حجم الخط:

محتوى الدرس (78)

باب صAdobe Systemsفة الحج ودخول مكة

صفة الحج والعمرة:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ١٩٦ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ١٩٧ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٩٩ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ٢٠٠ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ٢٠١ أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ٢٠٢ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة: 196 -203].

[الأحاديث]

756- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْـحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي» وَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فِي الـمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْـحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْـمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا البَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَقَرأ: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، فَصَلَّى وقَرَأ فَي الرَكْعَتِين: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ» فَرَقِيَ الصَّفَا، حَتَّى رَأَى البَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَوَحَّدَ الله وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْـمُلْكُ، وَلَهُ الْـحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْل هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الـمَرْوَةِ، حَتَّى إذا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَى أَتَى الـمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الـمَرْوَةِ، كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا فَذَكَرَ الْـحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَى، وَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْـمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الـمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْـمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ القُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الـمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَصَلَّى الفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الْـحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرَ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى التِي تَخْرُجُ عَلَى الـجمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الـجمْرَةَ التِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلَ حَصَى الـخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الـمَنْحَرِ، فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى البَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. رواه مسلم مطولًا.

757- وعن عروة بن الزبير قال: «سئل أسامةُ بن زيد -وأنا جالسٌ- كيف كان رسول الله ﷺ يسير حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ، فإذا وجد فَجْوَةً نَصَّ»، متفق عليه.

758- وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأل الله رِضْوَانَهُ وَالْـجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ»، رواه الشافعي بإسناد ضعيف. [وضعَّفه الحافظ في التلخيص الحبير (2 / 524)].

759- وعن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا»، متفق عليه.

760- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدُمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طُوَى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ »، متفق عليه.

ترجمة الرواة:

1 - أسامة بن زيد بن حارثة، حِبُّ رسول الله ﷺ، استعمله رسول الله على جيش فيه أبو بكر وعمر، شهد مع أبيه غزوة مؤتة، وقدم دمشق، وسكن المزة مدة، ثم انتقل إلى المدينة فمات بها، كان شديد السواد، خفيف الروح، شجاعًا، كان مداومًا على صوم الاثنين والخميس، مات سنة (54).

2 - خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري، أبو عمارة المدني، ذو الشهادتين، شهد بدرًا وأحدًا وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله ﷺ، وشهد الفتح وكان يحمل راية بنى خطمة، وشهد صفين مع عليّ رضي الله عنه بعد مقتل عمار رضي الله عنه، فقاتل معه حتى قتل يومئذ سنة (37).

التوضيح:

- استثفري: يقال: استثفر الكلب، إذا أدخل ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه، واستثفار المرأة أن تضع خرقة بين رجليها على فرجها وتشدها من طرفيها في حزامها، أو أَن ترد طرفَ إزارها من بَين رجليها وتغرزه في حجزتها من ورائها.

- القصواء؛ بفتح القاف: لقب لناقته ﷺ.

- يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بيوم التروية؛ لأن الماء كان قليلًا بمنى فكانوا يرتوون من الماء لما يكفيهم فيه وبعده.

- بنَمِرة: هي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات.

- فأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَة: المراد حتى قارب عرفات؛ لأنه فسره بقوله: «وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها»، ونمرة ليست من عرفات، ودخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعًا خلاف السُّنة [1].

- بطْنَ الوَادِي: هو ما انخفض منه، والمراد هنا هو وادي عُرَنة، والجمهور على أن عرنة ليست من عرفات.

- دفع وقد شنق؛ بتخفيف النون: ضم وضيَّق.

- وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: أي: يشير بها.

- كلما أتى حَبْلا: من حبال الرمل، وحبل الرمل: ما طال منه وضخم.

- لم يسبِّح: أي لم يصل نافلةً.

- فحرك قليلا: أي: حث دابته لتسرع في المشي.

- ثم سلك الطريق الوسطى: وهي غير الطريق التي ذهب فيها إلى عرفات.

- التي تخرج على الجمرة الكبرى: وهي جمرة العقبة.

- مثل حصى الخذف: وقدره مثل حبة الفول والباقلاء، والخذف: الرمي بالحصى بالأصابع.

- العَنَق -بفتحتين-: انبساط السير، والنصُّ فوق ذلك.

- فجوة: مكان متسع.

- دخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا: أعلى مكة وأسفلها هما: الثنية العليا، والثنية السفلى، والثنية العليا هي التي ينزل منها إلى المعلَّاة، وهي مقبرة أهل مكة، وهي كَداء، ويقال لها: الحجون، والثنية السفلى، هي كُدى، وهي عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين، من ناحية قعيقعان.

- بذي طُوى: هو موضعٌ قرب مكة.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث جابر أن التلبية سنة، وأن صيغتها المختارة هي: «لبَّيك اللهم لبَّيْك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وهي سنة لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي، وأحمد[2].

2 - وفيه صفة الطواف بالبيت، وهي: أن يحاذي جميع بدنه جميع الحجَر الأسود، فيمر بجميع بدنه على جميع الحجَر، ثم ينوي الطواف لله تعالى، ثم يمشي مستقبل الحجر مارًّا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت، ويمينه إلى خارج، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز لكن فاتته الفضيلة، ثم يمشـي هكذا تلقاء وجهه طائفًا حول البيت كله، فيمر على الملتزم وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود والباب، سمي بذلك لأن الناس يلزمونه عند الدعاء، ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الأسود ثم يمر وراء الحِجْر، وهو في صوب الشام والمغرب، ويتوقى الطواف داخل الحِجْر، ولو بجزء من جسمه، فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث، ويقال لهذا الركن مع الذي قبله: الركنان الشاميان، وربما قيل: المغربيان.

ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني ثم يمر منه إلى الحجر الأسود، فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه، فيكمل له حينئذ طوفة واحدة، ثم يطوف كذلك ثانية وثالثة حتى يكمل سبع طوافات، فكل مرة من الحجر الأسود إليه طوفة، والسبع طواف كامل، هذه هي صفة الطواف الذي إذا اقتصر عليه صح طوافه[3].

3 - وفيه بيان صفة السعي بين الصفا والمروة، فإذا صلى المحرم ركعتي الطواف، فإنه يخرج إلى المسعى فيتجه إلى الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: 158]، ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت، فيستقبل القبلة، فيوحِّد الله، ويكبِّره، ويرفع يديه عقبه مستقبلًا القبلة، ويدعو بما شاء من الدعاء. ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى تنصب قدماه في بطن الوادي، أي: إلى أن يصل إلى العلم الأخضر الأول، فيسعى الرجل سعيًا شديدًا إن تيسر له دون إيذاء غيره، وتكتفي المرأة بالمشي بين الصفا والمروة، وهذا مجمع عليه[4]، فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه في دعائه، ويقول كما قال على الصفا.

ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل الرجل إلى العلَم الأول سعى بينه وبين الثاني سعيًا شديدًا، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن يصل إلى الصفا، وتكتفي المرأة بالمشـي فإذا وصل قال كما قال أول مرة، وهكذا على المروة حتى يُكمِّل سبعة أشواط: فذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر.

ولا يغفل عن الذكر والدعاء بينهما، ويستحب أن يكون متطهرًا من الأحداث والأخباث، ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك، وكذلك المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطًا في السعي.

فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئًا بالصفا خاتمًا بالمروة حلق أو قصـر رأسه إن كان رجلًا معتمرًا، أو متمتعًا، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة، فإذا فعل المحرم جميع ذلك فقد تمت عمرته وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا أن يكون مفردًا أو قارنًا قد ساق الهدي من الحل؛ فإنه يبقى على إحرامه حتى يحل من الحج والعمرة جميعًا بعد التحلل الأول يوم النحر.

4 - وفيه أن النفاس لا يمنع من صحة عقد الإحرام.

5 - وفيه دلالة على أن غسل الإحرام سنة للنفساء والحائض ولغيرهما بالأولى، وعلى استثفار الحائض والنفساء، وعلى صحة إحرامهما، وأن يكون الإحرام عقيب صلاة فرض أو نفل.

6 - وفيه أن الركوب إلى منى أفضل من المشي، وفيه خلاف، ودليل الأفضلية فعله ﷺ.

7 - وفيه أنه إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن- استحب لهم أن يحرموا بالحج ضحى من مساكنهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، وأما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم، فهم باقون على إحرامهم الأول، ثم يتوجهوا إلى منى قبل الزوال.

8 - وفيه أنه يصلي الحاج بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفجر اليوم التاسع قصرًا بلا جمع، إلا المغرب والفجر فلا يقصران، والسنة إذا صلى فجر اليوم التاسع: أن يمكث حتى تطلع الشمس، وجميع ذلك إنما هو سنة، فلو قدم الحاج مباشرة إلى عرفة في اليوم التاسع جاز.

9- وفيه أنه يسن للحاج الذي صلى صلاة الفجر بمنى يوم التاسع من ذي الحجة أن ينتظر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس توجَّه إلى عرفة، ويسن له أن يكثر من الذكر بالتلبية، والتهليل، والتكبير، والدعاء، ونحو ذلك، ويسن أن ينزل الحاج بنمرة إلى الزوال إن تيسر له ذلك.

10- وفيه أنه إذا زالت الشمس سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة يبيِّن فيها ما يُشرع للحاج في هذا اليوم وما بعده، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده، وبعد الخطبة يصلون الظهر والعصر قصرًا وجمعًا في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين، ولا يصلي بين الصلاتين شيئًا من النوافل [5].

11- وفيه الوقوف بعرفة، وهو من أركان الحج المتفق عليها[6]، ويحصل أداؤه بلحظة[7]، ولا يشترط للوقوف بعرفة طهارة ولا ستر عورة، ولا استقبال للقبلة، ولا نية، بالإجماع[8].

12- وفيه أن الأفضل أن يجعل الحاج جبل الرحمة بينه وبين القبلة إن تيسر له ذلك، فإن لم يتيسر استقبالهما معًا، استقبل القبلة فقط وإن لم يستقبل الجبل.

13- وفيه أنه إذا غربت الشمس انصرفوا إلى مزدلفة بسكينةٍ، ووقارٍ، وأكثروا من التلبية.

14- وفي حديث عروة بن الزبير دليل على أن النبي ﷺ عند الازدحام: كان يستعمل السير الأخف، وعند وجود الفجوة -وهو المكان المنفسح- يستعمل السير الأشد، وذلك باقتصاد، وسكينة؛ لما جاء في حديث جابر: «السكينة، السكينة»[9].

15- وفي حديث عائشة أن السنة في دخول مكة: دخولها من أعلاها، والخروج من أسفلها إن تيسَّر ذلك، فأعلى مكة كَداء، وهو طريق الحجون، وأسفلها كُدى، وهو طريق باب الشبيكة مرورًا بجرول.

16- ودلَّ حديث ابن عمر على أن السنة لمن قدم مكة من جهة المدينة أن يبيت بذي طوى، وأن الأفضل دخول مكة نهارًا، وأما الدخول ليلًا فلم يقع منه ﷺ إلا في عمرة الجعرانة؛ فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلًا، فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلًا فأصبح بالجعرانة[10].

17- وفيه دليل على استحباب الاغتسال لدخول مكة، وهو مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية[11].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - السر في السعي بين الصفا والمروة على ما ورد في الحديث: أن هاجر أم إسماعيل رضي الله عنها لما اشتد بها الحال؛ سعت بينهما سعي الإنسان المجهود، فكشف الله عنهما الجهد بإبداء زمزم، وإلهام الناس الرغبة في أن يعمروا تلك البقعة، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم، وتذكر تلك الآية الخارقة؛ لتبهت بهيميتهم، وتدلهم على الله، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل عند أول دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال[12].

2 - إنما لم يشرع الوقوف بعرفة في العمرة؛ لأنها ليس لها وقت معين ليتحقق معنى الاجتماع، فلا فائدة للوقوف بها، ولو شرع لها وقت معين كانت حجًّا، وفي الاجتماع مرتين في السنة ما لا يخفى، وإنما العمدة في العمرة تعظيم بيت الله وشكر نعمة الله[13].

3 - والسر في الوقوف بعرفة: أن اجتماع المسلمين في زمان واحد ومكان واحد، راغبين في رحمة الله تعالى، داعين له، متضرعين إليه، له تأثير عظيم في نزول البركات وانتشار الروحانية، ولذلك كان الشيطان يومئذ أدحر وأحقر ما يكون.

وأيضًا، فاجتماعهم ذلك تحقيق لمعنى العرضة وخصوص هذا اليوم، فهذا المكان متوارث عن الأنبياء عليهم السلام[14].

4 - والسر في المبيت بمزدلفة: أنه كان سنة قديمة فيهم، ولعلهم اصطلحوا عليها؛ لما رأوا أن للناس اجتماعًا لم يعهد مثله في غير هذا الموطن، ومثل هذا مظنة أن يزاحم بعضهم بعضًا، ويحطم بعضهم بعضًا، وإنما برواحهم بعد المغرب، وكانوا طول النهار في تعب يأتون من كل فج عميق، فلو تجشموا أن يأتوا منى والحال هذه لتعبوا، وكان أهل الجاهلية يدفعون من عرفات قبل الغروب، ولما كان ذلك قدرًا غير ظاهر، ولا يتعين بالقطع، ولا بد في مثل هذا الاجتماع من تعيين لا يحتمل الإبهام؛ وجب أن يعين بالغروب.

5 - وإنما شرع الوقوف بالمشعر الحرام؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يتفاخرون ويتراءون، فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله؛ ليكون كابحًا عن عادتهم، ويكون التنويه بالتوحيد في ذلك الموطن كالمنافسة، فكأنه قيل: هل يكون ذكركم الله أكثر أو ذكر أهل الجاهلية مفاخرهم أكثر؟[15].

6 - وفي حديث خزيمة بن ثابت دليل على استحباب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يلبيها المحرم في أي حين بهذا الدعاء ونحوه، ويحتمل أن المراد بالفراغ منها: انتهاء وقت مشروعيتها، وهو عند رمي جمرة العقبة، والأول أوضح[16].

7 - ينبغي استشعار المقاصد من هذه المناسك والشعائر العظيمة، وإشباع النفس من معانيها الإيمانية، ودوام الاجتهاد في تلك المواطن كلها، لا سيما في عرفة بدوام ذكر الله تعالى، والدعاء، والتضرع، والتذلل لله تعالى، وعدم الانشغال بما سواه، بحيث تكون غاية الحاج أن يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، والله كريم لمن خلصت نيته وصحَّ مقصده.

طريقة الاستدلال:

مقتضى العموم في حديث خزيمة بن ثابت أنه يستحب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يلبيها المحرم في أي حين بذلك الدعاء ونحوه، لا أن الأمر مقصور على الفراغ من رمي جمرة العقبة فقط[17].

سنن الطواف:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29].

أمر الله تعالى الحجيج بالطواف بالبيت، وكيفيته مجملة بينتها السُّنة النبوية،

[الأحاديث]

761- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ»، متفق عليه.

762- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا ومشى أربعًا، وفي رواية: «رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة»، متفق عليه.

763- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الذِي أَفَاضَ فِيهِ»، رواه الأربعة إلا الترمذي، وصحَّحه الحاكم.

764- وعن عمر رضي الله عنه: «أَنَّهُ قَبَّلَ الْـحَجَرَ الأَسْوَدَ فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُـرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ»، متفق عليه.

765- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبّل الحجر الأسود وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا ففعلت»، رواه ابن خزيمة والحاكم وصحَّحاه، [أعلَّ المرفوع العقيلي في الضعفاء (1/619)]، وأخرجه عبد الرزاق موقوفًا على ابن عباس[18].

766- وعن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيقَبّل الـمِحْجَنَ»، رواه مسلم.

767- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لَمْ أَرَ رَسُولَ الله ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ البَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ»، رواه مسلم.

768- وعنه قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن»، متفق عليه.

769- وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ»، رواه الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصحَّحهُ التِّرْمِذِيُّ.

770- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «دخل رسول الله ﷺ البيت وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين»، متفق عليه.

ترجمة الرواة:

1 - أبو الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله بن خزيمة الليثي، ولد عام أحد، وكان فاضلًا عاقلًا، حاضر الجواب فصيحًا، صادقًا عالمًا، شاعرًا فارسًا، وشهد مع عليٍّ مشاهده كلها، فلما استشهد عليٌّ رضي الله عنه رجع إلى مكة حتى مات بها سنة (100)، أو (110)، وهو آخر الصحابة موتًا.

2 - يعلى بن أمية التميمي، كان سخيًّا معروفًا بالسخاء، كان أول من أرَّخ الكتب، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وشهد حنينًا والطائف وتبوك، بقي إلى أواخر خلافة معاوية.

سبب ورود حديث ابن عباس:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «قدم رسول الله وأصحابه مكة، فقال المشـركون: إنه يقدم عليكم، قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلاَّ الإِبقاء عليهم».

التوضيح:

- الرمل: هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، ويسمى الخَبَب.

- يستلم الركن: الاستلام: هو المسح باليد.

- المِحْجَن: عصا محنية الرأس.

- مُضْطَبِعًا: الاضطباع: هو أن يدخل المحرم الرداء من تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر، وهو سنة في طواف القدوم، وطواف العمرة.

- ولج: دخل.

الدلالات الفقهية:

1 - دل حديثا ابن عباس وابن عمر على أنه يستحب للآفاقي القادم من خارج مكة أن يرمل الأشواط الثلاثة الأولى، وأن يمشي مشيًا عاديًا في الأشواط الأربعة الباقية، وقد أجمع العلماء على أن الرمَل في طواف القدوم سنَّة من سنن الحج، والعمرة[19].

2 - اتفق العلماء على أن الرمل لا يشرع للنساء، كما لا يشرع لهن شدة السعي بين الصفا والمروة.

3 - وفي حديث ابن عباس أنهم أُمروا بالمشى بين الركنين (الأسود واليماني)، وهذا الحكم منسوخ، لأنه وقع في عمرة القضاء سنة سبع، فلما حج حجة الوداع في العاشرة رمل من الحجر إلى الحجر وذلك متأخر فوجب الأخذ به.

4 - في حديث ابن عمر دلالة أيضًا على البدء بطواف القدوم عند الوصول إلى مكة.

5- وفي حديث عمر وحديث ابن عباس الثالث دليل على مشروعية تقبيل الحجر الأسود، وهو سنة مؤكدة من سنن الطواف؛ إن تيسر فعلها بدون مزاحمة أو إيذاء لأحد اقتداء برسول الله ﷺ، وإن لم يتيسر ذلك إلا بمزاحمة وإيذاء تعيَّن الترك والاكتفاء بالإشارة إليه باليد.

6 - قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن لا رمَل على النساء حول البيت، ولا في السعي بين الصفا والمروة) [20].

7 - ودلَّ حديث ابن عباس الثاني على أنه لا يشرع الرمل في طواف الإفاضة، وكذلك في طواف الوداع.

8 - إن لم يستطع أن يقبل الحجر الأسود استلمه بيده وقبَّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبَّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع فإنه يشير إليه، ويستحب أن يقول حين يشير: (بسم الله الله أكبر) [21].

9 - وقال شيخ الإسلام: (ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين، وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم ﷺ، وسائر ما في الأرض من مساجد، وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين؛ كحجرة رسول الله ﷺ، ومغارة إبراهيم عليه السلام، ومقام الرسول ﷺ الذي كان يصلي فيه، وصخرة بيت المقدس، فلا تستلم، ولا تقبَّل باتفاق الأئمة) [22].

10- في حديث ابن عباس الخامس دليل على جواز الطواف راكبًا مع العذر، وذلك بشـرط ألا يؤذي الناس، إلا أن المشي أفضل.

11- وفيه دليل على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه، وهو مذهب مالك وأحمد.

12- وفي حديث يعلى بن أمية دليل على سنية الاضطباع في الطواف، وإنما يسن الرمل والاضطباع في الطواف إذا كان سيسعى بعده، وإلا فلا يسن.

13- وفي حديث ابن عمر الأخير استحباب دخول الكعبة، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها، وقد اتفق الأئمة الأربعة على استحباب ذلك[23].

14- صلاة النافلة والفريضة داخل الكعبة صحيحة عند جمهور العلماء، خلافًا لمالك الذي فرق بين الفرض فمنعه، والنافلة فأجازها[24].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - كانت الحكمة من الرمل: شكر الله سبحانه وتعالى على ما فتح على المسلمين، والمسلم حين يرمل ينبغي أن يتذكر الصحابة يوم كانوا يظهرون القوة، فيشكر الله تعالى على هذه النعمة، ومثله قوله ﷺ على المسعى: «لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده».

من جهة أخرى: يتبين أن إظهار القوة أمام أعداء الدين مطلب، وأن على المسلم ألا يكون ضعيفًا، بل يظهر العزة والقوة على المحاربين، واللين والبر وحسن الخلق على المسلمين، وعلى أهل الذمة وغيرهم.

وكذلك فيه تصوير الرغبة في طاعة الله، وأن المحرم لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقًا ورغبة، وكان عمر رضي الله عنه قد أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم تفطن إجمالًا أن لهما سببا آخر غير منقض، فلم يتركهما[25].

2 - من حكم استلام الحجر الأسود: أنه يحط الخطايا حطًّا، كما في حديث النبي ﷺ.

3 - وفي حديث عمر بيان أهمية حماية جناب التوحيد، وعظيم اهتمام عمر رضي الله عنه بهذا الأمر حيث ينفي اللبس في تقبيل الحجر أو استلامه، وهو أصل أصيل وقاعدة عظيمة في اتباع النبي واقتفاء أثره وإن لم يعلم العلة، وترك ما كانت عليه الجاهلية من تعظيم الأصنام والأحجار، وأنه سبحانه هو النافع والضار.

4 - وفيه أن الأصل في العبادات التوقيف، بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يخترع عبادة من قبل نفسه، لا دليل عليها من الشرع، وهذا من السعة في الدين، ومن رحمة الله تعالى بالعباد، فلا يحل لأحد أن يبتكر أو يخترع عبادة جديدة، أو يجعل هناك عبادة بمناسبة جديدة؛ لأن من شأن هذا أن تتضخم العبادات حتى تملأ حياة الناس، بينما الشارع أراد أن تكون هذه العبادات محصورة في أوقات معينة.

5 - قال الحافظ ابن حجر: (وفي قول عمر رضي الله عنه هذا التسليمُ للشارع في أمور الدين، وحسنُ الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه) [26].

6 - في حديث ابن عمر الأخير منقبة ظاهرة له رضي الله عنه وحرصه على تعلم المناسك واقتفاء آثار رسول الله في كل موطن وحالة.

طريقة الاستدلال:

1 - تصحُّ الفريضة في الكعبة؛ لأن الأصل تساوي أحكام الفريضة والنافلة، قال النووي رحمه الله: (وإذا صحَّت النافلة صحَّت الفريضة؛ لأنهما في الموضع سواء في الاستقبال في حال النزول، وإنما يختلفان في الاستقبال في حال السير في السفر، والله أعلم)[27].

2 - وأما مالك فجمع بين ظاهر القرآن والسنة، فقوله تعالى: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: 144]، والمراد بالشطر القبالة، وفي هذا أمور، أولًا: أن ذلك يوجب استقبال جملته، وهذا يستلزم عدم استدبارها، ومن كان داخلها فلابد أن يستدبر شيئًا منها، وثانيًا: أن الأمر إنما يتوجه إلينا إذا كنا على صفة يصح فيها فعل المأمور وتركه؛ لأن المأمور إنما يكلف ليفعل أو يترك، وما لا يُفعل إلا على وجهٍ فلا يصح أن يؤمر بفعله، ومعلوم أن من كان داخل الكعبة لو أراد أن لا يولي وجهه شطره لم يمكنه، فعلم أنه مأمور بأن يحصل على صفة يصح منه الفعل والترك، وهو الخروج عنه، وثالثًا: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى؛ لأن أمره إيانا أن نولي وجوهنا شطره يتضمن منع استدبار بعضه، واستدبار بعضه في معنى استدبار كله، ولا يقابل بأن يقال: إن استقبال بعضه كاستقبال جميعه، لما بينا أن الاستقبال المأمور به لا يتصور إلا بحيث يمكن الاستدبار بدلًا منه.

3 - فلما رأى مالك دلالة القرآن على المنع، ودلالة السنة على جواز النافلة، خص عموم القرآن بالسنة، ولم يقس الفرض على النفل لأن القياس يدفعه العموم، فلم يصح المصير إليه.

4 - ثم حديث ابن عمر معارض، بحديث ابن عباس، قال: لما دخل النبي البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: «هذه القبلة». وهو في الصحيحين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة