتحراها في السبع الأواخر منه.
5 - وفي حديث عائشة دليل أنه ينبغي تحرِّيها في الأوتار من العشر الأواخر، ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشـرين، والسابع والعشـرين، والتاسع والعشـرين، قال الحافظ ابن حجر: (وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين)[1].
6 - في حديث أبي سعيد أن السنة للمصلي ألا يمسح جبهته في الصلاة، وهو محل اتفاق.
7 - جاء في حديث معاوية تعيين ليلة القدر بأنها ليلة سبع وعشرين، قال الحافظ ابن حجر: (القول بأنها ليلة سبع وعشرين، هو الجادّة من مذهب أحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وبه جزم أبيّ بن كعب، وحلف عليه، كما أخرجه مسلم..، وأرجَّحها كلها: أنها في وترٍ من العشر الأخير، وأنها تنتقل، كما يُفهم من أحاديث هذا الباب)[2].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر: أن يحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عُيِّنت لها ليلةٌ لاقتُصِر عليها.
2 - وفي حديث عائشة رضي الله عنها دليل على فضل الدعاء في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر، وأنه يستحب لمن وفَّقه الله أن يكثر من الدعاء، ويدعو بما أرشد إليه النبي ﷺ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ لأنه دعاء عظيم جامع، فيه إظهار الذل والانكسار بين يدي الله تعالى؛ وأن العبد محل للذنوب؛ ولأن نِعم الله عليه لا تحصى، وهو محل للتقصير، فهو لا يسأل إلا العفو، مهما كان اجتهاده وعمله الصالح، وهذه عائشة رضي الله عنها قد شهد لها النبي ﷺ بالجنة، ومع هذا علَّمها النبي ﷺ بأن تدعو ربها أن يعفو عنها، فغيرها من باب أولى[3].
3 - قال ابن رجب: (وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا، ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو؛ كحال المذنب المقصِّر)[4].
1- قاعدة: قد يرتب الشرع على الفعل اليسير مثل ما يرتب على الفعل الخطير، ولا يعني هذا المساواة من كل وجه، كما رتب غفران الذنوب على الحج المبرور، ورتب مثل ذلك على موافقة تأمين المصلي تأمين الملائكة، ورتب غفران الذنوب على قيام ليلة القدر، كما رتبه على قيام جميع رمضان، فهذه الطاعات وإن تساوت في التكفير، فلا تساوي بينها في الأجور؛ فإن الله سبحانه وتعالى رتب على الحسنات رفع الدرجات وتكفير السيئات، ولا يلزم من التساوي في تكفير السيئات التساوي في رفع الدرجات[5].
2 - قاعدة: (الأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورأيها):
فإن ما تواطأوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا كما تواطأوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه وقد تعددت منهم رؤيا ليلة القدر: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر..»، فاعتبر ﷺ تواطؤ رؤيا المؤمنين، ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم[6].
3 - قال الشاطبي -رحمه الله-: (كل ما أخبر به رسول الله ﷺ فهو كما أخبر، وهو حق وصدق، مُعْتَمَدٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَنْهُ، سواء علينا انبنى عليه في التكليف حكم أم لا، كما أنه إذا شرع حكمًا أو أمَرَ أو نَهَى؛ فهو كما قال ﷺ، لا يفرَّق في ذلك بين ما أخبره به الملك عن الله، وبين ما نفث في روعه وألقي في نفسه، أو رآه رؤية كشف واطلاع على مغيب على وجه خارق للعادة، أو كيف ما كان؛ فذلك معتبر يُحتجُّ به ويبنى عليه في الاعتقادات والأعمال جميعًا؛ لأنه ﷺ مؤيد بالعصمة، وما ينطق عن الهوى. فمثاله قوله: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر»؛ فهذا بناء من النبي ﷺ على رؤيا النوم. ونحو ذلك وقع في بدء الأذان، وهو أبلغ في المسألة) [7].