باب الرخص
ة في العرايا، وبيع الأصول والثمار
قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [االبقرة: 185].
والرخصة في بيع العرايا هي من باب تيسير الله على العباد.
871- عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَخَّصَ فِي العَرَايَا: أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا». متّفق عليه، ولمسـلم: «رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا».
872- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ»، متّفق عليه.
- العرايا: جمع عَريَّة، وهي بيع الرطب على النخيل بتمر مجذوذ، مثل كيله خرصًا.
- أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا: الخرص هو الحزر والتقدير بالظن؛ وذلك بأن يقدر الرطب الذي على النخل بمقدار معين بطريق الظن والحزر، فيبيع بقدره من التمر فيما يغلب على الظن.
- خمسة أوسق: جمع وسق، والوسق ستون صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء الكفين.
1- في الأحاديث دليل على جواز بيع العرايا من حيث الجملة، وأنها مستثناة من عموم تحريم بيع الرطب باليابس، وعلى هذا جمهور الفقهاء. ويشترط لجواز بيع العرايا عدة شروط أهمها:
أ - أن يكون الرطب على رؤوس النخل؛ لما تقدم. أما الرطب على وجه الأرض فلا يجوز بتمر؛ لنهيه ﷺ عن بيع الرطب بالتمر.
ب - أن يكون خمسة أوسق أو أقل.
ج - كون ذلك بخرصه لا جزافًا.
د - أن يبيع الرطب بالتمر، فلا يجوز بيعها بخرصها رطبًا.
هـ - وأن يكون التمر المشترى به كيلًا لا جزافًا.
و - أن يكون الحلول والقبض من الطرفين في مجلس العقد.
ز - أن يكون ذلك لحاجة[1].
2- يؤخذ من الحديث الرخصة في الرطب، ويلحق به العنب قياسًا، واختلف في إلحاق غيرهما بهما.
3- الرخصة عامة لجميع الناس الأغنياء والفقراء، حيث أطلق الرخصة من غير تقييد بأحد، وهو أصح قولي الشافعي.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- سماحة الشريعة ويسرها، وتلبيتها الرغبات والشهوات المباحة، وأنه لا عنت فيها، ولا مشقة.
2- غلبة الظن تقوم مقام اليقين إذا تعذَّر اليقين أو تعسَّر، فإنه لما تعذَّر معرفة ما على رأس النخلة بمعياره الشرعي وهو الكيل، اكتفى الشارع بغلبة الظن بتقديره خرصًا.
3 - إباحة الترَفُّه والتنعم في المأكل والمشـرب والملبس، ما دام أن ذلك لم يصل إلى درجة السرف والتبذير[2].
1 - بيع العرايا مستثنى من بيع المزابنة المحرم لأنه تدخله المزابنة المنهي عنها، ويدخله بيع الرطب باليابس، وبيع الطعام بالطعام نسيئة، وإنما رخص فيه الشرع للحاجة.
2 - وجاءت الرخصة فيه أيضًا من حيث اغتفار الخَرص، حيث لا يتحقق العلم بالتماثل؛ لأن مبناه على الظن أو غلبته، وهنا موضع الرخصة.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: 29].
873- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالْـمُبْتَاعَ»، متّفق عليه. وفي رواية: وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا؟ قَالَ: «حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُا».
874- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهَي. قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: «تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ»، متّفق عليه.
875- وعنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْـحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ»، رواه الخمسة إلا النسائي، وصحَّحه ابن حبّان والحاكم.
- وكَانَ إِذَا سُئِل: أي: ابن عمر رضي الله عنهما.
- حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُها: العاهة هي الآفة تصيب الزرع أو الثمر فتفسده، وتذهب العاهة غالبًا إذا ظهر النضج.
- حَتَّى تُزْهِي: الإزهاء: تغيُّر لون الثمرة في حالة الطيب.
1 - دلَّت الأحاديث على تحريم بيع الثمر قبل بدو صلاحه، ومن باب أولى المنع من بيع الثمار قبل أن تخلق، فهو حرام ولا ينعقد، وأما بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بشـرط القطع في الحال، فهو جائز، قال ابن الهمام في فتح القدير: (لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر، ولا خلاف في تحريمه بعد الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح) [3].
2 - يجوز بيع الثمار مع الشجر، سواء كان البيع قبل بدو الصلاح أو بعده، وأما بيع الثمار وحدها من غير شرط القطع، فالجمهور على أن البيع لا يصح للحديث[4].
3 - قوله: «حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُا»: فيه بيان العلة التي نهي من أجلها عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وهي خوف الآفة على الثمر، وإذا تحقق القطع، فإن هذه العلة تكون غير متحققة.
4 - وفي حديثي أنس بيان للحال التي بها يعرف بدو صلاح الثمر، وذلك يختلف باختلاف الثمر، فما يتلون من الثمار كالبلح والعنب، فصلاحه يكون بابتداء تلونه، فيحمر أو يصفر، والعنب يبدأ صلاحه حين يسود، وهكذا.
5 - إذا اشتدت الحبوب -ومثلها البقوليات والأرز، ونحوها- وزالت طراوتها، فهذا هو بدو صلاحها، وبداية نضجها، ولو كان الحب لا يزال في سنبله، أو قشره، أو غلافه، ونحو ذلك.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من محاسن الشريعة النهي عن كل ما يضر بأحد المتبايعين؛ فإن في بيع الثمر قبل بدو صلاحه غرر ومظنة غبن؛ لذا نُهي عن بيعها حتى تذهب عاهتها ويبدو صلاحها.
1 - في قوله: «حتى يبدو صلاحها»: تعليق للجواز بهذه الغاية، فإذا تحققت جاز البيع، وإن لم تتحقق بقي التحريم. وكذلك قوله: «حتى يسود» و«حتى يشتد» فقد جعل النبي ﷺ الاشتداد غايةً للمنع، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها في الحكم، فعُلم أنه إذا وقع الاشتداد زال المنع من البيع، فيكون البيع صحيحًا.
2 - يجوز بيع الثمار مع الشجر قبل بدو الصلاح أو بعده؛ لأنه حينئذ يكون تابعًا، والتابع تابع، ويجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا[5].
3 - قوله: «حَتَّى تُزْهي»: فيه أن زهو بعض الثمرة كاف في جواز البيع؛ اكتفاء بأول الاسم، إذ يصدق عليه أنه بدأ يزهو، فيكتفى بمسمى الإزهاء وابتدائه من غير اشتراط تكامله؛ لأنه جعل مسمى الإزهاء غاية للنهي، وبأوله يحصل المسمَّى، فزهو بعض الثمرة كاف.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: 29]، فقوله عليه الصلاة والسلام في حديث جابر الآتي في الباب: «بم تأخذ مال أخيك بغير حق» يدخل في أكل أموال الناس بالباطل المذكور في الآية.
876- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟»، رواه مسلم.
وفي رواية له: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الـجوَائِحِ».
- جائحة: هي النازلة العظيمة التي تستأصل الثمار وتهلكها بغير فعل الآدمي، وذلك كالريح والبرد والصواعق والجراد والفئران، ونحو ذلك.
1 - في الحديث دليل على أن الثمار التي على رؤوس الشجر إذا باعها المالك وأصابتها جائحة قبل الجذاذ؛ فإن ضمانها يكون على البائع، فيرجع المشتري عليه بما دفعه من الثمن، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة[6].
2 - ظاهر الحديث أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء اليسير الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه[7].
علل ﷺ في الحديث تضمين البائع الجائحة بأن أخذه من مال المشتري حال إصابة المبيع بجائحة يعتبر أكلا للمال بغير حق؛ وذلك لأن الثمرةلم تقبض قبضًا تامًا بحيث يتمكن القابض من جذاذها، كما أن المستأجر إذا قبض العين لم يحصل القبض التام الذي يتمكن به من استيفاء جميع المنفعة، فإذا تلفت المنفعة قبل تمكنه من استيفائها سقطت الأجرة، فكذلك إذا تلفت الثمرة قبل التمكن من الجذاذ سقط الثمن[8].
الأحق بالثمرة بعد التأبير وقبله:
877- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْـمُبْتَاعُ»، متّفق عليه.
- تُؤَبَّرَ: التأبير هو التلقيح، وهو أن يشقق أكمة إناث النخل، ويذرّ طلع الذكر فيها.
1 - دلَّ الحديث على أن الثمرة بعد التأبير للبائع، ومفهومه أنها قبله للمشتري، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء؛ عملًا بظاهر الحديث، فمن باع نخلًا وعليها ثمرة مؤبرة لم تدخل الثمرة في البيع، وتبقى على ملك البائع، فإذا كانت الشجرة غير مؤبرة؛ دخلت الثمرة في البيع، وتكون للمشتري مع النخل المبيع. وقال أبو حنيفة: (هي للبائع قبل التأبير وبعده)[9].
2 - لا يشترط في التأبير أن يؤبّر بفعل أحد، بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به[10].
3 - وفي قوله: «إلا أن يشترط المبتاع» دليل على أنه إذا قال المشتري: اشتريت الشجرة بثمرتها؛ كانت الثمرة له، فهنا اشترطها، فكانت له على ظاهر الحديث.
4 - ودل الحديث على أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع، وهذا النص في النخل، ويقاس عليه غيره.
وجه قول أبي حنيفة من أن الثمرة للبائع قبل التأبير وبعده، أنه مشى على أصله في عدم العمل بمفهوم المخالفة. والراجح مذهب الجمهور؛ لأن مفهوم المخالفة معتبر معمول به، قد عمل به الصحابة وأقره النبي ﷺ، فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101] فقد أمن الناس! فقال: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»[11]، فالآية تدل على أن القصر في السفر يكون من أجل الخوف، ومفهوم المخالفة أن المسافر لا يقصر الصلاة إذا كان آمنًا، ولم ينكر النبي ﷺ على عمر العمل بمفهوم المخالفة، وإنما بيَّن له أن مفهوم المخالفة لا يعمل به هنا في هذه الآية[12].