فضل مكة والمدينة وأحكامهما:
قال الله تعالى آمرًا رسوله أن يقول: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 91] البلدة مكة.
وقال الله تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 80] مدخل صدق يعني المدينة. قال ابن كثير إنه أصح الأقوال في تفسيرها، واختاره ابن جرير. فلما تقابل المخرج الصدق (مكة) بالمدخل الصدق (المدينة) ناسب أن يتفقا في الحكم وأن يكون للنبي ﷺ سلطان في تحريم المدينة. والله أعلم
753- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا فَتَحَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ الله ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْـمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبلي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ الله، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ»، متفق عليه.
754- وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الـمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ»، متفق عليه.
755- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الـمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ»، متفق عليه.
- حبس عن مكة الفيل: أي: منعه من الدخول فيها حين جاء يقصد خراب الكعبة.
- لا يُنَفَّر صيده: أي: لا يزعج من مكانه.
- ولا يُختلى شوكها: أي: لا يؤخذ ويقطع.
- ساقطتها: الساقطة ما سقطت بغفلة من مالكها.
- إلا لمنشد: أي: لمعرِّف.
- الإذخر: نبت طيِّب الرائحة.
- وإنِّي دعوت في صاعها ومدِّها: أي: فيما يكال بهما.
- عَيْر -بفتح العين وإسكان الياء -: جبل يشرف على المدينة من جهة الجنوب.
- ثَوْر: جبل صغير يقع شمال المدينة خلف جبل أحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة.
1 - في حديث أبي هريرة دليل على تحريم مكة، وتحريم القتال فيها، وهذا الحكم ثابت لا ينسخ، بدليل قوله ﷺ: «وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي»، وكذلك يحرم تنفير صيدها، بأن يُزعج من مكانه، وقتله أولى بالتحريم، كما يحرم فيها أشياء يأتي ذكرها.
2 - وفي الحديث دليل على أنه لا تحل لقطتها إلا للتعريف، ولو مر عليها سنة، وهذا قول الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد وبعض المالكية، واختاره ابن تيمية[1].
3 - شجر الحرم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما لا يقطع إجماعًا، وهو الشجر الذي أنبته الله عز وجل.
القسم الثاني: ما يقطع إجماعًا، وهو ما زرعه الإنسان من البقول والنباتات، فهذه يقطعها؛ لأنه زرعها للقطع، سواء كانت تؤخذ للأكل أو للشم.
القسم الثالث: مختلف فيه، وهو ما زرعه الناس مما لا يؤكل، مثل الأثل وغيره من الأشجار التي توضع من أجل تلطيف الجو أو للاستظلال، فهذه فيها خلاف في جواز قطعها وعدمه، والراجح أن ذلك جائز خاصة للحاجة، وإلا فإن قطع الشجر لغير حاجة ورد فيه بعض النهي[2].
4 - ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء.
5 - القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية وهو أحد قولي الشافعي وأصحهما عنده: أنَّ الواجب القصاص، والدية بدل عند سقوطه، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا.
6 - حديث عبد الله بن زيد دليل على أن النبي ﷺ حرم المدينة وأنها حرم، وذلك بألا ينفر صيدها، ولا يقطع شجرها، ولكن ليس في صيد المدينة جزاء على القول الراجح.
7 - حديث عليٍّ دليل على أن حرم المدينة يحده من الناحية الجنوبية جبل عير ويحدها من الجهة الشمالية: جبل ثور، أما حدها الشرقي والغربي فهما الحرتان الشرقية والغربية.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قد يكون النهي عن قطع شجر مكة من أجل أن تكون محمية بأوامر إلهية، ونحن نشاهد ما يعانيه العالم بسبب الاحتباس الحراري وتغير المناخ الناتج عن قلة الأشجار، وما يترتب على تغير المناخ من الأضرار في فيضانات البحار، وفي انتشار الأمراض والأوبئة.
2 - وفي الحديث دليل على فضل المدينة، وخيريتها على غيرها من البقاع خلا مكة [3].
3 - أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق قال النووي: (والظاهر أن البركة في نفس المكيل في المدينة، بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها، والله أعلم»، قال الشيخ ابن باز رحمه الله: «ومن سكن المدينة يعرف ذلك، يعرف ما فيها من البركة في طعامها وشرابها، وما يحصل لأهلها من الكفاية بالقليل، ولا سيما في حق أهل الإيمان والتقوى).
4 - وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه أن المدينة محرمة كمكة، فهي ثاني الحرمين، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، وكذلك تفضل الله على من سكنها، فـ«لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء» رواه مسلم.
5 - سر فضل المدينة: أن عمارة المدينة إعلاء لشعائر الدين، فهذه فائدة ترجع إلى الملة، وأن حضور تلك المواضع، والحلول في ذلك المسجد مذكر له ما كان النبي ﷺ فيه، وهذه فائدة ترجع إلى نفس هذا المكلف[4].
1 - قوله: «لا ينفر صيده» فيه دليل بفحوى الخطاب (وهو: ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به) على أن قتل صيد الحرم محرم، فإنه إذا حرم تنفيره بأن يزعج من مكانه، فقتله أولى.
2 - ظاهر حديث عبد الله بن زيد أن الذي حرم مكة هو إبراهيم عليه السلام، ولكن جاء في الحديث المتفق عليه: «إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات، والأرض»، قال الشوكاني: (ولا تعارض بين هذه الأحاديث؛ فإن إبراهيم ﷺ لما بلَّغ أن الله حرمها، وأنها لم تزل حرمًا آمنًا، نسب إليه أنه حرمها، أي: أظهر للناس حكم الله فيها، وإلى هذا الجمع ذهب ابن عطية وابن كثير، وقال ابن جرير: (إنها كانت حرامًا ولم يتعبد الله الخلق بذلك، حتى سأله إبراهيم فحرَّمها وتعبدهم بذلك. وكلا الجمعين حسن)[5].