النهي عن تلقي الركبان وعن بيع الحاضر للبادي:
قال الله تعالى ذامًّا للمنافقين: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 9]، فجَعْلُ الخداع من صفات المنافقين كافيًا في تحريمه والتلقي خارج السوق فيه خداع للمؤمنين.
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: 29]، ومن الباطل أخذ المال بدون عوض حقيقي يعتد به، ولا رضا ممن يؤخذ منه، فيدخل في ذلك النصب والغش والخداع والربا والغبن.
وقال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].
837- عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟» قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا، متفق عليه.
838- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَلَقَّوا الـجلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ»، رواه مسلم.
839- وعنه قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطِبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأل الـمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا»، متفق عليه، ولمسلم: «لَا يَسُمْ الْـمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ الْـمُسْلِمِ».
- لا تَلَقَّوْا الرُّكْبَان: الركبان هم القادمون إلى البلد لبيع الطعام وغيره، ويستوي من قدم منهم راكبًا أو ماشيًا.
- ولا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ: الحاضر: من كان من أهل الحضر، والبادي: هو ساكن البادية. والمراد ببيع الحاضر للبادي عند الجمهور: أن يتولى الحضري بيع سلعة البدوي، بأن يصير الحاضر سمسارًا للبادي البائع.
- الجَلَب: هو ما يُجلب للبيع.
- فإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَار: سيّده: أي سيد المجلوب، وهو مالكه، أي: إذا جاء صاحب المتاع إلى السوق، وعرف السعر، فله الخيار في استرجاع حقه، وفسخ البيع.
- ولا يَسُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيه: السوم هو أن يتساوم رجلان ويتفقا على البيع، فيأتي مشترٍ آخر، فيزيد في الثمن فيشتريه من البائع.
- تكفأ ما في إنائها: من كفأت القدر إذا كببتها لتفرغ ما فيها، وهذا مثال لإِمالة الضـرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها.
1 - في هذه الأحاديث تحريم تلقي الجلب والركبان، وهو أن يخرج الشخص من أهل المصر، ويقف في طريق من يحملون متاعًا إلى السوق، فيشتري بضاعتهم قبل دخولهم إلى السوق، ومعرفة السعر فيه. وعلى التحريم المذاهب الأربعة، إلا أن البيع صحيح مع الإثم ولا يفسد؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات المنهي عنه. قال ابن قدامة: (فإن خالف، وتلقى الركبان، واشترى منهم، فالبيع صحيح في قول الجميع. وقاله ابن عبد البر)[1].
2 - إذا علم صاحب السلعة بالغبن بعد ذلك، فله الخيار في فسخ العقد، وذلك بشـرط جهلهم بأسعار السوق، وبشرط أن يكون الركبان قد غبنوا غبنًا فاحشًا، فإذا كان الغبن يسيرًا عرفًا، فلا خيار لهم.
3 - وفي الأحاديث دليل على تحريم بيع الحاضر للبادي، وهو بيع من يسكن المدينة لساكن البادية، وهذا أمر متفق عليه[2]. ومذهب الحنفية والشافعية أنه محرم مع صحته[3]، ومذهب الحنابلة حرمة البيع وبطلانه مع شروط ذكروها[4].
4 - وفي الحديث الأخير دليل على تحريم بيع الرجل على بيع آخر، والجمهور على أن هذا البيع صحيح مع الإثم[5]؛ لأن النهي في المسألة يعود إلى أمر آخر خارج عن العقد، وسبب التحريم ما يوجبه هذا الفعل من إشعال العداوة والبغضاء، وما ينتج عنهما مما لا تحمد عقباه.
5 - وفيه تحريم سوم المسلم على سوم أخيه، والمراد بعد رضا المتبايعين، وركون كل واحد منهما إلى الآخر، فإذا لم يعده بشيء، أو كانت المزادات علنية، مما ليس فيه ركون إلا بطريقة مخصوصة، فهنا يكون السوم جائزًا.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الحكمة من النهي فيما سبق هي ما فيه من تغرير البائع الذي لا يعرف السعر فيُغبن، وكذلك لما في تلك الأفعال من الضرر بأهل السوق، بحصوله على الفائدة من السلعة المتلقاة دون أهل السوق، فيضرهم بذلك، ويفوت عليهم الخير[6].
2 - الإسلام يراعي المصالح العامة، فيقدمها على المصالح الخاصة؛ لذا فإن تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي فيه مصلحة خاصة للمتلقي الحاضر، ولكن لما كانت مصلحة أهل البلد بشرائهم السلع رخيصة أعظم؛ قُدِّمت على انتفاع الواحد[7].
3 - قوله: «لتكفأ ما في إنائها» تمثيل يقصد به التنفير، وتبشيع هذه الصورة التي لم ترحم بها الزوجة الجديدة رزق الأولى، ونفقتها، وعشرتها مع زوجها.
4 - وفيه إشارة إلى تحريم الحسد للناس، والنظر إلى ما في أيديهم للاستئثار به عنهم.
5 - وفيه إشارة إلى الرضا بالمقسوم، وإذا ابتلي بعدم الرضا فيسأل الله؛ فإن مفاتيح الرزق بيده.
6 - قوله: «على بيع أخيه» و«خطبة أخيه» أي في الإسلام؛ فالعقيدة أقوى رابطة بين المسلم والمسلم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات: 10]، وفي هذا التعبير تقريب بين المسلم والمسلم مما لا ينبغي معه أن يشاحنه وينافسه على ما هو به أولى، وأخص[8].
1 - العلة من منع تلقي الركبان تُبيِّن أنه يستوي فيهم من قدم راكبًا أو ماشيًا؛ وأن التنصيص على الركبان في بعض الروايات خرج مخرج الغالب في أن من يجلب الطعام يكون في الغالب راكبًا، وإلا فحكم الجالب الماشي حكم الراكب[9].
2 - الراجح في بيع الحاضر للبادي هو الصحة مع الإثم؛ لأن النهي في الأحاديث السابقة إنما هو لمعنى في غير البيع، وهو الإضرار بأهل البلد، فلا يوجب فساد البيع، كالنجش، والبيع على بيع غيره قبل لزومه، ونحو ذلك.
3 - قاعدة: (إذا تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، قُدِّمت المصلحة العامة): فالعلة من المنع كما هو ظاهر من الأحاديث مصلحة أهل السوق، فعندما يأتي أحد من خارج بلدتهم، فإن بيعه يكون أرخص من البيع الذي يكون بين أهل البلدة، فيكون في هذا سعة للناس، وفي هذا نظر إلى المصلحة العامة، وأنه إذا تعارضت المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، قدمت المصلحة العامة.
حكم بيع المعيب والغش والتدليس في البيع:
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29] نهي عن أكل المال بالباطل ومن صوره الغش كالتصرية، والتدليس.
840- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ»، متفق عليه، ولمسلم: فهو بالخيار ثلاثة أيام. وفي رواية له علَّقها البخاري: «رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، لَا سَمْرَاءَ»، قال البخاري: والتمر أكثر.
841- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «مَنِ اشْتَرَى شَاةً مَحَفَّلَةً، فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ». رواه البخاري.
842- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاس؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»، رواه مسلم.
- لا تُصَرُّوا: لا تتركوا الشاة والناقة دون حلب حتى يجتمع لبنها ويكثر، فيظن المشتري أن ذلك من عادتها.
- لا سمراء: أي: لا يتعيّن السمراء بعينها، وهي الحنطة، وإنما يصلح الصاع من الطعام الذي هو غالب قوت البلد.
- محفّلة: هي التي تجمع لبنها في ضروعها.
- الصُّبرة: الكومة المجتمعة من الطعام.
- فلَيْسَ مِنِّي: ليس ممن اهتدى بهديي، واقتدى بعلمي وعملي، وحسن طريقتي. وقال ابن عيينة: (يكره تفسير مثل هذا، ونقول: نمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر).
1 - يَعُدُّ العلماء حديث المصراة هو الأصل في النهي عن جميع صور الغش والتدليس.
2 - دلَّ الحديثان على صحة البيع؛ لثبوت الخيار -أي القبول أو الرد لكن مع صاع من تمر- ولو لم يصح لوجب الرد.
3 - ودلَّ الحديثان أيضًا على إثبات الخيار لمن اشترى معيبًا؛ قال ابن قدامة: (إنه متى عَلِم بالمبيع عيبًا لم يكن عالمًا به، فله الخيار بين الإمساك والفسخ؛ سواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافًا. وإثبات النبي ﷺ الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب، ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب)[10]. والخيار بين إمضاء العقد أو فسخه هو قول الجمهور[11]. أما إن حدث العيب في يد المشتري بعد القبض، فهو من ضمان المشتري، وهذا مجمع عليه[12].
4- إذا اختار ردَّ المصراة بعد أن حلبها؛ ردَّها وصاعًا من تمر، سواء كان اللبن قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت ناقة أو شاة أو بقرة، وهذا قول الجمهور، وهو الصحيح الموافق للسنة، وله أن يرد صاعًا من قوت البلد، ولا يختص بالتمر.
5 - الحديث دليل على تحريم الغش، وهو مجمع عليه شرعًا، مذموم فاعلَّه عقلًا[13].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الإسلام يريد بناء المعاملات على الصدق والأمانة والنصح، وينهى عن الخداع والتغرير والتدليس لما يجره من غش يترتب عليه العداوة والبغضاء، وأكل أموال الناس بالباطل[14].
2 - السير على الطريقة المحمدية يقتضي التنزُّه عن كل ما يضادها ويخرج عن هديها؛ فهو أمر عظيم أن يقع الإنسان في شيء يحق عليه قوله ﷺ: «فليس منّي».
1 - التقييد بصاع التمر؛ لأنه كان غالب قوتهم في ذلك الوقت، فاستمر حكم الشـرع على ذلك، وإنما لم يجب مثله ولا قيمته، بل وجب صاع في القليل والكثير؛ ليكون ذلك حدًّا يرجع إليه، ويزول به التخاصم، وكان ﷺ حريصًا على رفع الخصام والمنع من كل ما هو سبب له؛ فقد يقع بيع المصراة في البوادي والقرى وفي مواضع لا يوجد من يعرف القيمة ويعتمد قوله فيها، وقد يتلف اللبن ويتنازعون في قلته وكثرته وفي عينه، فجعل الشرع لهم ضابطًا لا نزاع معه، وهو صاع تمر، ونظير هذا: الدية، فإنها مائة بعير، ولا يختلف باختلاف حال القتيل؛ قطعًا للنزاع[15].
2 - قوله: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»: فيه دليل على تحريم الغش، بل ربما كان فيه دليل على أنه من الكبائر؛ فالبراءة من الشيء تدل على ذلك.
حكم بيع ما يستعان به على معصية:
قال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2] الجزء الثاني من الآية نهيٌ يفيد تحريم كل تعاون على الإثم والعدوان؛ لأنه عرَّف كلمتَي الإثم والعدوان فأفادا العموم وأعقبه بالوعيد الشديد الذي يفيد التحريم.
843- عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيَّامَ القِطَافِ، حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، فَقَدَ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ»، رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن. [حديث ضعيف جدًا، بل حكم عليه بالوضع أبو حاتم في العلل (1165)، والذهبي في ميزان الاعتدال (1/523)].
1 - في الحديث دليل على تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمرًا، وتحريم كل بيع أعان على معصية قياسًا، وهو مع القصد محرم إجماعًا[16]، والعبرة في المسألة بغلبة الظن.
2 - وفي الحديث أن قصد حبس المبيع الحلال لغرض بيعه لمن يستعين به على الحرام ذنب آخر مستقل قال ابن القيم: (قد تظاهرت أدلة الشـرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حله وحرمته، بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد تحليلًا وتحريمًا، فيصير حلالًا تارة، وحرامًا تارة أخرى؛ باختلاف النية والقصد)[17].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - ينبغي للمسلم أن يجتنب كل ما يعين الكفار على قتل المسلمين أو على إقامة الكفر، فإذا تيقن أنهم سيستخدمون عين ماله في ذلك فهو حرام؛ لأن الشراء منهم حينها مشمول بالنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، ومشمول بقاعدة سد الذرائع المفضية إلى الحرام[18].
2 - هناك أشياء يصلح أن تستعمل في الخير، ويصلح أن تستعمل في الشـر؛ مثل الراديو والتلفاز، وأشرطة التسجيل، ونحو ذلك، فهذه لا يحرم بيعها؛ لأنها كما تحتوي على مفسدة يوجد بها أيضًا مصلحة أو مصالح عدة، ووجود المفسدة والمصلحة في الشـيء الواحد كثير جدًا، فمثل هذا لا يعطى حكم الحرمة مطلقًا، وإنما يَحرُم بيعه إذا علمتَ، أو غلب على ظنك أن هذا المشتري لم يشتره إلا للأمر المحرم[19].
3 - من مقاصد الشريعة الإسلامية سد الذرائع، وهي في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: الأشياء التي ظاهرها الإباحة، ويتوصَّل بها إلى فعل محظور، فإن الشريعة تمنعها حسمًا لمادة الفساد، واستئصالًا للداء؛ وذلك مثل بيع العنب لعاصر الخمر، وبيع السلاح في الفتنة، وغيرها.
1 - قاعدة: (الوسائل لها أحكام المقاصد): فإذا كان البيع وسيلة إلى حرام فإنه يحرم، وقد قال الله تعالى: ﱡ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].
2- التهديد بالعقاب لمن يتعاون على الإثم والعدوان يدل على تحريم هذا الفعل بأي صورة كان.
قال الله تعالى: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الشورى:12].
وقال الله تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 2]، ومن الرحمة: الرزق ونحوه؛ فالله هو القابض الباسط المسعر.
844- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غَلَا السِّعْرُ بِالْـمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ الله، غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله هُوَ الْـمُسَعِّرُ، القَابِضُ، البَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ ألقَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ»، رواه الخمسة إلا النسائي، وصحَّحه ابن حبان. [صحَّحه الترمذي في السنن (1314)، والحافظ في التلخيص الحبير (4/1757)].
845- وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ» رواه مسلم.
معمر بن عبد الله بن نضلة القرشي العدوي، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وعاش عمرًا طويلًا، وهو معدود في أهل المدينة.
- التسعير: هو أن يسعر الإمام أو نائبه على الناس سعرًا ويجبرهم على التبايع به.
- لا يَحْتَكِر: الاحتكار: هو حبس مال أو طعام والامتناع عن بيعه وبذله حتى يغلو سعره مع حاجة الناس إليه.
- إلَّا خَاطِئ: الخاطئ: العاصي الآثم.
1 - دل حديث أنس على أنه لا يجوز للسلطان أن يسعر للناس، وأنه ظلم، وهو مذهب جمهور الفقهاء على تفصيل بينهم[20].
2 - يستثنى من ذلك ما إذا غلت الأسعار غلاء فاحشًا يضر بالناس، فيجوز التسعير حينئذ؛ لعموم أدلة نفي الضرر، ولأن في ذلك دفع لمفسدة عامة، وإن ترتب عليها فوات مصلحة خاصة، ودفع المفسدة العامة أولى من جلب المصلحة الخاصة. قال ابن القيم: (وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير، فإنه يسعر لهم تسعير العدل، ويكون في التسعير هنا إلزام بالعدل الذى ألزمهم الله به)[21].
3 - وفي حديث معمر بن عبد الله دليل على أن الاحتكار محرم، وهذا باتفاق الفقهاء[22].
4 - الحكمة من تحريم الاحتكار هي رفع الضرر عن عامة الناس، ولذلك أجمع العلماء على أنه لو احتكر إنسان شيئًا، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره، فإنه يجبر على بيعه؛ دفعًا لضرر الناس[23].
5 - قيل: إن الاحتكار المحرم هو احتكار الأقوات خاصة، والظاهر أن الاحتكار يجري في كل ما يحتاجه الناس، ويتضررون بحبسه، فإن احتكاره إثم غير مشـروع، وبهذا قال المالكية، ورجَّحه الصنعاني والشوكاني[24].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- في الحديث الأول إثبات تفرد الله تعالى بالملك والتصرف، فلا شريك له في ذلك، وأن تصرفه بخلقه هو على وفق الحكمة في حال السعة والرخاء، وفي حال الضيق والشدة، فكلها حكمة عالية، تناسب الحال الحاضرة للمخلوقين[25].
2 - تعظيم ظلم الناس في دمائهم وأموالهم، وأن خطره عظيم يوم القيامة، حيث لا وفاء إلا من الأعمال الصالحة، وعظم مراقبة النبي ﷺ لربه وشدة بُعده عن الظلم، وفيه درس لكل من ولي شيئًا مهما صغر من أمر الناس -ولو على أهل بيته- أن يخشى على نفسه الزلل والوقوع في مظالم قد يُقاضَى عليها بين يدي الله تعالى إن لم يُقاضَى عليها في الدنيا.
1 - قرر الجمهور تحريم الاحتكار؛ للتصريح بأن المحتكر خاطئ، وذلك كافٍ فى إفادة عدم الجواز؛ لأن الخاطئ هو المذنب العاصى[26].
2 - قال ابن قدامة في حديث أنس: (فوجه الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه لم يسعر، وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه. الثاني: أنه علل بكونه مظلمة، والظلم حرام)[27].
3 - استدل المالكية ومن وافقهم على أن الاحتكار يدخل فيه كل ما يتضرر الناس بحبسه قوتًا كان أو غيره بعموم الأحاديث الواردة في منعه، وأجابوا على الأحاديث التي ظاهرها تخصيص العموم، مثل ما رواه ابن ماجه بسنده: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس»، بأن ما ورد من النصوص الخاصة فهي من قبيل اللقب، ومفهوم اللقب لا يؤخذ به.
حكم أخذ الذهب عن الفضة والعكس:
قال الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].
والربا كلمة معرفة تعم كل ربا، وقد بين النبي ﷺ أن من الربا بيع جنس بجنسه من دون تقابض.
846- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَبِيعُ الإبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذَهِ مِنْ هَذا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»، رواه الخمسة، وصحَّحه الحاكم. [الصواب فيه الوقف. ينظر: التلخيص الحبير (3/ 61)].
847- وعن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فكل واحد يقول: هذا خير مني، وكلاهما يقول: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورِق دينًا»، متفق عليه.
- الورق: هي الفضة المضروبة.
1 - في حديث ابن عمر دليل على أنه يجوز أن يقضي الدين عن الذهب بالفضة، وعن الفضة بالذهب؛ لأن ابن عمر كان يبيع بالدنانير، فيلزم المشتري في ذمته له دنانير - وهي الثمن- ثم يقبض عنها الدراهم، وبالعكس[28].
2 - وهذا الحديث يعتبر أصلًا في أن الدين يُؤدى بمثله لا بقيمته، حيث يؤدى عند تعذر المثلية إلى ما يقوم مقامها وهو سعر الصرف يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين، وهذا الحكم الشـرعي من الأحكام التي استقرت في الفقه، ولم يختلف حولها الأئمة الأعلام، فمهما غلت السلعة المقترضة يوم السداد، أو نقصت، فليس للمقرض سواها، أو قيمتها بسعر اليوم. فالواجب على المدين أداؤه هو نفس النقد المحدد في العقد الثابت دينًا في الذمة دون زيادة أو نقص، وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة[29].
3 - وفيه دليل على أنه إذا كان النقد حاضرًا، فحقه أن لا يفترقا إلا وقد قبض ما هو لازم عوض ما في الذمة، فلا يجوز أن يقبض البعض من الذهب، ويبقى البعض في ذمة من عليه الدنانير عوضًا عنها، ولا العكس[30]. لأن اقتضاء الدراهم من الدنانير صرف وعقد الصرف لا يصح إلاّ بالتقابض.
4 - وفي حديث البراء دليل على أنه يجب التقابض في المجلس في حالة اتفاق الجنس، ولو اختلف النوع، كبيع الفضة بالذهب، والعكس، ولا يجوز بيع أحدهما بالآخر دينًا.
ضابط: (العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة): وذلك لأن الديون تُقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أيًا كان مصدرها بمستوى الأسعار.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ﴾ [الأنعام: 164].
ﱡ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ عموم مؤكَّد، وهو أيضًا في سياق النفي أعقبه الاستثناء المفيد للحصـر بأن كسب كل نفس عليها، وتصرف الفضولي من كسبه.
قال القرطبي في تفسيره: (استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح، وهو قول الشافعي).
848- عن عروة البارقي رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا ليَشْتَرِي بِهِ أضحية أو شَاةً، فَاشْتَرَى به شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ» رواه الخمسة إلا النسائي، وقد أخرجه البخاري ضمن حديث، ولم يسق لفظه. [رواه البخاري برقم (3642)]، وأورد الترمذي له شاهدًا من حديث حكيم بن حزام. [حديث حكيم إسناده ضعيف].
عروة بن أبي الجعد البارقي: كان على قضاء الكوفة أيام عمر، وهو أول من قضى بها، وكان فيمن حضر فتوح الشام ونزلها، وكانت له سبعون فرسًا مربوطة رغبة منه في رباط الخيل.
1 - في الحديث دليل على جواز تصرف الفضولي، والفضولي هو الذي يتصرف في ملك غيره بغير إذنه، لكنه غير لازم وهو موقوف على إجازة المالك، فإذا قبل ما قام به من التصرف كان العقد صحيحًا، وإن لم يقبل فإنه يبطل، وهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه الحنفية، والمالكية[31].
2 - وفيه دليل على جواز التوكيل في البيع والشراء، ولا خلاف في ذلك[32].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - ينبغي أن يُعمل الإنسان فطنته وعقله في تدبير أموره، وأن يسعى للأنفع ما لم يكن في ذلك مقارفة لإثم، كما ينبغي أن ينصح لغيره كما ينصح لنفسه ويبغي لها الأنفع؛ قال ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
2 - بركة دعاء النبي ﷺ التي بلغت بهذا الرجل أن لا يخسر في صفقة، حتى لو اشترى ترابًا لربح فيه.
3 - الدعاء هو من المكافأة لمن صنع للإنسان معروفًا، أو نفعه بشيء، أو أعطاه شيئًا.
دل الجمع بين الأحاديث على أن تصرف الفضولي موقوف على إجازة المالك؛ وذلك أن ظاهر حديث عروة جواز تصرف الفضولي مطلقًا، وقوله ﷺ: «لَا تبع مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» يدل على عدم جواز بيع الفضولي، فكان الجمع بين الحديثين: جوازه بشرط إجازة المالك.
قال الله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134] والإقالة عفو وتنازل من المسلم لأخيه.
849- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ، أَقَالَ الله عَثْرَتَهُ»، رواه أبو داود وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان والحاكم.
- أقال: الإقالة: أن يقبل البائع من المشتري إرجاعه السلعة إليه، ويرد له ثمنها؛ فيقبل بذلك فسخ العقد والرجوع فيه بعد أن كان لازمًا.
- أقال الله عثرته: أي رفعه من سقوطه، وتسامح معه.
في الحديث دليل على استحباب الإقالة، وهي مشروعة إجماعًا، ولا بد من لفظ يدل عليها، وهو: (أقلت) أو ما يفيد معناه عُرفًا[33].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
هذه قُربة عظيمة إلى الله تعالى، وسببٌ لدفع البلايا والكُرَب في الدنيا والآخرة، لكونها تدل على معنى الإحسان والإيثار، والتسامي على حظوظ النفس، وإيثار رضا الله تعالى.
ذكر المسلم في الحديث جاء على سبيل التغليب، فلا يشترط أن يكون المقال مسلمًا، وإنما ذكره لكونه حكمًا أغلبيًا، وإلا فثواب الإقالة ثابت في إقالة غير المسلم، وقد أخرجه ابن حبان (5029) بلفظ: «من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة».
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29].
قال ابن عطية عن التراضي: (قالت طائفة تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر فيقول قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضًا فينجزم حينئذ، هذا هو قول الشافعي وجماعة من الصحابة).
850- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدَ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ»، متّفق عليه.
851- وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا -أو قال: حتى يتفرقا- فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما»، متفق عليه.
852- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «البَائِعُ وَالْـمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ»، رواه الخمسة إلا ابن ماجه، والدارقطني وابن خزيمة وابن الجارود. [لا يصح، وقوله: «لا يحل له أن يفارقه...» قال ابن عبد البر في التمهيد (8/ 496): لفظ منكر]، وفي رواية: «حتى يتفرقا من مكانهما». [زيادة منكرة].
853- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذَكَرَ رَجُلٌ لرسولِ الله ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خَلَابَةَ»، متّفق عليه.
- الخيار: طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو رده.
- البَيِّعان: هما البائع والمشتري.
- وإن كتما وكذبا: أي كتم أحدهما أو كلاهما عيبًا، أو كذب أحدهما في شيء من الصفات.
- محقت: أي: ذهبت بركته، وهي زيادته ونماؤه.
- ذَكَرَ رَجُلٌ: هو حبان بن منقذ، وكان قد شج في بعض مغازيه مع النبي ﷺ بحجر فأصابته في رأسه مأمومة، فتغير بها لسانه وعقله قليلًا.
- لا خَلَابة: أي: لا خديعة، ولا تلزمني خديعتك إن خدعتني.
1 - الأصل في العقود اللزوم، والخيار أمر عارض لها، وطارئ عليها، فهو على خلاف الأصل، والخيار إما أن يرجع إلى الشرع، فيمضي ولو لم يشترطه المتعاقدان، أو يرجع إلى اشتراط المتعاقدين، أو أحدهما.
2 - في الأحاديث دليل على ثبوت خيار المجلس في البيع، وهذا هو مذهب الجمهور[34].
3 - المجلس: هو موضع الجلوس، والمراد به هنا: استمرار الاتصال بين المتبايعين، ولو تحركا ولم يثبتا في مكان واحد، فلو قاما وتحركا إلى مكان آخر، فلا يزالان في خيار المجلس ما داما معًا.
4 - مرجع التفرُّق إلى العرف؛ فإذا كانا في مسجد كبير، أو سوق؛ فيحصل التفرق بأن يمشـي أحدهما مستدبرًا صاحبه خطوات، وإن كانا في بيت، فصعد أحدهما إلى الطابق الثاني، أو دخل الحمام، فقد حصل التفرق، ونحو ذلك مما يقضي له العرف بأنه تفرق.
5- ودل حديث حكيم بن حزام على مشروعية خيار المجلس أيضًا.
6- وفيه وجوب الصدق وتحريم الكذب في البيع بذكر مقدار أصل الثمن في الإِخبار، وما في الثمن أو السلعة من عيب وغيره.
7 - خيار العيب مجمع عليه بشرط أن يكون العيب موجودًا في المبيع قبل البيع، لا أنه حدث بعد قبض المشتري، فإن كان العيب قد حدث بعد القبض، فهو من ضمان المشتري، وهذا مجمع عليه كذلك[35].
8 - ودل حديث عمرو بن شعيب على تحريم التحايل لإسقاط خيار المجلس، فليس لأحد المتعاقدين في المجلس أن يبادر بالمفارقة؛ خشية أن يرجع الآخر عن البيع.
9 - ودل حديث ابن عمر على إثبات الخيار في حالة الغبن، وقد قال بمشروعية خيار الغبن الحنابلة، والظاهرية، ومالك في أحد قوليه[36]، ويثبت خيار الغبن عند الحنابلة في ثلاث صور: تلقي الركبان، النجش -وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها- المسترسل الجاهل بالقيمة من بائع ومشتر ولا يحسن أن يماكس فله الخيار إذا غبن الغبن المذكور[37]. واشترط الحنابلة لصحة هذا الخيار شرطين:
الأول: أن يكون الغبن فاحشًا خارجًا عن العادة، فالغبن اليسير لا يؤثر؛ لأنه نادرًا ما تسلم منه العقود.
والثاني: أن يكون المغبون جاهلًا غير عالم بالغبن ووقوعه فيه عند التعاقد، لأنه إذا كان عالمًا بالغبن، ومع هذا أمضى العقد، فإنه يدل على رضاه به.
10- لا يتطلب ثبوت الخيار التعبير بصيغة معينة، فكما يحصل بلفظ اشتراط (الخيار) يحصل بكل لفظ يدل على ذلك المراد، قال النووي: (اشتهر في الشـرع أن قوله: «لا خلابة» عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام، فإذا أطلق المتعاقدان هذه اللفظة، وهما عالمان بمعناها كان كالتصريح بالاشتراط، وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار).
11 - وفيه دليل كذلك على إثبات خيار الشرط، وجواز اشتراط الخيار هو قول الجمهور خلافًا للظاهرية[38]، والراجح قول الجماهير، فقد جعل النبي ﷺ للمشتري اشتراط الخيار في بيعه، وأن وجود مثل هذا الشـرط لا ينافي العقد، فدل ذلك على صحته، وجوازه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
قال ابن القيم: (أثبت الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضا الذي شرطه الله تعالى فيه بقوله: ﱡ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29]؛ فإن العقد قد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًا، فلا أحسن من هذا الحكم، ولا أرفق لمصلحة الخلق، فلو مكن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال، والمبادرة إلى التفرق؛ لفاتت مصلحة الآخر، ومقصود الخيار بالنسبة إليه)[39].
1 - ذكر العلماء أن مرجع التفرق إلى العرف؛ لأن كل ما لم يضع الشارع له حدًا فإنه يرجع فيه إلى العرف، والقاعدة: أن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة، فإنه يرجع فيه إلى العرف، ومثَّلوه بالحرز في السرقة، والتفرُّق في البيع[40].
2- الخيار ينقطع ولو فارق أحد الطرفين عمدًا وحيلة خشية أن يستقيل الطرف الآخر؛ لوجود التفرق، فإنه متى حصل التفرق لزم العقد، قصدا ذلك أو لم يقصداه، علماه أو جهلاه، لأن النبي ﷺ علق الخيار على التفرق، وقد وجد.