حجم الخط:

محتوى الدرس (92)

أبواب الAdobe Systemsسَّلَم والقرض والرهن

شروط السلَم:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: 282]. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحلَّه وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى رواه البخاري.

[الأحاديث]

878- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الـمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، متّفق عليه. وللبخاريّ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ».

879- وعن عبد الرّحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قالا: «كُنَّا نُصِيبُ الـمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ -وَفِي رِوَايَةٍ: وَالزَّيْتِ- إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. قِيلَ: أَكَانَ لَـهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْألهُمْ عَنْ ذَلِكَ»، رواه البخاري.

ترجمة الراوي:

عبد الرحمن بن أبزى مولى خزاعة الكوفي، أحد صغار الصحابة، سكن الكوفة، كان ممن رفعه الله بالقرآن، ولهذا استنابه نافع على مكة مع أنه مولى، واستعمله عليٌ رضي الله عنه على خراسان، عاش إلى سنة نيف وسبعين.

التوضيح:

- من أسلف: السلف والسلم في البيوع بمعنى واحد؛ وهو أن يكون الثمن حالًا والمبيع مؤجلًا.

- أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّام: هم من العرب دخلوا في العجم والروم، فاختلطت أنسابهم، وفسدت ألسنتهم.

الدلالات الفقهية:

1 - السلم هو بيع شيء موصوف في الذمة إلى أجل معلوم بشرط تسليم رأس المال - الثمن - في مجلس العقد، وهو جائز بإجماع العلماء [1].

2 - يشترط لصحة بيع السلم أن يكون البدلان مختلفين في الجنس، أو كما يعبر بعض العلماء: أن يكونا مما تجوز فيهما النسيئة، فلا يجوز تسليم الذهب والفضة: أحدهما في الآخر؛ لأن ذلك ربا. وهكذا، ولكن تسليم الفضة بالبر جائز؛ لجواز النسأ في هذه الحالة.

3 - ويشترط قبض رأس مال السلم المعلوم في مجلس العقد، فلو تفرَّقا من غير قبض رأس المال لم يصح؛ لأنه سيكون من بيع الدين بالدين، وهو قول الجمهور. وأجاز المالكية تأخيره اليومين والثلاثة، علَّلوا ذلك بأنه تأخير يسير معفو عنه[2].

4 - وفي حديث ابن عباس دليل على أنه يشترط أن يكون المسلَم فيه معلومًا، وقد أجمع العلماء على أنه لا بد من معرفة صفة الشيء المُسْلَم فيه صفة تميزه عن غيره[3]، فيكون معلومًا بكونه حاضرًا مشاهدًا، أو بأن يكون موصوفًا بذكر مقداره، وجنسه، ونوعه، وغير ذلك من الصفات التي يختلف السلم باختلافها.

5 - وفيه دليل على أنه يشترط أن يكون المسلم فيه دين موصوف في الذمة إلى أجل معلوم، فلا يصح أن يكون الأجل مفتوحًا غير محدد، وهذا مجمع عليه[4].

6 - استدل الجمهور بالعموم في قوله: «من أسلف في شيء» على أنه يجوز السلم في غير الزرع أيضًا، وأنه يجوز في الحيوان[5].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

حكمة مشروعية السلم: أن عقد السلم مما تدعو إليه الحاجة، ومن هنا كان في إباحته رفع للحرج عن الناس؛ فالمزارع مثلا قد لا يكون عنده المال الذي ينفقه في إصلاح أرضه وتعهد زرعه إلى أن يدرك، ولا يجد من يقرضه ما يحتاج إليه من المال، ولذلك فهو في حاجة إلى نوع من المعاملة يتمكن بها من الحصول على ما يحتاج إليه من المال، وإلا فاتت عليه مصلحة استثمار أرضه، وكان في حرج ومشقة وعنت، فمن أجل ذلك أبيح السلم.

قال ابن قدامة: (ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص)[6].

طريقة الاستدلال:

ليس من شرط السلم وجود المسلم فيه، ولو كان من شرطه لاستفصلوهم، وقد قالا: (ما كنا نسألهم)، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وقد ذهب إلى هذا الشافعية ومالك، واشترطوا إمكانه عند حلول الأجل، ولا يضر انقطاعه قبل حضور الأجل. قال الصنعاني: (وهو استدلال بفعل الصحابي أو تركه، ولا دليل على أنه ﷺ علم ذلك وأقره، وأحسن منه في الاستدلال: أنه ﷺ أقر أهل المدينة على السلم سنة وسنتين، والرطب ينقطع في ذلك)[7].

أحكام القرض:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 280].

[الأحاديث]

880- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ بِنَسِيئَةٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعَ»، أخرجه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات. [وأخرجه الترمذي في السنن (1213) وصحَّحه، والحاكم في المستدرك (2241)].

881- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى الله عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا، أَتْلَفَهُ الله»، رواه البخاريّ.

882- وعن أبي رافع رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ إِلَّا خَيَارًا، قَالَ: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً»، رواه مسلم.

883- وعن عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كلّ قرض جرّ منفعة فهو ربا»، رواه الحارث ابن أبي أسامة، وإسناده ساقط. وله شاهد ضعيف عن فضالة بن عبيد عند البيهقيّ، وآخر موقوف عن عبد الله بن سلام عند البخاريّ.

التوضيح:

- أَتْلَفَهُ اللهُ: أي: في الدنيا في معاشه أو في نفسه، وقيل المراد بالإتلاف: عذاب الآخرة.

- استسلف: أي: استقرض.

- بكرًا: أي: شابًا من الإبل.

- رباعيًا: هو من الإبل ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة دليل على صحة البيع الآجل. وقد اتفق الفقهاء على عدم جواز التأجيل إلى ما لا يعلم وقت وقوعه -حقيقة أو حكما- ولا ينضبط، وهو الأجل المجهول؛ وذلك كما لو باعه بثمن مؤجل إلى قدوم زيد من سفره، أو نزول مطر، أو هبوب ريح، وكذا إذا باعه إلى ميسرة[8]، وأجاب ابن حجر عن حديث الباب فقال: (والحق أنه لا دلالة فيه على المطلوب لأنه ليس في الحديث إلا مجرد الاستدعاء فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه ولذلك لم يصف الثوبين)[9].

2 - وفي حديث أبي رافع دليل على جواز اقتراض الحيوان، وأنه يستحب لمن عليه دين من قرض أو غيره أن يرد أجود من الذي عليه، وأن ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة عرفًا وشرعًا، ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعًا؛ لأنه لم يكن مشروطًا من المقرض، وإنما ذلك تبرع من المستقرض.

3 - وظاهره عموم الزيادة عددًا أو صفة، ومذهب مالك أن الزيادة في العدد لا تحل[10]، ويرد عليه حديث جابر قال: «أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني» متفق عليه، فإنه صرح بأن النبي ﷺ زاده، والظاهر أن الزيادة كانت في العدد، وقد ثبت في رواية البخاري: «أن الزيادة كانت قيراطًا»[11].

4 - وفيه جواز القرض لحاجة ما يتولى عليه الإنسان من وقف، أو وصية، أو مال يتيم، إذا كان في الاستقراض والاستدانة غبطة أو مصلحة لما تولى عليه.

5 - وفيه أن والي المسلمين يتصرف في بيت المال بما يرى أنه الأحسن والأصلح[12].

6 - ودلَّ حديث عليٍّ رضي الله عنه على أن اشتراط المنفعة أو الزيادة في القرض لا تجوز، وأن ذلك مفسد لعقد القرض، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم[13]؛ لأن القرض عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عما جاز لأجله.

7 - قال الشوكاني: (الهدية والعارية ونحوها: إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه، فذلك محرم؛ لأنه نوع من الربا أو رشوة، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس، وإن لم يكن ذلك لغرض أصلًا، فالظاهر المنع؛ لإطلاق النهي عن ذلك)[14].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في حديث عائشة بيان ما كان عليه ﷺ من حسن معاملة العباد، وعدم إكراههم على الشيء، وعدم الإلحاح عليهم، كما أنه مِن كرم نفسه وحسن خلقه ﷺ أنه لم يعاتبه، ولم يؤنبه، وإنما عامله بما أدبه الله تعالى به في مثل قوله: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

2 - صرحت رواية الترمذي لحديث عائشة أن صاحب البز يهودي، وفي الحديث بناء على ذلك بيان لؤم اليهود وشُحّهم، وفساد طويتهم، وأن هذه الأخلاق الذميمة والصفات الدنيئة متأصلة بأولهم وآخرهم، إلا من أنقذه الله تعالى منهم باتباع الرسل، وهدي الأنبياء[15].

3 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أن المسلم إذا استدان وهو عازم على الوفاء بما عليه من ديون، فإن الله تعالى يعينه وييسـر عليه قضاءها مهما كثرت، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: (فانظر كيف جعل النية الصالحة سببًا قويًا للرزق وأداء الله عنه، وجعل النية السيئة سببًا للتلف والإتلاف)[16].

4 - والحديث يدل على أن من أخذ أموال الناس قرضًا، أو شركة، أو إجارة، أو عارية، أو غير ذلك ونيته أداؤها إليهم؛ أدى الله عنه في الدنيا، وفي الآخرة.

فأما في الدنيا، فذلك بأن يسهل أمره، ويربح عمله، فيؤديها، وأما في الآخرة؛ فإذا مات، ولم يوفِ، فبأن ي رضي الله عنه غريمه بما شاء الله تعالى.

5 - فيه تعظيم حقوق العباد وأموالهم، ووجوب التحرز منها، والابتعاد عنها إلا بحق.

6 - وفيه أن الجزاء من جنس العمل؛ فكما يدين العبد يدان: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشـر، فليحرص المسلم أن يعامل الخلق بمثل ما يحب أن يعامل به[17].

طريقة الاستدلال:

1 - ضابط المنفعة المحرمة: كل قرض جر منفعة زائدة متمحضة مشـروطة للمقرض على المقترض أو في حكم المشروطة فإنها ربا.

2 - ضابط المنفعة المباحة: هي كل منفعة في القرض متمحضة للمقترض، وكل منفعة مشتركة بين المقترض والمقرض إذا كانت منفعة المقترض أقوى أو مساوية[18].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة