حجم الخط:

محتوى الدرس (79)

أعمال الحج يوم التاسع والعاشر من ذي الحجة:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 198 - 199].

وقال الله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ٢٨ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 28، 29].

وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: 158].

وقال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة: 203].

[الأحاديث]

771- عن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْـمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْـمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ»، متفق عليه.

772- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»، رواه مسلم.

773- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ، أَوْ قَالَ: فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ». متفق عليه.

774- وعن عائشة رضي الله عنهاقالت: «اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ الله ﷺ لَيْلَةَ الْـمُزْدَلِفَةِ: أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبِطَةً -تَعْنِي: ثَقِيلَةً- فَأَذِنَ لَهَا»، متفق عليه.

775- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ: «لَا تَرْمُوا الـجمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، رواه الخمسة وفيه انقطاع.

776- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الـجمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ»، رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم. [استنكره الإمام أحمد فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (4/1613)، وصحَّح إرساله الدارقطني في العلل (9/50)].

777- وعن عروة بن مـضرس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي بِالْـمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي وابن خزيمة.

778- وعن عمر رضي الله عنه قال: «إِنَّ الْـمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، رواه البخاري.

ترجمة الراوي:

عروة بن مضرس بن أوس الطائي، شهد حجة الوداع مع النبي ﷺ، كان سيدًا في قومه، وكان يناوئ عدي بن حاتم في الرياسة، وكان له دور في حروب الردة.

التوضيح:

- جَمْع: هو من أسماء المزدلفة، ويطلق عليها أيضًا: المشعر الحرام.

- أشرق ثبير: ثَبِير: جبل معروف على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة، وشروقه: ظهور شروق الشمس عليه.

- الإهلال: رفع الصوت بالتلبية.

الدلالات الفقهية:

1 - الإهلال يكون في الحج من حين الإحرام: إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة: إلى الطواف.

2 - دل حديث أنس على أن من كبَّر مكان التلبية فلا نكير عليه، بل ظاهره أنه سنة؛ لأن أنس كان يريد أنهم كانوا يفعلون ذلك ورسول الله ﷺ فيهم، فيقر كلًا على ما قاله، إلا أن الحديث ورد في صفة غدوهم من منى إلى عرفات، وفيه رد على من قال: يقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة[1].

3 - وفي حديث جابر: أن مكان ذبح الهدي هو الحرم مطلقًا، وأن السنة ذبحه بمنى[2].

4 - ودلَّ حديثا ابن عباس وعائشة على أنه يجوز للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم، ومن يقوم برعايتهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل ومغيب القمر، فلو دفع قبل منتصف الليل فعليه دم، وكذلك إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر دون عذر فعليه دم، ولكن إن وصل قبل الفجر، فلا شيء عليه، وهو مذهب الشافعية والحنابلة[3].

5 - أجمع العلماء على أن النبي ﷺ رمى يوم النحر جمرة العقبة بمنى بعد طلوع الشمس، وأجمعوا على أن من رماها ذلك اليوم بعد طلوع الشمس إلى زوالها فقد رماها في وقتها، وأجمعوا أن رسول الله ﷺ لم يرمِ يوم النحر من الجمرات غيرها[4].

6 - وفي حديث عروة دليل على وجوب المبيت بمزدلفة، ومن تركه جبره بدم، وهو قول جماهير العلماء من السلف والخلف.

7 - يتحقق القدر المجزئ من المبيت بالحضور بمزدلفة في جزء من النصف الثاني من الليل في ليلة النحر، ومن خرج من مزدلفة قبل منتصف الليل ولو بوقت يسير ولم يعد إلى مزدلفة فقد ترك المبيت، ولزمه دم، ولكن إذا عاد إلى مزدلفة قبل طلوع الفجر أجزأه ذلك، ولا شيء عليه، وهو قول الشافعية والحنابلة[5].

8 - ودلَّ حديث عمر على أن السنة أن يكون الدفع من مزدلفة بعد الإسفار، وقبل طلوع الشمس.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - يستفاد من حديث أنس: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينكرون ما خالف السنة، ولذلك احتج أنس رضي الله عنه بعدم إنكارهم على المشروعية، فالتلبية سنة، والتكبير سنة، والخلط بينهما سنة.

2 - جواز النزول من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم ومن يقوم برعايتهم، كل ذلك وغيره من تيسير أحكام الحج، دليل على سماحة الدين الإسلامي، ومراعاته لأحوال الناس.

3 - أفاض النبي ﷺ من مزدلفة بعد أن أسفر وقبل طلوع الشمس؛ خلافًا لأهل الجاهلية الذين كانوا لا يفيضون من مزدلفة حتى يروا الشمس على رؤوس الجبال، ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، وثبير هو أكبر جبال مكة.

طريقة الاستدلال:

1 - التلبية أفضل من غيرها في الحج لفعل النبي ﷺ كما في حديث جابر الطويل، وغيرُها مشروع أيضًا لإقرار النبي ﷺ، وإنما كانت التلبية أفضل للزوم النبي ﷺ لها.

2 - قوله: «لَا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» حكم معلَّق بغاية، فلا يصح حتى تتحقق الغاية، فظاهره أنه لا يجزئ رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، وبهذا قال بعض التابعين[6]، إلا أنه دل على أن ذلك ليس على ظاهره من الحتم والوجوب أدلة أخرى، ففي حديث عائشة دليل على أن رمي الجمرة يبدأ من نصف الليل من ليلة النحر، وهو قول الشافعية، والحنابلة، ورجَّحه الشيخ ابن عثيمين[7]، ويدل عليه أيضًا ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل النبي ﷺ ، فقال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: «لا حرج». قال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: «لا حرج».

تتمة في أعمال الحج يوم العيد:

[تمهيد]

قال تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: 27].

وقال الله تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ٢٨ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 28، 29].

[الأحاديث]

779- عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمَّ ارْحَمِ الْـمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْـمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالْـمُقَصِّرِينَ»، متفق عليه.

780- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ»، رواه أبو داود بإسناد حسن. [وحسَّنه النووي في المجموع (8/197)].

781- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْألونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»، متفق عليه.

782- وعن المسور بن مخـرمة رضي الله عنه : «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ»، رواه البخاري.

783- وعن زياد بن جبير قال: «رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته فنحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد »، متفق عليه.

784- وعن حفصة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله، ما شأنُ الناسِ حَلُّوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لَبَّدتُ رأسي، وقَلَّدتُ هديي، فلا أَحِلُّ حتى أَنْحَر»، متفق عليه.

785- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدَ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ والثيابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ»، رواه أحمد وأبو داود، وفي إسناده ضعف. [قال أبو داود في السنن (1968) عقبه: (هذا حديث ضعيف؛ الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) وضعَّفه أيضًا غيره].

ترجمة الراوي:

المسور بن مخرمة بن نوفل القرشي، صحابي جليل وأبوه أيضا صحابي، كان إذا قدم مكة طاف لكل يوم غاب عنها سبعًا، وكان يصوم الدهر، كان في مكة حين حوصر ابن الزبير، وأصابه حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلِّي، فأقام خمسة أيام، ومات يوم أتى نعي يزيد ابن معاوية سنة (64).

التوضيح:

- لم أشعر: أي: ولم أدرك، أو: لم أعلم بأني قدمت بعض هذه الأعمال على بعض.

- حَجَّةِ الوَدَاع: سميت حجة الوداع؛ لأنها الحجة التي ودع النبي ﷺ فيها جموع الناس.

- قد أناخ بدنته ينحرها: أي: يريد نحرها، ونحرها هو طعنها في لبتها.

- ابعثها: أي: أقمها.

- قيامًا مقيدة: قائمة معقولة اليد اليسرى.

- لبَّدت رأسي: التلبيد: أن يجعل المحرم الصمغ ونحوه في رأسه لينضم الشعر ويلزق بعضه ببعض دفعًا للشعث والهوام مدة الإحرام.

الدلالات الفقهية:

1 - الحلق أو التقصير واجب من واجبات الحج والعمرة، وعلى من تركه دمٌ، وهو قول الأئمة الأربعة وغيرهم[8]، وبعد الحلق أو التقصير تتم العمرة، وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للحاج كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمَّى التحلل الأول.

2 - اختلف الفقهاء في أقل ما يجزئ من الحلق: فذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا يجزئ حلق بعض الرأس؛ لأن النبي حلق جميع رأسه فكان تفسيرًا لمطلق الأمر بالحلق، فوجب الرجوع إليه. ويرى الحنفية أن من حلق أقل من ربع الرأس لم يجزه، فإن حلق ربع الرأس أجزأه ويكره؛ لأن المسنون هو حلق جميع الرأس وترك المسنون مكروه. وقال الشافعية: أقل ما يجزئ ثلاث شعرات حلقًا أو تقصيرًا من شعر الرأس.

3 - وفي حديث ابن عمر تصريح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين، إما الحلق وإما التقصير، ومصرح أيضًا بتفضيل الحلق على التقصير.

4 - وفي حديث ابن عباس دليل أن على المرأة في الحج أو العمرة أن تقصِّر من جميع رأسها قدر الأنملة، وهذا مجمع عليه[9].

5 - أعمال يوم النحر أربعة وهي على الترتيب: الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، ولا خلاف بين العلماء أن السنة في ترتيب هذه الأعمال أن يبدأ بالرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، ثم السعي إن لم يكن سعى مع طواف القدوم، فإن كان قد سعى مع طواف القدوم فلا سعي عليه[10].

6 - وفي حديث عبد الله بن عمرو دليل على عدم اشتراط ترتيب الأعمال التي تجب على الحاج يوم النحر، فلا يضر ما قدم أو أخر منها.

7 - في حديث المسور بن مخرمة دليل على أن الحلق يكون بعد الذبح، وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك على سبيل الوجوب، ومن خالف فعليه دم[11]، ومذهب الجمهور أن الحديث محمول على الاستحباب، وأنه ليس على من قدم الحلق على الذبح شيء[12].

8 - وفي حديث زياد بن جبير دليل على استحباب نحر الإبل من قيام، وعلى استحباب أن تكون معقولة اليد اليسرى، وهو مذهب الجمهور، فإن لم يتيسر له نحرها قائمة جاز له نحرها باركة إذا أتى بما يجب في الذكاة لحصول المقصود بذلك.

9- وأما البقر والغنم، فيستحب أن تذبح مضجعة على جنبها الأيسر، وتترك رجلها اليمنى، وتشد قوائمها الثلاث، وهو مذهب الجمهور[13].

10 - وفي حديث حفصة دليل على استحباب التلبيد لشعر الرأس عند الإحرام. [14].

11- وقولها: «ما شأن الناس حلوا ولم تحل؟» هذا الإحلال هو الذي وقع للصحابة عند فسخهم الحج إلى العمرة، وقد كان النبي ﷺ أمرهم بذلك ليحلوا بالتحلل من العمرة ولم يحل هو ﷺ؛ لأنه كان قد ساق الهدي[15].

12- وفيه دليل أن النبي ﷺ كان قارنًا في حجة الوداع، وأن القارن لا يتحلل بطواف القدوم والسعي، ولا بد لتحلله من الوقوف بعرفات والرمي والحلق والطواف كالحاجِّ المفرد[16].

13 - سوق الهدى سنة مؤكدة، وتقليده أيضًا سنة مؤكدة، وهو اتفاق في الإِبل والبقر، وأما في الغنم فاستحبه الجمهور، ومنعه مالك وأبو حنيفة، والسنة قاضية عليه، قال القاضي عياض: لم يبلغ مالكًا الحديث.

14 - في حديث عائشة دليل على أن التحلل الأول لا يحصل إلا برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، فإذا فعل ذلك حلَّ له كله شيء إلا النساء، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، والإمام أحمد في رواية صحَّحها عنه ابن قدامة[17].

15 - زيادة الحلق في الحديث ضعيفة، ولهذا رجح جمع من العلماء أن التحلل الأول يقع برمي جمرة العقبة، فإذا رماها يوم العيد حل له كل شيء إلا النساء، وهو مذهب مالك، وأبي يوسف، ورواية عن أحمد[18]، واستدلوا بما جاء من روايات الحديث السابق الصحيحة دون ذكر الحلق، وبما صح موقوفًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيء إلا النساء».

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - فيه رفق النبي ﷺ ورحمته بأمته؛ حيث ندب للأفضل والأكمل بالدعاء لمن فعله، حين دعا للمحلِّقين، وأيضًا: سماحته ولينه حيث دعا للمقصِّرين في الثالثة ولم يرد من سأله ذلك.

2 - السر في الحلق: أنه تعيين طريق للخروج من الإحرام بفعل لا ينافي الوقار، فلو تركهم وأنفسهم لذهبوا كل مذهب، وأيضًا: فيه تحقيق انقضاء التشعُّث والتغبُّر بالوجه الأتم، ومثله كمثل السلام من الصلاة، وإنما قُدم على طواف الإفاضة؛ ليكون شبيها بحال الداخل على الملوك في مؤاخذته نفسه بإزالة تشعثه وغباره[19].

3 - إنما كان الحلق أفضل من التقصير:

أ. لأنه أقرب إلى التواضع والخضوع بين يدي ذي الجلال وأبلغ في العبادة وأدل على صدق النية في التذلل لله تعالى.

ب. ولأن الشعر زينة، والمحرم مأمور بترك الزينة لأن الحاج أشعث أغبر.

ج. ولأن المقصود من الإِحرام التجرد مطلقًا وفي حلق جميع الرأس ما يكمل هذا المقصود.

4 - يؤخذ من الحديث الدعاء بالرحمة لمن فعل ما شرع له وتكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الفعلين الجائزين.

5 - الأصل في الحج التوسعة والتيسير، ورفع الحرج من مقاصد الشريعة الإسلامية، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]، ولفظ الحرج جاء هنا نكرة في سياق النفي، فيعم كل حرج في الأعمال التي يقع فيها مشقة شديدة على الناس، ومنها قوله ﷺ هنا: «افعل ولا حرج».

6 - شدة حرص ابن عمر رضي الله عنهما وتحرِّيه اتباع السنة.

طريقة الاستدلال:

1 - قوله ﷺ: «افعل»: هذا أذن له فيما مضى، وهو يدل بظاهره على أنه أذن له أيضًا فيما يستقبل.

2 - قوله ﷺ: «ولا حرج» تحتمل ثلاثة معانٍ، وكلها صحيحة؛ لعدم الدليل الخارج المانع من تلك الاحتمالات، فهي تحتمل أنه: لا إثم عليه، وتحتمل نفي الفدية، وتحتمل نفي الإعادة، وهو كذلك، فلا إثم، ولا فدية، ولا إعادة عليه فيما فعل.

3 - قوله: «فما سئل عن شيءٍ قدم ولا أخر»، (شيء) هنا جاءت نكرة في سياق الشرط، فتعم كل شيء، ولكنه عام أريد به الخصوص، والمقصود: شيء من الأشياء التي هي أعمال يوم النحر.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة