محظورات الإحرام:
قال الله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197].
وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196].
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29].
في قوله تعالى: ﴿ ﭐ فَلَا رَفَثَ ﴾ نفي يراد به المبالغة في نهي المحرم عن الجماع ودواعيه والحديث عنه عند النساء، ويدخل في ذلك عقد النكاح. و(الفسوق) ارتكاب ما نهي عنه حال الإحرام كما قال ابن جرير، وكذا كل معصية كما اختاره ابن كثير.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ نهي عن الجدال، وهو التنازع.
وفي قوله تعالى للحاج بعد فراغه: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴾ ما يفيد النهي عن التجمُّل والتطيب وقص الأظافر قبل هذا الوقت، أي: فالنهي عنه حال الإحرام لمنافاته للتفث المذكور في الآية، وكذا نهى الله المحرم عن حلق الشعر بقوله: ﴿ ﭐ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ﴾ .
743- عن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ الْـمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ»، متفق عليه.
744- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سروايل»، متفق عليه.
745- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، متفق عليه.
746- وعنها قالت: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أُرِيدُ الْـحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»، متفق عليه.
747- وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَنْكِحُ الْـمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ»، رواه مسلم.
- القميص: ما يفصل على هيئة البدن من الثياب، ويلبس على الجلد وهو شبه الدِرع.
- العمائم: جمع عمامة وهو ما يلف به الرأس، السَّرَاوِيلَات: السراويل: هو ما يخاط على قدر الرِّجلين، بعزل كل واحدة عن الأخرى.
- البرانس: جمع بُرنس، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به.
- الخفاف: جمع خُفٍّ، وهو ما يلبس على الرِّجل من جلد ونحوه.
- الوَرْس: وهو نبت أصفر طيب الريح يصبغ به.
- حُجِّي واشترطي: أي: أحرمي بالحج، واجعلي لك عند الإحرام شرط التحلل متى احتجتِ إليه في حجك.
- محلي حيث حبستني: أي: موضع إحلالي من الإحرام حيث عجزت عن الإتيان بالمناسك بسبب عارض؛ كالمرض، ونحوه.
1 - في حديث ابن عمر دليل على أن من محظورات الإحرام: تغطية الرأس بملاصق، مثل: الطاقية، والعمامة، وقد أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه[1].
2 - تجوز تغطية الرأس بغير ملاصق، فإن كان بمنفصل غير تابع، كسقف الخيمة والبيت فجائز بالاتفاق[2]، فإن كان بمنفصل تابع، كالمظلة، وسقف السيارة، فالجمهور على الجواز[3]؛ لما أخرجه مسلم حين رمى النبي جمرة العقبة وانصـرف وهو على راحلته، ومعه بلالٌ وأسامة أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس.
3 - وفي حديثي ابن عمر وابن عباس دليل على أن من محظورات الإحرام: لُبْس المخيط للرجال أثناء الإحرام، وهو مجمع عليه[4]، وليس المراد من المخيط ما فيه خيط، وإنما المخيط: المفصَّل على قدر البدن أو العضو بحيث يحيط به ويستمسك عليه بنفسه، سواء كان بخياطة أو غيرها، مثل القميص والسراويل وما أشبهه.
4 - ولا بد في المخيط من اللُّبس، فلو اتَّزر بالقميص مثلًا، فإنه لا يعد محظورًا.
5 - قال شيخ الإسلام: (والسنة أن يحرم في إزارٍ ورداءٍ سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين، باتفاق الأئمة، ولو أحرم في غيرهما جاز إذا كان مما يجوز لبسه، وكذلك يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، ولا يلبس ما كان في معنى السـراويل: كالتبان [سروال قصير] ونحوه) [5].
6 - جاء في الحديثين أنه يستثنى مما يحرم لُبسه شيئان:
الأول: لبس الخفين لمن لا يجد النعلين، وفي حديث ابن عباس عدم اشتراط القطع، وهو ما ذهب إليه الحنابلة، وجاء في حديث ابن عمر القطع أسفل من الكعبين، واشتراط أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين هو مذهب الجمهور[6].
الثاني: للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار إلى أن يجده بقدرته على شرائه، أو يجده بعد ضياع، ونحو ذلك، قال ابن قدامة: (لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، والخفين إذا لم يجد نعلين)[7].
7 - وظاهر إذن النبي ﷺ في حديث ابن عباس عدم إيجاب الفدية عليه إذا لبس السـراويل عند عدم وجود الإزار، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة [8].
8 - ودلَّ حديث ابن عمر أيضًا على أن من محظورات الإحرام: استعمال المحرم للطِّيب في بدنه وثيابه، وقد أجمع العلماء على أن المحرم ممنوع من الطيب[9].
9 - في الحديث تحريم الورس والزعفران، قال النووي: (أجمعت الأمة على تحريم لباسهما؛ لكونهما طيبًا، وألحقوا بهما جميع أنواع ما يقصد به الطيب)[10].
10- جاء في حديث عائشة استحباب التطيب قبل الإحرام، ويلزم منه جواز استدامة الطيب في الرأس واللحية بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب لا استدامته.
11- ويستثنى من تحريم الطيب كذلك شم الطيب بلا قصد؛ لأن الشم جاءه بدون إرادة منه، وكذلك الروائح المطيَّبة لا تلحق بالطيب، كالصابون المعطَّر، ولكن تركه أولى.
12- وفي حديث عائشة رضي الله عنها الثاني دليل على جواز الاشتراط عند الإحرام، وأن من اشترط ثم عرض له العذر، فإنه يجوز له التحلل، ولا يلزمه شيء، وسيأتي مزيد كلام عليه.
13- ودلَّ حديث عثمان على أن من محظورات الإحرام: عقد النكاح حال الإحرام، وظاهر الحديث يدل على أن عقد النكاح لا يصح لو وقع حال الإحرام، سواء أكان المحرم هو الزوج، أو الزوجة، أو الولي، وهذا قول الجمهور [11].
14- تتمة: من محظورات الإحرام: الجماع، قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن من وطئ قبل أن يطوف ويسعى أنه مفسد) [12]، وأما المباشرة بغير جماع: فيجب على من فعل شيئًا منها الدم سواء أنزل منيًّا أو لم ينزل، ولا يفسد حجه اتفاقًا بين الحنفية والشافعية والحنابلة، إلا أن الحنابلة قالوا: إن أنزل وجب عليه بدنة، ومذهب المالكية أن من أنزل المني بمقدمات الجماع فسد حجه[13] .
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الأصل في الجواب المطابقة، والزيادة المقيِّدة عليها حسنة، وهذا السائل سأل عما يلبس فأجابه ﷺ بما لا يلبس وهو من بديع الكلام وجزله فإن المسؤول عنه غير منحصـر إذ الأصل الإِباحة، فأجاب بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به.
2 - قال النووي: (وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع، ولأنه ينافي تذلل الحاج، فإن الحاج أشعث أغبر، وسواء في تحريم الطيب الرجل والمرأة، وكذا جميع محرمات الاحرام سوى اللباس) [14].
3 - الإحرام في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة، فيه تصوير الإخلاص والتعظيم وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر.
4 - وفيه جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة وأنواع التجمل.
5 - وفيه تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغبر لله.
6 - وإنما شرع أن يجتنب المحرم هذه الأشياء؛ تحقيقًا للتذلل وترك الزينة، والتشعث، وتنويهًا لاستشعار خوف الله وتعظيمه، ومؤاخذة نفسه ألا تسترسل في هواها، وحرم الصيد لأنه تلهٍ وتوسع، وحرم الجماع لأنه انهماك في الشهوة البهيمية، وإذا لم يجز سد هذا الباب بالكلية؛ لأنه يخالف قانون الشرع، فلا أقل من أن ينهى في بعض الأحوال، كالإحرام والاعتكاف والصوم، وبعض المواضع كالمساجد[15].
1 - طريقة الجمع بين حديث ابن عباس: «مَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ»: وفيه عدم اشتراط القطع، وحديث ابن عمر: «فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين»:
حمل الجمهور المطلق على المقيد، فأخذوا بالتقييد الوارد في حديث ابن عمر: وهو اشتراط أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، لا سيما وقد اتحد الحكم والسبب[16].
وأخذ الحنابلة بظاهر حديث ابن عباس من جواز لبسهما بدون قطع استدلالًا بأدلة أخرى، ومنها أن حديث ابن عباس موافق للقياس من أنه ملبوس أبيح لعدم غيره، فأشبه السراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، وفيه إتلاف لماله، وقد قال عليٌّ رضي الله عنه: «قطع الخفين فسادٌ، يلبسهما كما هما»، وهذا كله يشير إلى نسخ حديث ابن عمر الذي كان بالمدينة، وحديث ابن عباس متأخر بعرفات، والمقام مقام تعليم، والناس متوافرون بكثرة، والحاجة داعية إلى البيان، ولو كان القطع واجبًا لبينه النبي ﷺ [17].
2 - قاعدة: (المتولد من مأذون فيه لا أثر له بخلاف المتولد من منهي عنه) و(ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون):
ومن فروع هذه القاعدة: لو تطيب قبل الإحرام فسرى إلى موضع آخر بعد الإحرام، فلا كفارة فيما تولد منه.
ومنها: أن من لم يجد إزارًا فلبس السراويل لا تجب عليه الفدية؛ وذلك لظاهر إذن النبي ﷺ، فهو صريح في الإباحة، ظاهر في إسقاط الفدية؛ لأنه أمر بلبسه ولم يذكر فدية، فما ترتب على المأذون فهو غير مضمون.
3 - قاعدة: (يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء)[18]:
ومن فروع هذه القاعدة: الطيب في الإحرام، فيجوز بقاؤه إذا كان قبل الإحرام، ولا يجوز ابتداؤه في الإحرام.
4 - ذهب الحنفية إلى جواز عقد النكاح للمحرم، واستدلوا بما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم.
لكن ميمونة روت أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال، رواه مسلم، فقولها مقدم؛ لأن ميمونة هي صاحبة القصة، وصاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره، لأنه أعرف بالحال من غيره، ومما يرجِّح ذلك أيضًا أن أبا رافع رسوله إليها يخطبها عليه، وكان مباشرا للواقعة وأعلم من غيره بها؛ أخبر أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال[19].
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ٩٥ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [المائدة: 95 -96].
وقال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة: 1].
في قوله تعالى: ﴿ لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ نهي، وهو عموم يقتضي تحريم قتل الصيد حال الإحرام، سواء كان في الحل أو في الحرم، ويقتضي تحريم أكل الصيد الذي صيد من أجله؛ لأن المقصود كما يقول شيخ الإسلام: (استحياء الصيد واستبقاؤه من المحرمين، وألا يتعرضوا له بأذى).
وهذا النهي مخصوص بصيد البر؛ لقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ .
والصيد الذي يُضمن جزاؤه هنا هو الحيوان البري الحي ويكون أصله متوحشًا، فإذا كان مباحًا أكله ضُمن بلا خلاف، وخرجت الأنعام للتقسيم المذكور في قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة: 1]. وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ تقييد الجزاء بشرط العمد.
748- عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الحِمَارَ الوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَـيءٍ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحمِهِ»، متفق عليه.
749- وعن الصعب بن جثَّامة الليثي رضي الله عنه أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»، متفق عليه.
750- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِق، يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالْـحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ»، متفق عليه.
الصعب بن جثَّامة الليثي، هاجر إلى النبي ﷺ، وعداده في أهل الطائف، كان ينزل بودان من أرض الحجاز، شهد فتح فارس، عاش إلى خلافة عثمان.
- الصيد: هو الحيوان البري، المتوحش أصلًا، المأكول اللحم.
- بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ: مكانان بين مكة والمدينة.
- من الدواب: جمع دابة، وهي كل ما يدب على الأرض.
- فواسق: الفسق هو الخروج والتعدي؛ فالغراب فاسق يؤذي، وقد يخطف عين الحيوان، وكذلك الحدأة مؤذية، وتأخذ اللحم من بين أيدي الناس، والعقرب أذاها معروف، والفأرة قد تحرق بجر الفتيلة وتؤذي وتفسد، والكلب العقور قد يعض وقد يقتل، وهكذا الحية.
- الحِدَأَةُ؛ بكسر الحاء وفتح الدال: طائر يأكل الجرذان.
1 - لا يجوز قتل الصيد في حال الإحرام بالإجماع [20].
2 - أجمع العلماء على أن صيد البحر للمحرم مباح اصطياده، وأكله، وبيعه، وشراؤه[21].
3 - دل حديث أبي قتادة على تحريم مساعدة المحرم على الصيد بأي وجه؛ كالدلالة على الصيد، أو الإشارة إليه، أو إعارة سلاح، أو مناولة سكين، ونحوه [22].
4 - جواز اصطياد الحلال الصَّيدَ المباح وهو إجماع.
5 - وفيه دليل على أن ما صاده الحلال للمحرم أو من أجله، فإنه يحرم عليه، وما صاده الحلال لنفسه، أو لحلال آخر، فلا يحرم على المحرم، وهذا قول الجمهور [23].
6 - بينما جاء ظاهر حديث الصعب بن جثامة على أنه يحرم على المحرم الأكل من الصيد مطلقًا، ولهذا قيل بأنه ناسخ لحديث أبي قتادة، فحديث الصعب كان في حجة الوداع، وحديث أبي قتادة كان في غزوة الحديبية وبينهما أربع سنوات، وبه قال طائفة من الصحابة والتابعين، والراجح هو قول الجمهور الذي سبق بيانه.
7 - وفيه أن السنة عدم تفرُّق الرفقة في السفر.
8 - وجواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردها.
9 - ومنع وضع اليد على الصيد المحرم بطريق التملك.
10- ودلَّ حديث عائشة رضي الله عنها على أنه يجوز للحلال والمحرم قتل العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور، وكذلك الحية، كما رواه الشيخان.
11- اتفق العلماء على جواز قتل هذه الفواسق في الحل والحرم والإحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناها، ثم اختلفوا في المعنى فيها وما يكون في معناها، والراجح أن علة ذلك كونها مؤذية، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا، فما كان مثلها أو أشد منها، فإنه يقتل، فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذىً للناس في أنفسهم، أو أموالهم، مثل سباع البهائم كلها المحرَّم أكلها، وجوارح الطير، والحشـرات المؤذية، والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث، والذباب[24].
12- اختلف العلماء في المراد بالكلب العقور. فقيل: هو الإِنسـي المتخذ، وقيل: كل عاد مفترس كما تقدم، والجمهور على الثاني.
13- لا يحرم على المحرم ذبح الحيوان المستأنس؛ كالغنم، والدجاج، وأما ما كان أصله صيدًا، فلا يجوز قتله - ولو ذبحًا - فلو أن المحرم ذكَّى حمامة، أو غزالة، فكما لو صادها؛ لأن تذكيته لهذا الصيد لا يخرجه عن كونه محرَّمًا عليه بالإجماع[25].
14- ومن قتل الصيد في الحرم فيجب عليه جزاء الصيد، وهو:
أ- إن كان للصيد مثل خُيِّر بين ثلاثة أشياء: إما ذبح المثل وتوزيع جميع لحمه على فقراء مكة، وإما أن يُنظر كم يساوي هذا المثل، ويُخرج ما يقابل قيمته طعامًا يفرَّق على المساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يومًا.
ب- فإن لم يكن للصيد مثل خُيِّر بين شيئين: إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول، ويخرج ما يقابلها طعامًا ويفرقه على المساكين، لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ [المائدة: 95].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- قوله ﷺ للصعب بن جثَّامة: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»، من دماثة أخلاقه وتواضعه ورفقه بالناس ومراعاته لنفسياتهم؛ فإنه بيَّن له أن سبب ردِّه كونه مُحرمًا.
2 - وفيه أن من الأدب حسن الظن وقبول عذر الإخوان؛ إذ قد يمتنعون عن الشـيء ولهم عذر لا يعلمه الآخر.
1- قال في حجة الله البالغة: (لا بد من ضبط الصيد؛ فإن الإنسان قد يقتل ما يريد أكله، وقد يقتل ما لا يريد أكله، وإنما يريد التمرن بالاصطياد، وقد يقتل يريد أن يدفع شره عنه أو عن أبناء نوعه، وقد يذبح بهيمة الأنعام؛ فأيّها الصيدُ؟ فقال النبي ﷺ: «خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة، والغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور»، والجامع لذلك: المؤذي الصائل على الإنسان أو على متاعه. فإنه إذا رجع إلى استقراء العرف لا يقال له: صيد، وكذلك بهيمة الأنعام والدجاج وأمثالهما مما جرت العادة باقتنائه في البيوت لا تسمى صيدًا، وأما الأقسام الأخر، فالظاهر أنها صيد)[26].
2 - الجمع بين الأحاديث - إن أمكن - أولى من اطراح البعض، والجمع بين حديثي أبي قتادة والصعب بأن حديث الصعب محمول على أنه صِيدَ لأجله ﷺ، وحديث أبي قتادة محمول على أنه صاده لنفسه، وبهذا يحصل الجمع بينهما.
3 - الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فعلى القول الراجح بأن علة قتل الفواسق كونها مؤذية، فيجوز للمحرم قتل كل مؤذٍ، وما لم يكن مؤذيًا للإنسان -لا في نفسه، ولا في ماله- فلا يجوز قتله [27].
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة: 196]. في قوله تعالى: ﴿ ﭐ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ﴾ نهي يقتضي التحريم، فمن حلق لعذر فعليه الفدية المذكورة.
751- عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ -وَهُوَ مُحْرِمٌ- فِي رَأسِهِ»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
752- وعن عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة رضي الله عنه فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة قال: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ»، متفق عليه. وفي رواية: فأمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقًا بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام.
كعب بن عجرة الأنصاري القضاعي السالمي المدني، من أهل بيعة الرضوان، شهد الحديبية، ونزلت فيه الآيات في الفدية، وقد قطعت يده في إحدى الغزوات، توفي سنة (51).
- الفَرَقُ؛ بفتحتين: هو مكيال مقداره ثلاثة آصع.
1 - من محظورات الإحرام: حلق شعر الرأس أثناء الإحرام بالإجماع[28].
2 - وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك، وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه، أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قلع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر وإن لم تتضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه فهي جائزةعند الجمهور ولا فدية فيها[29].
3 - يلحق بحلق شعر الرأس: حلق شعر بقية البدن، بجامع الترفُّه في كل منهما، فيدخل في هذا الحكم حلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وغير ذلك، وهو قول الجمهور[30]؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴾ [الحج: 29].
4 - وفي حديث كعب بن عجرة دليل على أنه يجوز للمحرم حلق رأسه من علة أو مرض، وهو أمـر مجمع عليه، وأجمعـوا على وجوب الفديـة على المحرم الذي حلق[31]؛ لقولـه تبارك وتعـالى: ﴿ ﭐ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة : 196].
5 - وفيه: أن من حلق فعليه فدية، وفدية الأذى: إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة، أو متفرقة، أو ذبح شاة، فتذبح وتوزع على الفقراء، للآية السابقة[32].
6 - اختلف العلماء فيمن فعل محظورًا غير متعمدٍ؛ كأن يكون جاهلًا، أو ناسيًا، أو مكرهًا -بعد اتفاقهم على أنه لا إثم عليه- اختلفوا في الفدية عليه، فالجمهور على أن العمد والنسيان سواء، وذلك في الوطء، والحلق، والتقليم، والصيد، وأما اللبس، والطيب، وتغطية الرأس، فتسقط بالنسيان، ونحوه. وذهب الشافعية، وهو رواية عن أحمد إلى أن جميع المحظورات تسقط بالجهل، أو النسيان، أو الإكراه، وأن المعذور بهذه الأعذار لا يترتب على فعله شيء إطلاقًا[33]، وهو اختيار ابن تيمية، ورجَّحه ابن عثيمين [34].
7 - فدية الأذى غير مختصة بالحلق، والمحظورات من حيث الفدية على ما يلي:
أ - ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح.
ب - ما فديته مُغلَّظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
جـ - ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.
د - ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات، ففدية الأذى تكون في: إزالة الشعر، والظفر، وتغطية الرجل رأسه، ولبسه المخيط، ولبس القفازين، وانتقاب المرأة، واستعمال الطيب، والفدية في كل واحد من هذه المحظورات - كما سبق -: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم، وإما صيام ثلاثة أيام، يختار ما شاء من هذه الأمور الثلاثة، فإن اختار الشاة فرق جميع اللحم على الفقراء، ولا يأكل منه شيئًا[35].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - رفق النبي ﷺ بأصحابه، وملاطفته لهم، وخفض جناحه لهم؛ كما قال ﷺ لكعب ابن عجرة: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى...».
2 - يُسر الشريعة في مراعاة أحوال العباد، وإيجاد البدائل، وتشريع الفدية والكفارات؛ ليكون لهم سعةٌ من أمرهم.
1 - قاعدة أصولية: (العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب): ومن ذلك حديث كعب، حيث قال بعد ذكر الفدية الواردة في الآية، قال: «فنزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة».
2 - التفسير المتعلق بسبب النزول من الصحابي مرفوع إذا لم يضفه إليه، لقوله: «نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة».
3 - استدل الجمهور على عدم سقوط الفدية في الجماع بالنسيان، بأن الصحابة رضي الله عنهم لم يستفصلوا السائل عن العمد والعلم والنسيان والجهل، حين سُئِلوا عن حكم الجماع، وبالقياس على أن النسيان والجهل ليسا عذرًا في حقوق العباد، فكذا في حقوق الله تعالى، إنما هما عذر في سقوط الإثم فقط.
واستدل الشافعية بعموم الأدلة الدالة على سقوط المحرمات في حالة الجهل، والخطأ، وبمفهوم قوله تعالى في خصوص الصيد: ﴿ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ [المائدة: 95]، فقيد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمدًا، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمِّدًا فلا جزاء عليه ولا إثم[36].
4 - في حديث كعب بن عجرة دلالة على جواز الحلق لأذى القمل وقاسوا عليه ما في معناه من الضرر كالمرض.
5 - وفيه أيضًا دلالة على أنه إذا حلق لغير عذر أن الفدية تلزمه من باب التنبيه لأنه إذا وجبت في الضرر فالترفه أولى.
6 - حديث كعب بن عجرة نص على فدية الأذى في الحلق، أما بقية هذه المحظورات فقاسها أهل العلم على حلق الرأس فجعلوا فيها هذه الفدية؛ لأن ذلك يحرم في حال الإحرام فأشبه حلق الرأس.