أحكام الرهن:
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283].
قال ابن عاشور في تفسيره: (وأمّا مشروعية الرهن في الحضر فلأنّ تعليقه هنا على حال السفر ليس تعليقًا بمعنى التقييد بل هو تعليق بمعنى الفرض والتقدير... فلا مفهوم للشرط لوروده مورد بيان حالة خاصة لا للاحتراز).
884- عن عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد»، متفق عليه.
885- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ»، رواه البخاري.
886- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»، رواه الدّارقطنيّ والحاكم، ورجاله ثقات، إلا أنّ المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. [وينظر: تنقيح التحقيق (3/17)].
- ورهنه درعًا: الرهن هو توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها إن تعذر الاستيفاء من ذمة المدين.
- الظهر: أي: ظهر الدابة المرهونة.
- يركب بنفقته إذا كان مرهونًا: أي يركبه المرتهن وينفق عليه.
- الدَّر: هي ذات الضرع.
- لا يَغْلَقُ الرَّهنُ مِنْ صَاحِبِه: أي يبقى في ملك الراهن، ولا يملك المرتهن الرهن.
1 - في حديث عائشة دليل على جواز الرهن، مع ما نطق به الكتاب العزيز، وقد أجمع العلماء على جواز الرهن[1].
2 - وفيه دليل على جواز معاملة الكفار، وعدم اعتبار الفساد في معاملاتهم، وجواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة، وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معه [2].
3 - وفيه جواز الرهن في الحضر، وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد والعلماء كافة إلا مجاهدًا وداود، فقالا: لا يجوز إلا في السفر، والراجح قول الجماهير؛ لهذه الأحاديث[3].
4 - ودلَّ حديث أبي هريرة على جواز الانتفاع بالمرهون، وهو مذهب جمهور الفقهاء في الجملة إن أذن فيه الراهن، أما إن لم يأذن فيه، فقد فرَّق الحنابلة بين المرهون المركوب أو المحلوب وبين غيرهما، وقالوا: إن كان المرهون غير مركوب أو محلوب، فليس للمرتهن ولا للراهن الانتفاع به إلا بإذن الآخر، وأما إن كان مركوبًا أو محلوبًا فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته[4].
5 - إذا كان الرهن غير حيوان، فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن إذا لم يكن للرهن مؤونة، كالدار والمتاع ونحوه، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بلا خلاف؛ لأن الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذها بغير إذنه[5].
6 - وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على أن المرتهن لا يملك العين المرهونة ملكًا مطلقًا، ولكن المرتهن أحق بالعين وإمساكها إلى وقت إيفاء الدين، وإذا مات الراهن فهو أحق به من سائر الغرماء، فيستوفي منه دينه، فما فضل يكون لسائر الغرماء والورثة باتفاق الفقهاء[6].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التقلل من الدنيا وملازمة الفقر، وسبب اشتراء النبي ﷺ الطعام من اليهودي ورهنه عنده دون الصحابة، لعله لأن الصحابة لا يأخذون رهنه ﷺ، ولا يقبضون منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيق على أحد من أصحابه.
2 - شرع الله تعالى الرهن تيسيرًا للناس، ووسيلة للوصول إلى حاجاتهم، وذلك بتوثيق الدين لأصحاب الحقوق حتى يستوفوها من الرهن حينما يعجز أصحاب الرهن عن الوفاء، فإذا جاء وقت سداد الدين، وامتنع المدين من سداد الدين، أو عجز، فإن الرهن يباع ويأخذ الدائن حقه، وإن بقي من الثمن شيء رده إلى صاحبه، والدائن حينما يأخذ الرهن يصبح في مأمن من هلاك دينه بجحده من قبل الراهن المدين، أو إفلاسه، وكل شيء يتضمن مصلحة بدون مفسدة راجحة فإن القياس يقتضـي حله وجوازه؛ لأن أصل الشريعة مبني على المصالح الخالصة أو الراجحة[7].
1 - مَنَع جواز الرهن في الحضر مجاهد وداود، فقالا: لا يجوز إلا في السفر؛ تعلقًا بمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283]، واحتج الجمهور بمنطوق هذا الحديث، وهو مقدم على دليل خطاب الآية.
2 - دلت جملة: «الظهر يركب، والدر يشرب» على أنه يجوز للمرتهن أن ينتفع بالحيوان المرهون وإن لم يأذن له الراهن، فهي جملة خبرية في معنى الإنشاء، مثل: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾ [البقرة:233]؛ أي ليرضعن. والقول بأن هذا الحديث مخالف للأصول مردود؛ لأن السنة أصل قائم بذاتها، فلا ترد بزعم مخالفتها للأصول.